
الوسيط الأميركي ... اسرائيلي
|

عبدالوهاب بدرخان
|
|
تعود كوندوليزا رايس الى المنطقة مع
«اقتراحات جديدة» لمعالجة الأزمة، طبعاً من دون أولوية لوقف اطلاق النار، بل ان
هذه الأولوية ستكون آخر المطاف. وبمعنى آخر، اتفق الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء
البريطاني على شيء مؤكد وملموس: ان تواصل اسرائيل بترخيص أميركي - بريطاني معلن
قتل المدنيين وتدمير ما تشاء تدميره من عمران. وعلى سبيل المثال، لا بد أن جورج
بوش وتوني بلير تلقيا بارتياح أمس السبت ان اسرائيل رفضت «هدنة انسانية» طلبتها
الأمم المتحدة، وأن طائرات اسرائيلية أغارت في البقاع الغربي على شاحنتين صغيرتين
تنقلان خضاراً ومواد غذائية. إذاً، أين صدقية دموع التماسيح التي ذرفها هذان
الزعيمان على الضحايا المدنيين، وكيف يمكن لأعمال الإغاثة والمساعدة الانسانية ان
تتم إذا أبقي الوحش الاسرائيلي منفلتاً على هذا النحو؟
هل ان موافقة الحكومة اللبنانية،
بإجماع يشمل وزراء «حزب الله» وحركة «أمل»، على خطة رئيسها فؤاد السنيورة كما
طرحها في مؤتمر روما، هو ما أعاد كوندوليزا رايس؟ لعل الأميركيين وجدوا أن هذه
الخطة قابلة لـ «التطوير» وبالتالي يمكن استعارتها بصفتها خطة الحكومة اللبنانية
للعمل على «أمركتها»، أو بالأحرى «أسرلتها»، لتصبح مقبولة من الطرفين. وللتذكير
فإن هذه الخطة ارتكزت الى منطلق واحد أساسي هو «وقف اطلاق نار فوري وشامل»
تمهيداً لاعلان اتفاق على سبع نقاط هي: الافراج عن الأسرى، انسحاب اسرائيلي وعودة
النازحين، التزام مجلس الأمن وضع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا تحت سلطة الأمم
المتحدة، بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي وحصر السلاح في سلطة الدولة
وفقاً لاتفاق الطائف، تعزيز القوة الدولية التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان،
إعادة العمل باتفاق الهدنة (للعام 1949)، التزام المجتمع الدولي مساعدة لبنان في
إعادة الإعمار ومعالجة المأساة الانسانية والاجتماعية والاقتصادية.
قياساً الى الأفكار التي عرضتها رايس
في زيارتها الأولى لبيروت قد تبدو «خطة السنيورة» غير كافية، ومن وجهة نظر
اسرائيلية قد تكون ايضاً غير مقبولة. فالخطة، كما هو مفهوم وواضح، لا تبشر
الأميركيين والاسرائيليين بـ «نهاية» يرغبون فيها لـ «حزب الله». وبالتالي فانهم
لن يحصلوا على مثل هذه الهدية كنتيجة للحملة العسكرية، وانما عليهم أن يقبلوا بأن
«سلاح المقاومة» لا بد ان يبقى مسألة داخلية يعالجها لبنان استناداً الى اتفاق
الطائف، ووفقاً للقيم اللبنانية التي يهتدي بها الحوار الوطني ويرمي من خلالها
الى تثبيت مكانة الدولة ومرجعيتها لجميع الطوائف والمكونات. فهل ان الأميركيين
والاسرائيليين مستعدون فعلاً لقبول هذا المنطق؟ بمعزل عن الاسرائيليين، يفترض أن
يجد الأميركيون في «خطة السنيورة» فرصة لدعم حقيقي وليس كاذباً لرئيس الحكومة
وعبره للدولة اللبنانية، اذ لا يكفي ان يكيل بوش ورايس المديح للسنيورة ثم
يخذلانه. فهذا المديح مؤذ عندما يأتي من طرف اثبت عداءه للشعب اللبناني.
يبدو أن الأكثر صعوبة اليوم للجانب
الأميركي - الاسرائيلي هو الاعتراف بضرورة وقف النار للدخول جدياً في المعالجات.
فمجرد التلويح بموعد ما لوقف النار قد يصور على أنه تراجع وفشل وانكسار. وفي أي
حال لم يكن لهذا الثنائي الجهنمي أن يعتقد يوماً بإمكان «الانتصار» في حرب كهذه،
خصوصاً أن «الانتصارات» المماثلة في فلسطين تعد بالعشرات أو المئات، ومع ذلك لم
تشعر إسرائيل يوماً بالاطمئنان ولا بالأمان، ولا تزال متطلبات الحل الدائم تلح
عليها وتضعها أمام الثمن الذي لا بد منه لأي سلام.
من الواضح أن واشنطن باتت تعطي
الأولوية للقوات الدولية، لكن سلوكها الوحشي مع حليفها الإسرائيلي، خصوصاً القتل
المتعمد لأربعة من الضباط الدوليين، جعل تشكيل تلك القوات أمراً بالغ الصعوبة.
الأغرب أن الأميركيين والإسرائيليين يريدون أن تصل القوات الجديدة من دون أن
يوقفوا العمليات الحربية. أكثر من ذلك، يريدون أن تأتي هذه القوات وتبدأ فوراً
«المهمة» التي عجز الإسرائيليون عن تحقيقها. لعل مثل هذا التعجيز هو الذي سيكتنف
«الاقتراحات الجديدة» التي تحملها رايس.
الانسحاب الإسرائيلي من بنت جبيل
والانحسار النسبي لزخم الهجمات الجوية لا يعنيان أن إسرائيل تخلت عن حربها، أما
استدعاء الاحتياط فيؤشر الى الاستعداد للمرحلة التالية. وهذه المرحلة قد تبدأ من
خلال «الاقتراحات الجديدة» بصيغتها الإسرائيلية التي تجعلها مرفوضة من جانب
الحكومة اللبنانية. هذا فخ يجب أن تتنبه اليه بيروت لأنه يريد استدراج تفهم دولي
لإسرائيل إذا «اضطرت» لمواصلة الحرب. يصعب الوثوق برايس وأولمرت. فالوسيط
الأميركي هو إسرائيلي.
|
libyaalmostakbal@yahoo.com