31/07/2006

 
 
عيون وآذان (جهل الشريك الأميركي)
 
عن صحيفة الحياة اللندنية - 31 يوليو 2006
 
جهاد الخازن


يوم تحدث السيد نوري المالكي، رئيس وزراء العراق، في جلسة مشتركة لمجلسي الكونغرس، الأربعاء الماضي، قُتل ثمانية عراقيين، وخَطف مسلحون يرتدون ثياب المغاوير 17 عراقياً، في اليوم السابق، قتل 20 عراقياً، وكانت أكبر معركة في شارع حيفا، في بغداد، وهو اسم توقفت عنده، لأن «حزب الله» أمطر حيفا بالصواريخ، وقتل تسعة إسرائيليين هناك، ومثل هذا العدد أو أكثر بعد ذلك حول بنت جبيل.
 
ومنذ عودة رئيس الوزراء الى بلاده وأنا أرصد القتل في العراق، وأجده مستمراً، فتزيد الأعداد أو تنقص بين يوم وآخر، ما يؤكد فشل الخطة الأمنية في العاصمة العراقية حتى الآن، وهو فشل لا اعتقد أن زيادة الجنود الأميركيين في بغداد ستحوله الى نجاح، فالجنود سيسحبون من مناطق أخرى مشتعلة بدورها، ثم انهم يرتكبون جرائم بدورهم.
 
السيد المالكي ذهب الى واشنطن وطلب من الرئيس بوش دعماً مالياً، والموافقة على محاكمة الجنود الأميركيين أمام محاكم عراقية اذا ارتكبوا جنايات، واستقلالاً ذاتياً للقوات العراقية عن القوات الأميركية، وان يسعى الى وقف إطلاق نار فوري بين إسرائيل و «حزب الله».
 
الرئيس بوش لم يوافق على أي من طلبات رئيس الوزراء، وفي حين أنه وأركان حكومته والأعضاء الجمهوريين في مجلسي الكونغرس ادعوا نجاح الزيارة، الا انه كان واضحاً ان ثمة خلافاً في وجهات النظر، وهو خلاف اعترف به رئيس الوزراء توني بلير الذي اجتمع مع السيد المالكي في لندن ورآه قبل جورج بوش.
 
زيارة واشنطن انتهت بنتيجة مختلطة، وقد حاولت في الأيام التي تلتها مباشرة ان أدرس ردود الفعل عليها، الا ان النتيجة ظلت متقاربة بين نجاح وفشل، فالإدارة ستبقى مع السيد المالكي، لعدم وجود بديل، والمعارضة الديموقراطية ستركز على ما تعتبره «سلبيات»، ضمن معارضتها الجمهوريين مع اقتراب الانتخابات النصفية.
 
أكبر «السلبيات» كان موقف السيد المالكي من «حزب الله» وإسرائيل، وهو موقف أؤيده فيه تماماً وأهنئه عليه، فرئيس الوزراء دعا في بغداد الى وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، ورفض إدانة «حزب الله» في واشنطن، على رغم محاولة أعضاء كثيرين إحراجه، ففي فطور مع زعماء من الحزبين سأله السناتور الديموقراطي ريتشارد ديربن، وهو ثاني الديموقراطيين رتبة في مجلس الشيوخ هل يعتبر «حزب الله» منظمة إرهابية، ثم شكا من أن رئيس الوزراء رفض الرد.
 
أنا أرد نيابة عنه. فـ«حزب الله» حركة تحرر وطني، واسرائيل إرهابية، وفي حين أعارض العمليات الانتحارية، وأدعو دائماً الى وقفها فإنني أجد إسرائيل أكثر إرهاباً عشر مرات من فصائل المقاومة مجتمعة، وأحتكم الى أرقام الضحايا من المدنيين في الجانبين.
 
مع ذلك الإصرار على سؤال رئيس الوزراء عن «حزب الله» يفضح جهلاً كبيراً بالعراق ورجاله، وهو جهل يفسر ارتكاب الإدارة الأميركية الخطأ بعد الخطأ، من الغزو الى إدارة الاحتلال، وحتى اليوم.
 
وكنت قلت قبل يومين ان السيد نوري المالكي من حزب الدعوة، وقضى أيام تشرده في إيران، وهو يحظى بتأييد الائتلاف الشيعي الحاكم، فهو من «حزب الله» في كل شيء سوى بطاقة العضوية، والشيوخ والنواب الأميركيون يريدون منه أن يطلع من جلده.
 
السناتور هاري ريد، زعيم الأقلية الديموقراطية في مجلس الشيوخ زعمَ ان رفض السيد المالكي إدانة حزب الله «تسبب في وضع محرج للإدارة»، وهذا مجرد كلام انتخابي، والسناتور قال انه سيفقد الثقة برئيس الوزراء اذا لم يدن «حزب الله»، وهي ثقة لم تكن موجودة أصلاً، فالديموقراطيون يستغلون صعوبات الإدارة في العراق للترويج لمرشحيهم في الانتخابات المقبلة.
 
وهكذا تكون زيارة رئيس وزراء العراق واشنطن تثقيفية للطرفين، فالسيد المالكي هاجم إسرائيل في المنطقة الخضراء من بغداد وهذه تحت الاحتلال الإسرائيلي، أو احتلال لوبي إسرائيل. وكنت وغيري من الكتّاب العرب قلنا غير مرة ان واشنطن أرض محتلة، جاء الآن الكاتب الأميركي المحافظ بات بوكانان ووصف العاصمة الأميركية بأنها «أرض تحتلها إسرائيل»، ما أثار عليه حملة من المحافظين الجدد لم تهدأ بعد.
 
على رغم كل ما سبق يستطيع رئيس وزراء العراق احتواء السلبيات، بالتركيز على إيجابية واحدة مهمة جداً هي الشراكة في الحرب على الإرهاب. وكان خطابه في الكونغرس استقبل بفتور، وقاطعه عدد من الشيوخ والنواب الديموقراطيين، الا ان الحاضرين وقفوا وصفقوا له طويلاً عندما قال ان العراق في الخط الأمامي للحرب على الإرهاب، وأضاف: «العراقيون حلفاؤكم في الحرب على الإرهاب».

أرجو أن يكون السيد المالكي يعني ما يقول، فنحن، عرباً ومسلمين، لدينا ألف اعتراض على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، الا ان الإرهاب المجنون الفالت من كل عقال يجمعنا، ويجب أن تعطى الولايات المتحدة قيادة التحالف الدولي ضد الإرهاب بسبب قدرتها، وان نساعدها جميعاً لأن الإرهاب لا يفرق بين البشر، وانما يضربهم من نيويورك الى بالي مروراً بلندن ومدريد والرياض والدار البيضاء وغيرها.
 
الإرهاب في العراق يمارسه مسلحون من الفئة الضالة يقتلون مسلمين (كما في دارفور)، والضحايا أكثر مما قتلت إسرائيل وتقتل في لبنان والأراضي الفلسطينية. ونحن مسؤولون قبل أي طرف آخر عن نبذ الإرهابيين من صفوفنا، والقضاء على فكرهم.
 
هل ينجح نوري المالكي من حيث أخفق غيره؟ لا أملك كرة بلورية لأطلع بجواب، ولكن أقول انه يحاول، ومشكلته في ضعف حكومته، وجهل الشريك الأميركي، فأخطاؤه زادت الإرهاب حول العالم، ولا يبدو أنه قادر على أن يتعلم منها.
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com