03/08/2006

 
 
عيون وآذان (أيهما أغرب من الآخر؟)
 
عن صحيفة الحياة اللندنية 3 أغسطس 2006
 
 
جهاد الخازن

 
أيهما أغرب من الآخر: ان يطلب جورج بوش من إيران وسورية مساعدتهما ضد «حزب الله»، وهو يحاول منذ سنوات قلب نظاميهما، أو أن يحمي نطفة لم تولد، وهو يترك إسرائيل حرة في قتل النساء والأطفال بقنابل «ذكية» أميركية.
 
«ذكاء» القنبلة من ذكاء الرئيس، فهي تدمر نفسها بذكائها، وهو يتفوق على نفسه يوماً بعد يوم في ارتكاب أخطاء تتراكم وتتفاقم ويدفع العالم كله مع الولايات المتحدة الثمن.
 
لا أرى ان الرئيس بوش دفع ثمناً لمجرد هبوط شعبيته فهي في الأرض، داخل بلاده وخارجها، وكان وضعه تحسن أسبوعاً بعد تسجيل أرقام قياسية في السقوط، وأعلن المحافظون الجدد انه عاد، إلا أنه عاد ليتعثر، فهو يستطيع أن «يتفركش» بخياله.
 
أعود الى مقدمة هذه الزاوية فالجزء الثاني منها يحتاج الى شرح، وباختصار فالرئيس بوش رأى الناس يذبحون في العراق ولبنان وغزة فعارض وقف إطلاق النار بحماسة إسرائيلية، ثم استخدم الفيتو للمرة الأولى في ولايتيه لمنع أبحاث الخلايا الجذعية التي قد تنقذ مصابين كثيرين من مرض ألزهايمر وغيره.
 
مجلس الشيوخ صوت بغالبية 63 ضد 37، مؤيداً أبحاث الخلايا الجذعية، فالغالبية الأميركية عاقلة، إلا أن الرئيس الذي لم يستعمل الفيتو منذ دخوله البيت الأبيض خضع لجناح حزبي متطرف قي قاعدته الأصولية المسيحية، واستعمل الفيتو ضد هذه الأبحاث.
 
إذا كانت كل حياة بشرية مقدسة، وهي في موضوع الخلايا الجذعية لم تبدأ بعد، فماذا عن حياة النساء والأطفال في لبنان وفلسطين، وفي العراق حيث لا أنسى ان القتل اليومي يزيد أضعافاً بعد «التحرير» على ما ارتكب صدام حسين.
 
جورج بوش (أو الذين يفكرون له نيابة عنه)، يعتقد بأن إسرائيل تستطيع أن تدمر «حزب الله»، وتضرب نفوذ إيران في الشرق الأوسط كله. إلا أن حكومة إيهود أولمرت، وهو غير عسكري كوزير دفاعه عمير بيريتس، تراجعت بسرعة عن هدف التدمير لاستحالته وأصبحت تتحدث عن إضعاف «حزب الله» وإبعاده عن الحدود. ولكن الرئيس لم يلاحظ تغيير الهدف الإسرائيلي، وإنما يجد فرصة في الدمار الحاصل لدفع الشرق الأوسط نحو الديموقراطية.
 
الديموقراطية لا تفرض بالسلاح، وهي لإدارة جورج بوش عذر لا استراتيجية، فكلنا يعرف ان الحرب على العراق بدأت على أساس كذبة أسلحة الدمار الشامل والعلاقة مع «القاعدة»، وعندما لم توجد هذه أو تثبت تلك، أصبح الحديث عن الديموقراطية وجعل العراق نموذجاً للشرق الأوسط كله (الرئيس بوتين قال للرئيس الأميركي في قمة الثماني انه لا يريد لبلاده ديموقراطية كما في العراق). ولم تصبح بلاد الرافدين منارة ديموقراطية فأصبح الحديث عن حرب مفتوحة على الإرهاب، وكلنا مع أميركا في حربها على إرهاب إسامة بن لادن و «القاعدة»، وما مثل الإرهابي الزرقاوي في العراق، إلا اننا كلنا مع «حزب الله» و «حماس» كحركتي تحرر وطني ضد الإرهاب الإسرائيلي. وأعارض العمليات الانتحارية مرة أخرى ثم اتهم اسرائيل وحدها به، وأنا أذكّر القراء بأن الديموقراطية عندما لم تأت كما اشتهت الإدارة، جاءت بالاخوان المسلمين في مصر وبحماس ومحمود أحمدي نجاد.
 
أتكلم عن الفشل الأميركي في الشرق الأوسط، لأن «الجمرة ما بتحرق إلا موضعها» كما نقول في لبنان، غير ان الإدارة فشلت على كل صعيد، من البيئة الى عجز الموازنة والتبادل التجاري، الى التعامل مع الكوارث الطبيعية، والتجسس على مكالمات المواطنين وحساباتهم المصرفية من دون إذن المحاكم.
 
وقد تلقى جورج بوش ضربة قوية بخسارة قضية حمدان ضد رامسفيلد في المحكمة العليا التي قررت ان محاكمة اليمني سليم أحمد حمدان أمام لجان عسكرية خاصة تخالف سلطة الكونغرس، وتنتهك اتفاقات جنيف. وقال الخبراء ان المحكمة العليا قررت في الواقع ان حال الطوارئ التي تلت إرهاب 11/9/2001 انتهت ولم يعد عند الإدارة سبب لانتهاك حقوق المواطنين، أو مخالفة الدستور بحجة مكافحة الإرهاب.
 
وشجع قرار المحكمة العليا محامي دفاع عسكريين على الحديث عن تجربتهم مع وزارة الدفاع، وتبين ان كثيرين منهم حذروا بعد إرهاب 11/9/2001 من مخالفة القوانين المحلية والاتفاقات الدولية في معاملة الأسرى والمعتقلين إلا ان وزارة الدفاع أهملت نصحهم. والمحامون العسكريون الذين قرأت كلامهم تراوحت رتبهم بين كولونيل (امرأة) وأميرال.
 
قرار المحكمة العليا شجع آخرين على التحرك، والسناتور أرلن سبكتر، وهو جمهوري من بنسلفانيا يترأس اللجنة القانونية في مجلس الشيوخ، يريد ان يمنح الكونغرس نفسه سلطة جر الرئيس الى المحاكم بسبب «البيانات الموقعة» لمنعه من تجاوز الكونغرس وزيادة صلاحياته بحجة مكافحة الإرهاب.
 
والموضوع هذا أيضاً بحاجة الى شرح، فقد كنت أشرت في 16 تموز (يوليو) الماضي الى شيء ترجمته بعبارة «تصريح مرفق بالتوقيع»، فالرئيس يوقع على قانون ثم يرفقه برسالة منه تتحفظ عنه ويبدو ان جورج بوش تحفظ على 750 قانوناً حتى الآن، وهو رقم قياسي لرئيس، ما أثار المشترعين عليه، فقرأت قبل أيام عن اقتراح سبكتر للحد من تجاوزات الرئيس.
 
فشل إدارة بوش كان قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، حتى ونحن نهتم بالشرق الأوسط ونقدمه على غيره، فلا أطلب سوى رحمة ربنا بالسيدة كارين هيوز التي أرسلت لتحسين صورة الولايات المتحدة بيننا، في مشروع الديبلوماسية العامة المعروف. مهمة كارين هيوز ومساعدتها دينا باول (حبيب) بحاجة الى معجزة توراتية من نوع إحياء الموتى، والمسؤولية عن الفشل تتحملها الإدارة وحدها.
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com