من أنباء القاهرة، أن وزارة
الداخلية المصرية أعلنت عن ضلوع فلسطينيين في التفجيرات التي حدثت مؤخرا
في منتجع دهب بشبه جزيرة سيناء، مما أسفر عن مقتل 18 شخصا وإصابة 90.
وأشار بيان الداخلية إلى أن وراء العملية تنظيما أصوليا باسم «التوحيد
والجهاد»، وحددت معلومات الداخلية أسماء أربعة فلسطينيين اتهموا
بالاشتراك في الإعداد للتفجيرات. اثنان منهم شقيقان ينتميان إلى حركة
حماس، والثالث من حركة الجهاد الإسلامي، والرابع من أعضاء جماعة التبليغ.
فاجأ الإعلان حكومة حماس في
غزة، فسارعت إلى إيفاد وزير الداخلية، السيد سعيد صيام (أبو مصعب)، إلى
القاهرة لتحري الأمر، وحين قدم يوم السبت الماضي، فإنه التقى رئيس
المخابرات المصرية السيد عمر سليمان، ووزير الداخلية اللواء حبيب
العادلي. كما التقى عددا آخر من مسؤولي أجهزة الأمن. وفي حدود علمي، فإنه
تسلم تقريرا مفصلا بتحريات الداخلية المصرية حول الموضوع، وبالاعترافات
التي أدلى بها المتهمون الذين ألقي القبض عليهم في أعقاب وقوع التفجيرات،
ويفترض أن تتلقى القاهرة خلال الأيام القليلة القادمة نتائج تحريات
الداخلية الفلسطينية وتحقيقاتها مع الأشخاص الأربعة الذين ذكرت أسماؤهم.
لم يكن الأمر مفاجئا لحكومة
حماس وقيادة الحركة فحسب، ولكنه يفاجئ أيضا كل باحث منصف يتابع الشأن
الفلسطيني وفعاليات حركات المقاومة، بوجه أخص. ومن جانبي، أضيف إلى
المفاجأة شعورا بالشك والارتياب فيما وراء مثل هذه المحاولات، حيث لا أرى
في اختيار المكان والزمان أي مصادفة، كما أن رائحة الوقيعة وسوء القصد
تفوح منها، على نحو يعزز من الشك ومن دور الأصابع الخفية فيها، أستند في
ذلك على مجموعة من الشواهد هي:
> أن حركة المقاومة الإسلامية
في فلسطين لم يعرف عنها منذ تأسيسها، أي طيلة العشرين عاما الماضية، أنها
حاولت أن تقوم بعمليات في داخل الدول العربية المجاورة، وإنما حصرت
نشاطها في مقاومة العدو الصهيوني داخل الأرض المحتلة وليس خارجها.
> أنه لا يتصور عاقل أن تلتزم
حركة حماس بهذا الموقف طول الوقت، ثم يشارك بعض أعضائها في تفجيرات سيناء
بعد أن تسلمت الحركة السلطة، وصار الموقف بالنسبة لها أكثر دقة، الأمر
الذي يفرض عليها مزيدا من الحذر في التعامل مع خطوطها الحمراء، لا أن
تتورط في تجاوز تلك الخطوط وكسرها.
وأن قائمة المتهمين وتوزيعهم
على ثلاث منظمات إسلامية هي، حماس والجهاد والتبليغ، تحصر المشاركة في
الدائرة «الأصولية» دون غيرها، وهي المرشحة دائما للاتهام في أي عنف يقع
في أي مكان بالكرة الأرضية.
> أن مصر هي مسرح العملية،
التي تحرص كل القيادات الفلسطينية على أن تمد جسورها معها، ليس فقط
باعتبار وزنها ودورها في الشأن الفلسطيني، الذي هو جزء من أمنها القومي،
الأمر الذي يدفعها باستمرار إلى التحرك لمواجهة أي أزمة على ذلك الصعيد.
وإنما أيضا لأن معبر رفح أصبح يشكل في الوقت الراهن الثغرة الوحيدة في
جدار الحصار المفروض على الفلسطينيين. ومنه تعبر أشياء كثيرة من البشر
إلى كافة احتياجات القطاع، والسعي لتفجير العلاقة مع مصر، بما يؤدي إلى
إغلاق المعبر أو التضييق على الذين يستخدمونه، يظل هدفا غاليا من مصلحة
أطراف عدة أن تسعى إلى تحقيقه، لإحكام الخناق من حول الفلسطينيين،
ومحاولة تركيعهم وإذلالهم. ولهذه الأسباب، فإن ضلوع حماس وغيرها من
منظمات المقاومة في العملية يغدو ليس فقط خروجا على موقفها المبدئي في
العلاقة مع الدول العربية، وإنما يعد أيضا من قبيل الانتحار السياسي
(بالنسبة لحماس تحديدا)، لا يقدم عليه إلا من ذهب عقله وفقد رشده.
وإذا ثبت أن هناك أشخاصا من
غزة اشتركوا في التحضير للتفجيرات، فالأمر لا يتجاوز أحد احتمالين: فإما
أن يكونوا مهووسين نسبوا أنفسهم إلى منظمات إسلامية، وأقدموا على ما
أقدموا عليه من دون علم تلك المنظمات، واما أن يكونوا عناصر مخترقة
إسرائيليا وظفت لإحداث الوقيعة بين مصر والفلسطينيين.
ولا ينسى في هذا الصدد، أن
إسرائيل سعت في الأربعينيات إلى محاولة الوقيعة بين مصر والولايات
المتحدة، فيما عرف بفضيحة «لافون»، عن طريق وضع المتفجرات في بعض الأهداف
الأميركية بالقاهرة، كما لا ينسى أن الأصابع الصهيونية لجأت إلى القيام
ببعض التفجيرات في العراق لحث يهودها على مغادرة البلاد والهجرة إلى
إسرائيل. ولماذا نذهب بعيدا؟ فها هي أصابع الاتهام تشير إلى إسرائيل في
حادث قتل أحد القضاة في أنقرة بواسطة أحد المحامين الأتراك المتدينين،
الأمر الذي فجر العلاقة بين حكومة أردوغان ذات الخلفية الإسلامية وبين
العلمانيين، الذين لا يزالون يحتلون مواقع نافذة في الجيش والسلطة، وقد
وجه هذا الاتهام، رئيس حزب العمل الشيوعي التركي دوغو بيرنجيك، الذي صرح
بأن حزبه يملك معلومات موثقة عن دور المخابرات الإسرائيلية في تدريب
المحامي (وآخرين) على استخدام السلام في دورة خاصة رتبت لهم في بلغاريا.
(الأهرام 28/5).
يقوي من الشك في احتمال
الاختراق الإسرائيلي للمجموعة الفلسطينية التي اتهمت بالضلوع في تفجيرات
سيناء، أن المخابرات الإسرائيلية لها حضور قوي ومشهود في الضفة والقطاع.
فضلا عن أن إسرائيل هي الطرف الوحيد المستفيد من توتير العلاقة بين
الفلسطينيين وبين مصر، كما أن الفلسطينيين هم الطرف الأكثر تضررا من حدوث
ذلك التوتير، الذي يراد له أن يؤدي إلى إغلاق معبر رفح.
وإذا لاحظت أن حكاية اتهام
عناصر المقاومة الإسلامية في فلسطين بالضلوع في تفجيرات سيناء، جاءت بعد
أسبوعين أو ثلاثة من اتهام حماس بتهريب أسلحة إلى الأردن لاستخدامها ضد
شخصيات وأهداف في المملكة، فإن ذلك يضيف سببا آخر للاسترابة والشك في
المسألة، لأننا إذا قطعنا بأن لحماس موقفا مبدئيا يرفض القيام بأي عمليات
خارج الأرض المحتلة، وخارج دائرة العدو الصهيوني، فبوسعنا أن نقطع أيضا
بأن إسرائيل الطرف الوحيد الساعي إلى تلطيخ هذه الصورة، وتصوير حماس
باعتبارها خطرا يهدد استقرار الدول العربية، وليست هاجسا يقلق إسرائيل
وحدها.
بهذه المناسبة، فربما يذكر
القارئ أنني عبّرت قبل أسبوعين عن الشك في تلفيق الاتهام لحماس في قضية
تهريب الأسلحة إلى الأردن، وأوردت في ذلك حججا عدة، بعضها يتعلق بالموقف
المبدئي لحماس من الامتناع عن القيام بأي عمل خارج الأرض المحتلة، وبعضها
يتعلق بسجل جهاز المخابرات الأردنية في تلفيق قضايا من هذا القبيل، وهو
منطق لم يعجب البعض، فاعتبروه تهربا من مواجهة «الحقيقة»، وخروجا على
الموضوع، مؤكدين ـ هكذا بإطلاق ـ على أنه ليس في الأمر تلفيق، ولا
يحزنون!
أرجح أن الذين كتبوا هذا
الكلام يعرفون شيئا عن سجل المخابرات الأردنية في التلفيق، فهم لا يجهلون
مثلا أن الجهاز لفق قضية منذ شهر لأربعة أشخاص اتهموا بالانتماء لتنظيم
القاعدة، وصدر ضدهم حكم بالإعدام، ثم تبين أن المتهمين أشخاص وهميون لم
يولدوا أصلا، فألغى القضاء العسكري الحكم. وهم ينسون، أو يتناسون، قصة
المهندس ليث شيبلات الذي اتهمته المخابرات بالتآمر لقلب نظام الحكم،
واستجلبت شاهدين، اعترف أحدهما بأنه حمل إليه من إيران مبلغ 300 ألف مارك
ألماني لتمويل «المؤامرة»، وإزاء شهادة الشهود، وبعد نشر الاعترافات على
الملأ، صدر ضده حكم بالإعدام (سنة 1992)، خففه الملك حسين إلى المؤبد، ثم
تبين لاحقا أن القضية ملفقة بالكامل، وأن أحد الشاهدين محكوم عليه بالسجن
15 سنة في قضية تجسس، وطلب منه أن يشهد بما أملي عليه مقابل تخفيف
محكوميته. أما الثاني فقد كان لاجئا عراقيا إلى ألمانيا استدرج إلى
الأردن وسحب جواز سفره، وهدد بتسليمه إلى صدام حسين إذا لم يعترف بأنه
حمل الـ 300 ألف مارك إلى المهندس شبيلات، فلم يملك سوى الإذعان
والاستجابة لما طلب منه، وكان هذا الأخير (اسمه علي الشاكورجي) هو الذي
فضح الأمر كله حين سمح له بالعودة إلى ألمانيا. وإزاء الفضيحة، فإن الملك
حسين لم يملك سوى إصدار مرسوم بالعفو عن ليث شبيلات وإطلاق سراحه.
لدي قصص أخرى مماثلة لا مجال
لاستعادة تفاصيلها، لأنني فقط أريد التنبيه على أمرين، أولهما ان الكلام
عن احتمال التلفيق أو الاختراق في مثل هذه الحوادث ليس تهربا من الحقيقة
ولا خروجا على الموضوع، وإنما هو تسليط للضوء على عنصر جوهري في القضية
يتجاهله البعض، سهوا أو عن عمد، أما الأمر الثاني فهو ان الذين يسارعون
دائما إلى إدانة المقاومة واتهام حماس أو غيرها في وسائل الإعلام،
شهادتهم مجروحة أصلا، لأنهم ينتمون إلى المعسكر الموالي لإسرائيل، وليس
في كتاباتهم أي شعور بالود أو التعاطف مع المقاومة أو مع القضية
الفلسطينية، وهو ما يذكرني بالمثل الشائع في مصر الذي يقول: «حبيبك يبلع
لك الزلط وعدوك يتمنى لك الغلط»، لذا لزم التنويه.