فرصة لوقف الحرب؟
|

محمد الأشهب
|
|
تنتهي الحرب عندما يكف المرء عن
خوضها. ومع تزايد الدعوات لوقف النار، يغيب السؤال عما يمكن أن تتمخض عنه عملية
من هذا النوع. ذلك أن الذين يتحدثون بخجل عن الوقف الفوري للحرب، مهما اختلفت
مواقعهم وحساباتهم، ليسوا من يخوضونها، وفي ذلك دلالة واضحة الى أنها مختلفة في
أهدافها وأسبابها وتوقيتها. ولم يكن مفاجئاً أن تحظى بقدر من التشجيع وغض الطرف،
وكأن الأمر يتعلق بجولات سياحية يراد تغييب طابعها المأسوي مثل أي حرب مدمرة.
غير أن من كان بصدد خسارة الحرب في
العراق لا يمكن أن يربحها في لبنان، والأميركيون الذين لم يستعجلوا وقف النار،
أدركوا بعد فوات الأوان أن الرهان على الآلة العسكرية الإسرائيلية لتطويع الأعداء
الافتراضيين في لبنان وسورية وإيران لن يكون مآله منفصلاً عن الافتتان بمنطق
القوة الأميركية المحشورة في العراق. لكن إسرائيل التي تنظر الى خروقات الولايات
المتحدة ازاء مواثيق الأمم المتحدة وقيم احترام حقوق الإنسان والاستهتار بالأعراف
الدولية، يعنيها استنساخ المنطق الأميركي في مفاهيم «الدفاع عن النفس» و «قتال
الإرهابيين من أجل الحرية». لكن الفرضيات الخاطئة تقود حتماً الى نتائج خاطئة.
ولا يمكن للأميركيين والإسرائيليين أن يلتقوا خارج العناوين البارزة سياسة كهذه
تمارس بطلقات المدافع والصواريخ وتكنولوجيا القتل.
تعود وزيرة الخارجية الأميركية
كوندوليزا رايس الى المنطقة بهدف واحد أقربه الحفاظ على كبرياء القوة حتى وإن لم
تفلح في بسط سيطرة تفرضها في المفاوضات، وغاب عنها في الزيارة الأولى أن مصدر
الاضطرابات والمؤاخذات على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط والعراق ناتج عن
تداعيات العربدة الإسرائيلية في لبنان وأراضي السلطة الفلسطينية، كون الوسائل
العسكرية، مهما كان جبروتها، لا تلغي الدوافع السياسية، أكان في صورة المقاومة في
لبنان أو الصمود في فلسطين أو الاستنزاف في العراق. ففي جدلية الصراع ان هناك
أشخاصاً يحلون مكان الآخرين الذين يقتلون أو يسجنون دفاعاً عن قضيتهم، ولو كان
الأميركيون نزهاء مع أنفسهم قبل الآخرين لاستبدلوا «فلسفة الكاوبوي» بممارسة قدر
من النقد الذاتي يعيد للأمم المتحدة بعضاً من الوقار والاعتبار. وطالما ان كل
التحركات الأميركية والاسرائيلية المنفردة أو منسجمة الأهداف لم تحقق الاطمئنان
الى زعامة القوة في غياب احترام العالم، ولا يكفي اطلاق أوصاف الشر والارهاب
والمروقة لتغيير اتجاه الرياح. بيد ان اختزال جدول أعمال زيارة الوزيرة الأميركية
رايس في البحث في تشكيل قوة دولية للانتشار في الحدود بين اسرائيل ولبنان لا يلغي
ان دورها يفترض ان يبدأ على خلفية وقف النار والاتفاق على أسس التسوية الشاملة.
فالأكثر استفزازاً من بين كل السيناريوات المطروحة هو الإبقاء على فشل أي مفاوضات
لوقف النار حتى وإن كان مبعثها انسانياً لأن من يرفض ذلك يعني أنه لا يعير أي
اهتمام للدمار الذي يلحق بالانسان. وثمة وقائع على الأرض تفيد بإجهاض أهداف الحرب
يراد تحويلها لإجهاض الفرص أمام المفاوضات، لذلك فقد برزت ازدواجية العنف الذي
تقبله واشنطن من الأصدقاء ولو كان أكثر وحشية وتدميراً وترفضه من الآخرين ولو كان
مقاومة مشروعة للرد على العدوان.
قد يصبح مقبولاً استخدام منطق الفصل
بين الملفين اللبناني والفلسطيني لناحية تسريع وقف النار واطلاق سراح الأسرى
والبحث في أوضاع المهجرين وباقي الترتيبات ذات الصلة. لكنه فصل بين مسارين جرى
تجريبه مرات عدة من دون تحقيق الاختراق الشامل، ما يعني ان الفترة قد تقتضي تركيز
الاهتمام على الملف اللبناني. غير ان التلويح الأميركي بمواجهة سورية وايران في
غضون تغييب القضية الفلسطينية لا يستقيم مع طبيعة الشرق الأوسط الجديد، إلا في
حال كان الموضوع يذهب الى أبعد من الملفين اللبناني والفلسطيني كما ذهبت صواريخ
«حزب الله» الى أبعد من حيفا.
|
libyaalmostakbal@yahoo.com