24/07/2006

 

 
غزو اطلسي زاحف للبنان
 

عن صحيفة القدس العربي - 24 يوليو 2006

 

عبد الباري عطوان


 

تتداول العواصم الغربية الكبري هذه الايام فكرة نشر قوة سلام تابعة لحلف شمال الاطلسي في جنوب لبنان، تتولي حماية المستوطنات الاسرائيلية وتمنع قوات حزب الله من الوصول الي الحدود.
بمعني آخر ستكون مهمة هذه القوات التي سيزيد تعدادها عن عشرين الف جندي اعادة بناء المنطقة الآمنة، ووضع لبنان بكامله، بطريقة غير مباشرة تحت انتداب امريكي جديد علي غرار ما يحدث في العراق حالياً.
 

الذريعة التي ستستخدم لتغطية وجود هذه القوات هي تطبيق قرار مجلس الامن الدولي رقم 1559، والاهداف التي صدر من اجلها، وابرزها نزع سلاح حزب الله.
 

جون بولتون مندوب الولايات المتحدة لدي المنظمة الدولية قال ان قوة حلف شمال الاطلسي هذه ستشكل وترسل الي لبنان سواء صدر قرار عن مجلس الامن الدولي بتشكيلها او لم يصدر فهي فكرة جديدة ستؤخذ علي محمل الجد .
 

وهذا الموقف الامريكي يذكرنا بمواقف مماثلة صدرت قبيل غزو العراق فدونالد رامسفيلد وزير الدفاع الامريكي قال الشيء نفسه عندما تعذر اصدار قرار من مجلس الامن الدولي بتشريع التدخل الامريكي، بل انه ذهب الي ما هو ابعد من ذلك عندما قال ان امريكا ستذهب الي الحرب وحدها حتي بدون الشريك البريطاني، الذي قال ان ممثله توني بلير يعاني من مشاكل داخل حزبه في اشارة الي استقالة بعض وزراء حزب العمل الحاكم احتجاجا علي قرار الذهاب الي الحرب.
 

خطورة هذه الخطوة الامريكية الجديدة تكمن في امرين اساسيين: الاول مساندة دول عربية لها، وخاصة مصر والمملكة العربية السعودية والاردن، والسلطة الوطنية الفلسطينية ممثلة بالسيد محمود عباس رئيسها، والثاني ترحيب الدولة العبرية غير المتحفظ بوجودها.
 

السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية ستجعل من قضية تشكيل هذه القوات علي قمة جدول اعمال جولتها الشرق الاوسطية التي بدأت امس. وستحاول استخدام المؤتمر الذي سيعقد في ايطاليا يوم بعد غد الاربعاء حول لبنان لتوفير غطاء اوروبي شرق اوسطي لتشـــريع وجود هذه القوات ومهمتها في انهاء وجود المقاومة الاسلامية.
 

ما يثير الريبة في هذا المؤتمر ان اطرافاً عديدة ستشارك فيه، عربية واوروبية، باستثناء الدول المعنية بشكل مباشر بالملف اللبناني وهي ايران وسورية وربما الحكومة اللبنانية نفسها. فكيف يمكن بحث الحرب الدائرة حالياً في لبنان، والقضايا السياسية التي ادت اليها دون وجود اللاعبين الاساسيين، سواء حزب الله الذي تشن هذه الحرب ضده، او ايران وسورية المتهمتين بدعمه، وشن حرب ضد الدولة العبرية من خلاله.
 

ان هذا الموقف الامريكي المساند للدولة العبرية ومجازرها في لبنان بطريقة سافرة، والرامي الي حمايتها، دون معالجة القضايا الاساسية التي ادت الي انفجار الاوضاع في لبنان وفلسطين، سيؤدي الي تفاقم الأزمة، وصب المزيد من الزيت علي نارها.
 

واذا كانت الادارة الامريكية تعتقد انها تستطيع فرض وجهة نظر الدولة العبرية من خلال تبني اجنداتها السياسية، ودون الدخول في حوار مسؤول للتوصل الي تسوية جذرية للقضايا السياسية العالقة، وخاصة قضية فلسطين، واحتلال مزارع شبعا اللبنانية، وملف الأسري، فانها مخطئة في اعتقادها هذا، وستجد نفسها، والدول المتورطة معها في تشكيل هذه القوات، امام حرب جديدة علي غرار تلك المشتعل اوارها حالياً في العراق.
 

فالقوات المتعددة الجنسية التابعة لحلف الاطلسي التي سترسل الي لبنان ستصبح صيداً سهلاً لعمليات مقاومة اكثر شراسة تنطلق من الاراضي اللبنانية، وربما السورية ايضاً في وقت لاحق، لان سورية لا يمكن ان تقبل بخسارة اهم ورقة استراتيجية في يدها وهي ورقة المقاومة الاسلامية الممثلة في حزب الله. فخسارة هذه الورقة تعني وضع الحكم في سورية امام خيارين لا ثالث لهما: فإما الانضواء تحت المظلة الامريكية ـ الاسرائليية اسوة بالدول العربية الاخري، وتوقيع معاهدة سلام علي اساس الشـــــروط الاسرائيلية، واما مواجهة خطر الانهيار من الداخل، من خلال مواجهة حرب استـــنزاف تشارك فيها قوي سورية معارضة تجد في القوات المتعددة الجنسيات هذه حماية لها.
 

مؤتمر ايطاليا الذي سيعالج الملف اللبناني ربما يكون سايكس ـ بيكو جديدا لاعادة صياغة المنطقة، ورسم حدودها، تنفيذا لمقولة السيدة رايس حول رغبة الولايات المتحدة خلق شرق اوسط جديد بدون النزاعات والصيغ القديمة.
 

وترجمة هذا الكلام سياسيا تعني انهاء المقاومتين الفلسطينية واللبنانية بشكل نهائي، وتسليم المنطقة برمتها الي الدولة العبرية.
 

فالهدف هو تثبيت دعائم هذه الدولة بعد ان بدأت تهتز بفعل تعاظم المد المقاوم وسقوط الصواريخ في مدنها الرئيسية.
 

الفلسطينيون عندما طلبوا قوة دولية لحمايتهم من المجازر الاسرائيلية في غزة والضفة لم تجد استغاثاتهم آذاناً صاغية، ولكن الآن عندما بدأ المستوطنون الاسرائيليون في الجليلين الاعلي والاسفل يتعرضون لخطر صواريخ حزب الله هرعت الولايات المتحدة لنجدتهم بتشكيل قوة جديدة لغزو لبنان تحت ذريعة تنفيذ القرار الدولي رقم 1559.
 

غزو العراق انطلق من اراض عربية، وبتواطؤ انظمة اساسية، وغزو لبنان الجديد، وتحت الذرائع نفسها، اي ان تطبيق القرارات الدولية يتم وللأسف الشديد بتواطؤ عربي ـ اسرائيلي ـ امريكي مشترك.

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com