28/07/2006

 
 
نجاحات «حزب الله»... وتنازلاته
 
عن صحيفة الحياة اللندنية - 28 يوليو 2006
 
وليد شقير

 
أياً تكن النتيجة السياسية التي ستنتهي إليها هذه الحرب الإسرائيلية المفتوحة على لبنان، والتي دمّرت بناه التحتية وقتلت المئات وشرّدت مئات الآلاف، فإن الذاكرة العربية واللبنانية ستحفظ ان مجموعة حزبية تمكنت من إلحاق الخسائر بإسرائيل، سواء من طريق إطلاق الصواريخ البعيدة المدى على مدنها ومناطقها الشمالية والصناعية، أو من طريق المواجهات الطاحنة التي خاضها مقاتلو «حزب الله» مع الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية.
 
وحتى لو كانت هذه المعركة التي يخوضها «حزب الله» في مواجهة اسرائيل هي المعركة الأخيرة، أوحى بذلك امينه العام السيد حسن نصر الله في إحدى إطلالاته التلفزيونية خلال الأيام الماضية، لأن المرحلة المقبلة قد تشهد تحوله الى حزب سياسي بالكامل، سواء طالت الحرب أو قصرت، فإن الضرر الذي ألحقه بإسرائيل سيبقى محفوراً في ذاكرة الرأي العام، العربي والإسرائيلي، وهو ضرر يفوق ذلك الذي ألحقته الحروب العربية بالداخل الإسرائيلي خلال العقود الماضية.
 
فمع طغيان المآسي والنكبة التي لحقت بلبنان، ليس تفصيلاً ان تؤدي الخسائر التي منيت بها إسرائيل سواء في جنودها او في اقتصادها، الى ذلك السجال الدائر فيها حول عدم نجاح استخباراتها في تحديد قدرات الحزب على مقاومة عملياتها العسكرية.
 
ومع صحة القول ان هذه الحرب، هي اميركية – اسرائيلية ضد الدور الإقليمي لإيران في المنطقة وأن لبنان مسرح لها من دون ان يختار ذلك، فإن قلق اسرائيل على إمكان تراجع مبيعات صناعاتها العسكرية بسبب اصابة احدى البوارج في عرض البحر بفعل صواريخ «حزب الله» دليل الى ان في استطاعة مجموعة عربية مقاومة، إلحاق الضرر العميق بمصالح استراتيجية لإسرائيل.
 
ومع ان السلاح الذي يستخدمه «حزب الله» هو سلاح إيراني، وأن جزءاً كبيراً من الخبرة التي يستفيد منها مقاتلوه قد تكون إيرانية، فإن السجال داخل الجيش الإسرائيلي، وبين القيادة العسكرية والقيادة السياسية، حول كلفة الحرب البرية التي تخوضها قوات النخبة الإسرائيلية ليس مجرد خلافات شكلية. بل هو دليل الى ان في استطاعة فريق عربي ان يحدث خللاً في الوضع الإسرائيلي الداخلي.
 
من المؤكد ان قدرة «حزب الله» على إلحاق هذا القدر من الخسائر بإسرائيل اذا قورن بالعجز العربي في مواجهتها، لن يشكل تغطية على حجم الكارثة التي لحقت بلبنان، في حساب الربح والخسارة الصافي. لكن ما اصاب اسرائيل لن تمر تداعياته من دون آثار في ذاكرة أجيال قادمة، في الصراع المفتوح بينها وبين محيطها.
 
ان ما قام به «حزب الله» بعد تمكنه من إجبار إسرائيل على الانسحاب من الجنوب في العام 2000، لا يعني التوهم بقدرته على الانتصار على إسرائيل، بقدر ما يعني ان في إمكان العرب التفاوض معها على غير القاعدة التي تسلم بتفوقها المطلق إذا ارادوا تحسين شروط تفاوضهم معها، بعد أن أقفلت أبواب التفاوض بفعل عنجهية قادتها والدعم الأميركي لها.
 
لكنه يعني ايضاً ان «حزب الله» حقق نتائج تتيح له في مقابلها تقديم التنازلات، بعد المعركة التي خاضها إنقاذاً لما تبقى من قدرة على الاستمرار، لدى البلد الصغير الذي ينتمي إليه في نهاية المطاف، مهما كانت انتماءاته العقائدية والسياسية الأخرى على الصعيد الإقليمي. فأي تنازل يقدمه لمصلحة الدولة اللبنانية لن يكون حكماً من موقع المهزوم، بل من موقع الرابح، لمجرد ان اسرائيل لم تهزمه بعد ان برهن قدرته على ايذائها.
 
يبقى ان تفسح اميركا المجال امام الحزب كي يتنازل للدولة اللبنانية. وحتى الآن لا يبدو انها تريد ذلك.
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com