تونس ومصر : هيبة الدولة أم قبح
الأنظمة ؟!
مرسل الكسيبي
كاتب
واعلامي من تونس ومدير صحيفة الوسط التونسية
عندما يصبح
القضاة والمحامون في مواجهة مفتوحة مع كرباج الأنظمة وعصي البلطجية ,تغدو معاني
الحداثة مجرد كذبة سمجة في مواجهة ارادة حقوقية كانت يوما ما جزء من
ورقة توت تغطي عورة أنظمة بطشية خدعت العوام بشعارات ارساء دولة المؤسسات
والقانون.
ولئن شكل المحامون في تونس عنصر مشاكسة مستمرة للنظام السياسي المعاصر الذي
أرسته مراحل مابعد الاستقلال ,فان قلعة القضاء ظلت على مدار التاريخ العربي
المعاصر جزء من المنظومة الحاكمة تصدر الأحكام بما يفصل عادة على مقاس الحكام,
فيما عدى حالات استثنائية قليلة أثبتت فيها المؤسسة القضائية في مصر أو في بعض
البلاد العربية الأخرى قدرة نسبية على التمايز عما يراد لها تفصيله من
قبل الأجهزة التنفيذية أو الحكومات.
أحداث الخميس الأسود في مصر من شهر ماي الجاري ,بدت مؤشرا حقيقيا على افلاس
نظام سياسي لم يعد من الممكن له الاعتماد على الجهاز القضائي في مواجهة تطلعات
شعب عظيم بات متشوفا الى معانقة مناخات الحرية في مواجهة متطلبات التوريث.
العصا الغليضة والعضلات المفتولة والبلطجة أمام عدسات الكاميرا العالمية,باتت
اخر رتق في قميص أنظمة عارية لم تعد قادرة على الاستجابة الملحة الى مطالب
الاصلاح,تلك هي باختصار دلالات ماوقع في القاهرة وتحت حصار بوليسي قدر عدديا
بأربعين ألف.
هيبة الدولة كما يحلو للمستبدين تسميتها كشفت عن قبح الممارسة في التخفي أمام
زيف الشعار...فلا هيبة لدولة بكسر عظام مواطنيها تحت عدسات مصوري أشهر وكالات
الأنباء العالمية ,ولا استقرار لمجتمع باهانة وسحل القضاة والصحفيين وكبار
المثقفين بالقرب من مقر نادي القضاة حيث تشهد مصر ثورتها المعاصرة الجديدة.
افلاس نظامي في مصر لايوازيه الا افلاس وقبح على نفس الشاكلة يحدث هذه الأيام
في تونس,حيث يعتصم المحامون احتجاجا على قانون صادق عليه البرلمان يعطي للسلطة
اليد العليا في الاشراف على تخريج المحامين وبالتالي تحزيب القطاع وجعله مرتعا
للدخلاء على المهنة وشرفها ,وهو مايجعل النظام لأول مرة في تاريخ المهنة يتجاسر
على ضرب استقلالية المحاماة وماتحمله من رصيد وطني وتاريخي على غاية عالية من
التشريف والنضالية.
الاعتداء بالعنف الشديد والمبرح منذ يومين فقط ومن قبل عناصر بوليسية على
الأستاذين المحاميين العياشي الهمامي والأستاذ الكيلاني,قد يشكل منعرجا نضاليا
جديدا لثورة حقوقية في تونس تتسق مع ثورة قضاة مصر وماتحمله وراءها من مخزون
احتقان شعبي تجاه استمرار حكم البلاد بقانون الطوارئ والرغبة الملحة في التمسك
بمزرعة السلطة عبر التوريث.
حالة طوارئ معلنة في مصر مدد لها منذ أيام فقط باسم الحفاظ على الأمن
والاستقرار والتصدي لفزاعة الارهاب,وأخرى غير معلنة في تونس منذ بداية
التسعينات أدت الى شل قدرة المجتمع المدني على مواجهة تغول الدولة واكتساح
البوليس لأعصاب المجتمع وتلابيب المؤسسات المدنية والوطنية.
ليست المشكلة مع البوليس اذا ماقيدت حركته باطار من القانون ووضعت مهامه تحت
المراقبة القضائية ,ولكن المشكل يصبح مع البوليس ودولته عندما تطلق يده في
مواجهة حراك المجتمع باتجاه الرغبة في الاصلاح والانفتاح والانعتاق من الجور
والتسلط ...وهو مايحدث في كلا البلدين حيث أصبح البوليس مسندا من الميليشيا في
تونس والبلطجية في مصر.
ولايفسر الاعتماد الفاضح والمكشوف والهمجي على هذه الأجهزة في كلا البلدين في
مواجهة تدفق تطلعات النخبة والجماهير الا حالة الافلاس العام واستنفاذ الخراطيش
المدنية عبر توظيف النخبة والركوب عليها وشراء ذمتها فيما سبق من فترات مر بها
البلدان ,حيث أفلست في مصر وفشلت سياسات الحراسة القضائية على النقابات والفضاء
الجمعياتي ومحاولات اكتساح الحزب الوطني الحاكم لهياكل المحامين والقضاة,أما في
تونس فقد تحول المحامون والقضاة الذين باعوا ذمتهم وشرف مهنتهم بدراهم معدودة
وثمن بخس الى بهلوانات يجوبون المحاكم وساحات العدالة وسط نفرة عامة وتقزز من
زملاء المهنة والمتنازعين الى جهاز القضاء.
المؤشرات المذكورة تعد مسمارا في نعش التسلط وخرقا في سفن أنظمة طالما عالجت
الثقوب الواسعة بسياسة الطلاء ,غير أن السؤال المطروح يبقى في مدى قدرة النخب
وعلى رأسهم القضاة والمحامون في كلا البلدين يضاف اليهم بلا شك رجال الاعلام
والتعليم والفنانون والمثقفون والطلاب,مدى قدرة كل هؤلاء على اعادة التوازن الى
ركاب المجتمع بعد أن أفقد سياط البوليس فرسان الحرية كثيرا من توازنهم عند
تلبية نداء الاصلاح؟