
مطلوب «نصر» اسرائيلي بأي ثمن!
|

عبدالوهاب بدرخان
|
|
لا تنفك المهلة الأميركية الممنوحة
لاسرائيل تتمدد وتتقلص، بين اسبوع واسابيع، بل هناك من يقول ان المهلة غير محددة،
والمهم أن تتمكن اسرائيل من تحقيق «نصر» يسمح لكوندوليزا رايس بأن تطرح شروط وقف
اطلاق النار. ومن أجل هذا «النصر» قد تضطر واشنطن لتوفير أنواع أخرى من الصواريخ
والقذائف، اضافة الى تلك «الموجهة» أو «الذكية» التي قدمتها اليها دعماً لمعركتها
الحالية.
كل هذا التدمير والتقتيل، كل هذا الاستهداف المباشر والمتعمد للمدنيين، كل هذا
القصف الأعمى بما في ذلك لمعدات الارسال التلفزيوني والاتصالات الهاتفية، لم يحقق
حتى بداية لـ «النصر» المرتقب. إذاً، لا بد من الارتقاء بمستوى النار ونوعيتها
وقوتها. لم يبق أمام الأميركيين والاسرائيليين إلا هذا الخيار، ولعلهم لن يفوتوا
الفرصة طالما أنهم تورطوا. وفي خضم هذا التورط، وإزاء «نصر» يبدو مكلفاً على
افتراض انه سيتحقق، لا بد أن يفكر الأميركيون والاسرائيليون في الخيارات الأخرى،
مثل تركيز الضغوط على سورية لتضغط بدورها على «حزب الله»، أو التعويل على الداخل
اللبناني كي يبدأ «محاسبة» مبكرة لهذا الحزب مع ما تنطوي عليه من احتمالات تقاتل
وتصادم سيتسببان بإرباك مؤكد للمقاومة.
ماذا يحدث لو ان هذه الخيارات البديلة لم تحقق الغاية المتوخاة؟ في العام 1982
استمرت الحرب - الأزمة نحو ثلاثة أشهر على رغم أن اجتياز الجنوب وصولاً الى مداخل
بيروت لم يستغرق سوى أيام معدودة، ثم بدأ الحصار الطويل للعاصمة، وبوجود فريق
لبناني مؤيد للعدو الاسرائيلي. وقتئذ كان هناك «خيار» خروج القيادة الفلسطينية
على ظهر باخرة. هذا المرة، الجنوب أرض معادية للاسرائيليين، وليس هناك فريق مؤيد
ومساند، ولا أحد مرشحاً أو مدعواً للخروج، ولا بواخر. ولعل الداخل اللبناني تعلم
من تلك التجربة أن «الحل الاسرائيلي» أو حتى أي حل خارجي، ولو أميركياً، ليس حلاً
على الاطلاق، لأنه يطمع في أفضل الاحتمالات بانقسام اللبنانيين وتقاتلهم ليحقق
أهدافه على جثثهم وعلى أطلال بلدهم.
رفعت اسرائيل سقف أهدافها من هذه الحرب، فأغرت المعسكر الغربي بأنها إزاء «نزهة»
جديدة في لبنان وستكبّد الايرانيين هزيمة أولى في الحرب على ترسانتهم النووية
التي لم تتحقق بعد. لذلك نالت التشجيع والتأييد الكاملين، لكن الأكيد أنها أخطأت
في الاسلوب، والمؤكد أنها أخذت المصفقين الغربيين الى مواجهة لم يقدروا في
البداية انها ستكون على هذا القدر من القذارة والوحشية. لذلك تساءل جاك شيراك
«ببراءة»: هل هناك نية لتدمير لبنان؟ ما استلزم إرضاءه بـ «ممر للمساعدات
الانسانية»، لكنه ممر لا يزال وهمياً، وفي المقابل استمر عسكر دان حلوتس في
ارتكاب مجازر يومية، ينذرون المدنيين بوجوب النزوح، وإذ يتجمعون للمغادرة تغير
عليهم الطائرات. أما وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطاني كيم هاولز فقال في
بيروت: «هذه ليست ضربات دقيقة التصويب (...) إذا كانوا (الاسرائيليون) يطاردون
حزب الله فيجب استهداف حزب الله وليس كل الشعب اللبناني». يبدو أن هذا الوزير
أحرج رئيسه توني بلير، لكنه لم يقل أكثر من استنتاج بديهي قد يفقده منصبه في أقرب
فرصة، اسوة بمن سبقوه في المنصب نفسه و «أخطأوا» بانتقاد اسرائيل. ولا شك أن
كوندوليزا رايس انزعجت أمس من قول نظيرها الفرنسي فيليب دوست بلازي ان وقف اطلاق
النار «ممكن». ولا بد ان رئيسها جورج دبليو بوش انزعج أكثر من دعوة البابا
بنديكتوس السادس عشر الى وقف اطلاق النار فوراً و «السعي بمساعدة الأسرة الدولية
الى فتح باب المفاوضات».
هذه الاشارات وغيرها الكثير في المعسكر الغربي تفيد بأن الحرب قد أفاضت بوحشيتها
ولم تحقق في اليوم الثالث عشر أياً من أهدافها، فحتى أكثر الغربيين رغبة في ضرب
«حزب الله» وايران وسورية لم يتصوروا أن هذا يجب أن يمر بتدمير الجسور والطرق
والمرافق وتهديم البيوت على سكانها. مع ذلك يعتقد جورج دبليو ووزيرته انهما
يستطيعان أن يقنعا دول المنطقة وشعوبها بأن في الجعبة الأميركية خطة جاهزة لإقامة
سلام. الحرب تعتمد على الأكاذيب، لكن هذه كذبة غير موفقة أبداً.
|