في
الحرص على الأوطان والشعوب
|

حازم صاغيّة
|
|
قد يخلص محلّل بارد الى افتراض احتمال
الفوضى في لبنان إذا ما جيء بقوات دوليّة إليه، أو إذا ما طُبّق فيه القرار 1559.
أما ان يرد هذا الافتراض، ببرودة و «حيادية» و «تقدير استراتيجيّ»، على ألسنة
مسؤولين وغير مسؤولين، لبنانيّين وسوريّين، فهذا يرقى الى رغبة أو اشتهاء أو
ابتزاز أو تحريض. فكيف حين لا يقتصر الأمر على كلام، فتتشكّل في لبنان «جبهة»
تسمّي نفسها «جبهة العمل الاسلاميّ» يجهر بعض رموزها بعلاقة صريحة تجمعهم بـ
«القاعدة» (أنظر مقالة الزميل نصير الأسعد في «المستقبل» البيروتيّة، يوم أمس)؟
فكأن الرسالة التي تُبثّ الى لبنان
واللبنانيين مفادها: إما أن تبقوا ساحة مفتوحة للصراع، مُشرعة على قانا تتكرّر كل
يوم، وعلى انهدام كلّ حجر، أو أن يلتهمكم إرهاب سافر على الطريقة التي يعانيها
العراقيّون.
وهذا، والحق يقال، من علامات بؤس العقل
الذي يريد أصحابه أن «ينتصروا» وأن «تنتصر» «قضيّتهم» بغضّ النظر عن كلّ شيء، فوق
صحراء جرداء.
وهو ما يخالف تماماً الطريقة
الاسرائيليّة في فهم النصر والهزيمة. فنقّاد الأداء الحربيّ للدولة العبريّة
اعتبروا أن دولتهم تنهزم بمجرّد أن لا تحقق نصراً كاسحاً ماسحاً من النوع الذي
درجت على تحقيقه قبلاً. وبالمعنى هذا فسقوط الصواريخ عليهم ونزول التدمير بهم
كافيان لأن يُعدّا هزيمة، هزيمةً تحمل بعض الكتّاب على المطالبة بإعادة النظر في
مرتكزات الحياة الإسرائيليّة العامّة. وبالتأكيد، يقيم في هذا التصور صلف
وعنجهيّة امبراطوريّان لا يحتمل أصحابهما كلفة الانتصار، لكن شيئاً آخر يقيم فيه
هو الانتماء الى مكان بعينه ينبغي ألاّ يُدمّر، والى بشر ينبغي ألاّ يموتوا وألاّ
يُخيّروا بين الموت والابتزاز بالفوضى والارهاب.
وإذ توضع «حرب العواصم» في قلب
الاحتمالات، يُستحسن بنا أن نخاف أكثر، ونحن أصلاً خائفون كثيراً. فقدرة
الاسرائيليّين التي لا يردعها رادع على تدمير بيروت أكبر بكثير من قدرة حزب الله
على تدمير تل أبيب. لكن على الاسرائيليّين أن يتّعظوا وينتبهوا الى أن للقوة
حدوداً: ذاك ان إحراق الأميركيّين كمبوديا شكّل أحد العوامل التي أطلعت بول بوت
ونظام «الخمير الحمر». أما الحرب العمياء على السوفيات في أفغانستان فأنتجت،
بالتضافر مع الشروط الافغانيّة المحليّة، المجاهدين ومن بعدهم طالبان.
ان هذا الجنون الإجرامي لن يؤمّن النصر
لاسرائيل حتى لو أقامت شريطاً، ضّيقاً أو عريضاً، قبل وقف اطلاق النار. أما الذين
يحاربون اسرائيل فانتصارهم غدا أسوأ من هزيمتهم بعدما حلّ بلبنان ما حل. ولا يكون
الخروج من المأزق بـ «القاعدة» ولا بجنون التدمير من الجوّ. لكن، مع هذا، يملك
المأزقان ما يكفي من طاقة لإلغاء لبنان، لا لإلغاء إسرائيل طبعاً.
|
libyaalmostakbal@yahoo.com