أعتذر ابتداء الى قرائنا الأعزاء
والى أحباء الاعلام الحر ومنابره الرائدة والصادقة في كل مكان من ربوع وطننا
العربي الفسيح وقريتنا الكونية الواسعة عن ندرة كتاباتنا في الفترة السابقة
وذلك لانشغالنا الكبير بتطوير مشروع صحيفة الوسط التونسية والقيام على
تحديثها في ظل مناخ دولي عرف مع تطورات الوضع اللبناني والفلسطيني الكثير من
المستجدات الاخبارية والاعلامية التي تطلبت منا جهدا اضافيا من أجل تسليط
الأضواء على مكامن الظل في حقل من حقول الصراع الدامي من حقبة تاريخية على
درجة عالية من الأهمية والحساسية.
لم نكن صراحة راغبين في الدخول في
حقول ألغام السياسة الدولية وماتحمله معها من متاعب ومشاق البحث والتمحيص,
ولكن واجبنا الأخلاقي والانساني والاعلامي أملى علينا الخروج من دائرة
القطرية الضيقة الى دائرة البعد الانساني الكوني ,وهو ماجعلنا نتفاعل ضرورة
مع تطورات قضايا انسانية وقومية وأخلاقية لم يكن من المريح بمكان الغوص فيها
والتعمق في طرح خلفيات أحداثها ومستجداتها.
لقد كانت تطورات الوضع اللبناني
والفلسطيني صرخة ضمير الاستضعاف في وجه أعتى الات الحرب والتدمير في عالمنا
المعاصر,ولذلك أملت علينا الموضوعية الاعلامية أن نواكب الحدث في بعده الشامل
بعيدا عن الادلاء بمواقف سياسية من شأنها أن تعيق استمرارية الوسط
اليكترونيا,ولذلك تبقى المقالات والتقارير والتحقيقات مقتربة الى الحقيقة
والموضوعية من خلال أشهر وكالات الأنباء العالمية وأكثرها مصداقية واشعاعا
اعلاميا بالاضافة الى أكثر الأقلام تألقا وعمقا وجاذبية ,دون أن يعني ذلك
تبنيا تفصيليا أو عاما لما ورد فيها من طروحات وأفكار,حيث أن قواعد النشر
تقتضي منا اتاحة الفرصة للمثقف كي يدلي برأيه في قضايا الوطن والأمة والعالم
دون أن يعني ذلك تبنيا لموقف سياسي أو فكري على حساب اخر أو يعني رغبة منا في
التغاضي عن عدالة بعض القضايا التي تتعلق بانسانية الانسان وحقه في العيش
الامن والكريم فوق أرضه وتحت سمائه بعيدا عن الة القصف والاغتيال والتدمير
والتشويه الخلقي والفيزيولوجي كما هو حاصل اليوم على أراضي كل من لبنان
وفلسطين.
نحن اليوم بلا شك نتحرى أعلى درجات
الموضوعية في القيام بواجبنا الاعلامي والوطني والانساني ولكننا بلا شك
منحازون الى قضايا حركت الضمير العالمي وطرحت أسئلة كبرى حول المغزى من طرح
القيم الكبرى في ظل غياب اليات العدل في العلاقات الدولية وبين مكونات الأسرة
العالمية.
قضايا احترام حقوق الانسان
والدمقرطة والحريات الخاصة والعامة تصبح بلا معنى اذا ماغدت هذه القيم مجرد
شعارات براقة وخداعة تسقط أمام أول خيار انتخابي حر لشعوب المنطقة أو أمام
حالة الصمت الرهيب أمام مايحدث من ويلات لسجناء الرأي في بعض البلاد العربية
أو في بلاد اخرى تتمترس وراء ترسانة عسكرية احتضنت في جعبتها كل ألوان الويل
والثبور النووي والكيمياوي والبالستي و...
ماذا تعني الديمقراطية والحرية
ودولة القانون والمؤسسات كقيم كونية وعالمية اذا ماغدت بعض الدول معفاة من
التقيد بالشرائع الدولية في القانون الانساني الدولي وفي احترام سيادة الدول
وحق الشعوب في العيش بأمان وكرامة وعزة فوق تراب الوطن والاباء والأجداد!؟
ماذا تعني الديمقراطية في المنطقة
العربية اذا كان لبنان الليبيرالي وزهرة الديمقراطيات في منطقة عربية تزدهر
بالديكتاتوريات يخضع اليوم الى عملية تدمير شامل ومنظم تحت مرأى ومسمع أرسخ
الديمقراطيات في العالم!؟
ماذا يعني القانون الدولي اذا كان التسلح المدمر والشامل ملغيا لأحكام وشرائع
هذا القانون الذي توافقت عليه مكونات الأسرة الدولية من اجل وضع حد للحروب
والنزاعات!؟
هل نحن اليوم أمام غلبة منطق
التسلح على حساب منطق العدل والقانون الدوليين؟وهل هي العودة الى مرحلة
الامبراطوريات والتوسع الاستعماري بعد ان ظننا أن عقودا قليلة بعد وضع الحرب
العالمية الثانية لأوزارها كانت كافية من أجل استخلاص الدروس والعبر وارساء
مجتمع دولي قائم على التعاون والتفاهم والحوار بعيدا عن الحروب التي لاتبقي
ولاتذر...
المصيبة هو أن ثلثي هذه الحروب
الكبرى أو ثلاثة أرباعها في كل أنحاء العالم تمرر على رؤوس العرب والمسلمين
وهو مايعطي انطباعا بأن العالم أمام صنفين من الناس أولهم صنف درجة أولى
يتمتع بكل خيرات المعمورة ومتعها وثرواتها وصنف ثاني أقل درجة ومقاما حتى من
فئران المخابر في بلدان أوربا وأمريكا وهو مايدفع النخب العربية والاسلامية
اليوم الى مراجعة كبرى أشبه ماتكون بمراجعة مابعد نكسة 1967,حيث عرفت النخب
بداية مرحلة الشك الكبرى في قيم الاشتراكية والوحدة كشعارات أججتها أنظمة
القومية العربية.
أما اليوم فالخوف كل الخوف
والمصيبة كل المصيبة عندما تكفر النخب العربية بالقيم العالمية والكونية
وتسلم مقاليد الأمور لألوان من الفوضى في المنطقة من أجل اشعار النفس بأداء
الواجب في مواجهة قوى الظلم والتسلط في ساحتنا العالمية...وهو مايعني صراحة
خسارة كبرى لرواد النهضة الأوربية المعاصرة أمام صمتهم المخجل تجاه مايحدث من
تدمير وحرق وخراب وتلويث لواحدة من أجمل مناطق العالم وأوسطها حضارة وأكثرها
نبضا انسانيا وقيميا.
ان مأساة لبنان وفلسطين ومأساة
المواطن العربي في ربوع أكثر من قطر أملت وستملي علينا الموضوعية في الاخبار
والتحليل والرصد والمتابعة,وهي بلاشك مهمة جد شاقة حملتها على عاتقها صحيفة
الوسط التونسية دون تنكر لواجبها تجاه قضايا الوطن وبلد المنشأ التي نحمل
تجاهها كثيرا من الدفئ والحنين والعشق الذي ينبع من ارادة الحياة وأشواق
الحرية وامال التحرر من براثن الظلم والتسلط.
نعم اننا موضوعيون في طرح القضايا
ولكننا منحازون الى وطننا وأمتنا والشعوب المستضعفة وكل المناضلين من أجل
الكرامة والحرية في كوكبنا الجميل,نعم اننا موضوعيون ولكننا لانريد أن نتلذذ
برؤية دماء الأبرياء والأطفال والنسوة والشيوخ والمدنيين وهي تسيل ,نعم اننا
موضوعيون ولكننا منحازون الى حق الشعوب في الاستقلال وممارسة السيادة على
أرضها وتقرير المصير.
ولذلك فان الخبر عندنا يرتقي الى
أن يكون مقدسا,والكلمة تخرج عندنا من عناء القلب وعصارة الألم الذي يختلط
بمخاض الفكر وروح النسيم الحر فوق وطن نظنه أكبر من أن يغرق في حديث القطر
وهموم مواطنه اليومية ومهرجاناته الصيفية وخصوماته السياسية الداخلية,انه وطن
مفتوح على الأمة والعالم وكل المشاعر الانسانية النبيلة.
مرسل الكسيبي
28-29 جويلية 2006
3-4 رجب 1427 هجرية
|