الدم العربي الرخيص
|

محمد الأشهب
|
|
عقدة الاحسان التي تحكمت في إقامة دولة
اسرائيل تحولت الى ما يشبه أمومة الطفل المشاغب الذي يقبل منه أي شيء، بما في ذلك
إحراق الزرع والنسل من دون أي رادع. ذلك انها المرة الأولى التي يصبح فيها وقف
النار مستعصياً حتى على الدولة العظمى أميركا التي لا تريده. أما المجازر البشعة
التي يدينها العالم برمته، فإنها لا تعدو من وجهة نظر اسرائيلية واميركية كونها
ترتيبات سياسية للمنطقة. ما يعني اسقاط كل الذرائع التي كانت وراء إشعال الحرب.
كون الخطة التي تنفذها الآلة العسكرية الاسرائيلية كانت جاهزة تتصيد الفرصة. ولا
يهم ان تكون على حساب المدنيين الأبرياء، فحطب النار، إذ يكون أجساداً عربية
لاطفال وشيوخ ونساء من غير المقاتلين، لا قيمة له. تماما كما يصبح رقم اثنين من
الأسرى الاسرائيليين معادلاً لإفناء شعب كامل. ومرمى لضحايا مجزرة قانا وجميع
القتلى الأبرياء بأسى وأسف مجلس الأمن الدولي العاجز عن تسمية الأشياء بأسمائها
بعد أن انضم الى قافلة المتفرجين على هول المأساة.
لغة الأرقام لم تعد تشمل التمييز بين
الانسان لذاته، إذ تكون قيمته عالية عندما يحمل الجنسية الاسرائيلية أو الأميركية
وتنحدر الى الدونية عندما يكون لبنانياً أو فلسطينياً أو عراقياً. ولكنها تطاول
الأيام كذلك اذ يسمح لاسرائيل بإضافة اسبوع آخر في حرب الابادة. ففي الزمن
الاسرائيلي لا مكان للاستعجال طالما ان من يدفع الثمن انسان آخر من خارج معادلات
القيم الكونية. ففي الأزمة مع ايران تقاس الأيام بمنطق تسريع الرد على الاقتراحات
المطروحة وإلا ينقل ملفها الى مجلس الأمن، أما في لبنان فإن المجلس ذاته يمنح
اسرائيل المهلة التي تريدها ما دامت تخوض حرب الوكالة عن الآخرين. ونفوذ الزمن
يصبح أقوى أو أضعف بارتباط مع نفوذ الأوطان، فالأميركيون قبل الإسرائيليين، صاغوا
حقائق تحظر متابعة جنودهم جراء الجرائم ضد الإنسانية وأنتهجوا أساليب انتهاك
القوانين لتبجيل المحارب الأميركي خارج أرضه، لذلك كان في استطاعة اسرائيل أن
تستنسخ الصورة الأكثر قبحاً من دون أي عناء.
لا فرق بين غوانتانامو وسجون اسرائيل
ولا فرق بين ملاجئ العامرية أو قانا، لأن الدم العربي واحد ورخيص الى هذا الحد.
وعلى مدى عقود في الصراع العربي - الإسرائيلي كان نبذ القرارات الدولية عندما
يتعلق الأمر بإسرائيل في مقابل قدر أكبر من الحسم والحماس في إلزام الأطراف
العربية بقرارات مماثلة يسري مفعولها بمثل معايير تدبير الفوارق بين الأزمان
والأوطان.
لا يوازي الاحساس بالإحباط ازاء هذه
الفوارق الإنسانية والسياسية سوى الاحساس بالتعويل على الذات في تحديد المصالح
وتطوير القدرات، فما سقط ليس الانحياز الكامل لدولة الاحسان الإسرائيلية، ولكنه
الأوهام حول لبنان الرخاء والديموقراطية في غياب امتلاك مقومات المواجهة، كي لا
تظل أرضه مستباحة أمام حروب الآخرين، ودلت وقائع الصمود اللافت للشعب اللبناني
أنه مستعص على الاذلال. وكما أنهت غضبته بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق
الحريري أوهاماً كثيرة في استباحة رموز وجوده، فإن وقفته الصامدة كياناً سياسياً
واجتماعياً موحداً في مواجهة ترتيبات المرحلة التي سوقت لأوهام حرب الوكالة انما
تعني انه لم ينخدع ببلاغات النزعات الانقسامية، كون أعداء لبنان موجودين خارج
حدوده وليس داخلها. فالزمن ايضاً يسعف في قراءة مواطن القوة الكامنة في الوطن
الموحد، والمحنة الراهنة اختبار لإرادة الحياة على انقاض الموت.
|
libyaalmostakbal@yahoo.com