19/03/2008

 

مـُخْـتَـصَر (الفَوَائِدُ الجَلِيّةُ في تَاريخ العَائلة السَنُوسِيَّة) - القسم الأول (6)
لمؤلفها وجامعها: عبد المالك بن عبد القادر بن علي
1386 هجري - 1966 ميلادي
 
تصنيف – صلاح عبد العزيز (1428 هجري – 2007 ميلادي)

 
(عود إلى رحلة السيد محمد بن علي السنوسي)
 
بعدما أن وصل مكة واستقر بها كما تقدم ذِكره أي آخر عام 1241 هجري – 1826 ميلادي. وأخذ العلم عن السيد أحمد بن إدريس وانقطع إليه إنقطاعاً كلياً بظاهره وباطنه.. وامتزجا امتزاجاً روحياً كاملاً.. فقد صارح السيد (أحمد بن إدريس) كافّة أتباعه و تلاميذه بأنه خلف عنه تلميذه الوقور السيد (محمد بن علي السنوسي) وأنابه عنه في حالة حضوره وغيابه وموته وحياته .. وصار يقول لهم: ابن السنوسي أنا وأنا ابن السنوسي فمن تبعه تبعنا ومن خالفه خالفنا. وكان هذا التصريح يحرك غيرة بعض تلاميذه ويثير منافستهم في مناسبات كثيرة. وفي عام 1242 هجري – 1827 ميلادي. عَنَّ للسيد أحمد بن إدريس الخروج من مكة إلى جهة اليمن حيث كثر تلاميذه و أتباعه بها، وقد أكثروا من إلحاحهم على سيادته لزيارة بلدانهم و وطنهم لنشر علومه بها، فكان يستخير الله في ذلك مرات عديدة .. فرأى من الإشارات ما يشجعه على السفر، وفعلاً تجهز وخرج من مكة بعد أن مكث بها بما تقدم ذكره.. وبعد أن ترك في الحرمين الشريفين آثاراً خالدة إلى يوم القيامة وكوَّن رجالاً خدموا الدين الإسلامي خدمة صحيحة مفيدة، وكان الإمام (بن إدريس) كثير الزواج كما كان الناس يتبركون و يتشرفون بمصاهرته، ولقد أنجب كثيراً من الأولاد غير أنهم كانت لا تُكتب لهم الحياة.. وقد سمعت من أستاذي المجاهد العظيم (أحمد الشريف السنوسي) قوله: دفن السيد (أحمد بن إدريس) في مقبرة المُعلا بمكة ستين ولداً ذكراً من صُلبه.. ولم يعش له إلا السيد محمد الملقب بالغوث والمولود ببلدة الطائف عام 1218 هجري – 1803 ميلادي. وفي آخر حياته رُزق بولد سماه (عبد العال) وثالثاً صغيراً أسماه مصطفى و قد توفي صغيراً. ولما عزم السيد أحمد بن إدريس على الخروج من مكة إلى اليمن تعلق به أتباعه و معظم تلاميذه ومنهم الإمام محمد بن علي السنوسي ..و ساروا معه مراحل حتى وصل إلى بلدة الليث التي تبعد عن مكة أربع مراحل جهة اليمن فتوقف فيها و جمع تلاميذه المتعلقين به من الحجاز و غيره وقال لهم : ابن السنوسي منا ونحن منه وهو خليفتنا والقائم مقامنا .. فمن أراد منكم أن يرجع معه فليرجع، ومن له القدرة على السفر وأراد مرافقتنا فليفعل.. ثم أمر خليفته (محمد بن علي السنوسي) بالرجوع إلى مكة وأمره أن يقوم مقامه في كل ما له وعليه من نشرٍ لدعوته وتعليم تلاميذه .. ثم أهدى له جارية حبشية هي السيدة (خديجة الحبشية) رحمها الله والتي أنجب منها أربعة عشر ولداً ذكراً ولكنهم لم تُكتب لهم الحياة حيث كان أغلبهم يولد سقطاً و كلهم مدفونون بمقبرة المعلا بمكة المكرمة. وكانت من الصالحات القانتات، وكانت ترافق السيد السنوسي في أسفاره وتتحمل المشاق في خدمته وتمريضه ولم تفارقه لا في سفر ولا في حضر حتى سفره الأخير إلى برقة حيث أبقاها في المدينة المنورة والتي توفيت بها؛ وكانت السيدة خديجة هذه قد بشرت السيدة والدة (محمد المهدي السنوسي) وشقيقه (محمد الشريف السنوسي) بأنها سوف تنجب وقالت لها: إني رأيت في المنام زوجي ابن السنوسي وقد أعطاني سوارين من ذهب وأعطاكِ سوارين من فضة .. فعرفت أنّ من تنجبيه يفُضُ ويكبر .. وأن ما أنجبه أنا يذهب.. وفعلاً كان ذلك بأمر الله، وقد كان من صفاتها أيضاً أنها كانت حادة المزاج سريعة الإنفعال مُستجابة الدعوة.
 
نعود إلى رحلة السيد محمد بن علي السنوسي، فبعد أن ودع شيخه السيد أحمد بن إدريس رجع إلى مكة مع من رغب الرجوع من الإخوان، وعند وصوله مكة بدأ سيره وعمله على نهج أستاذه وهديه وطريقه حذو القذة بالقذة دون زيادة أو نقصان و نزل في وسط جبل أبي قبيس حيث كان شيخه نازلاً ... بعد ما نزل السيد السنوسي في وسط جبل أبي قبيس الذي كان خالياً من البيوت والسكان.. كان سكناهم في عُشٍ من القش والجريد والخوص .. وقد أرهقهم الحر والمطر والبرد.. لذلك استخار الله تعالى في إقامة بناءٍ لأنهم كانوا يتحاشون إقامة المباني في الأماكن المرتفعة فوق سطح الكعبة المعظمة .. فرأى رضي الله عنه ما يشرح صدره للبناء.. فشرع في بناء المسجد بمساعدة إخوانه وتلاميذه في آخر عام 1243 هجري – 1828 ميلادي. كما أقام بجوار المسجد خلوات للإخوان الغرباء والمنقطعين من طلاب العلم و قد سُمِّيَ هذا المسجد وما يتبعه بزاوية جبل أبي قبيس وهي أول زاوية أسسها الأستاذ الإمام محمد بن علي السنوسي.
 
(إمارة الأدارسة باليمن .. و علاقتها بالحركة السنوسية)
 
غادر الإمام (أحمد بن إدريس) الحجاز في سفينة شراعية عام 1242 هجري – 1826 ميلادي. نحو اليمن لنشر الدعوة الإسلامية وتوعية المسلمين بأمور دينهم .. وخلال أربعة أعوام لم يترك الدروس والوعظ والإرشاد يوماً واحداً ...حتى عمَّ نفعه للخاص والعام، وكان يقوم أيضاً بدور الإصلاح بين القبائل المتنازعة .. وأثناء ترحاله لنشر العلم والدعوة إلى الله؛ حط رحاله ببلدة (أبي عريش) وكان أمير تلك المنطقة هو الشريف (علي بن حيدر بن حمود ) من الأشراف، فأكرم نُزُل السيد (بن إدريس) وهيأ له كل أسباب الراحة والإستقرار. ولذلك آثر الإقامة في بلدة (صبيا) بالقرب من أبي عريش، وهناك اجتمعت عليه أممُ كثيرة، ولقد غلب الجهل بالدين والشرع على أكثر أحوال تلك الجهة، ولم يبق لهم من الإسلام إلا اسمه ومن المصحف إلا رسمه .. ولذلك كرس الإمام بن إدريس جهوده في المساجد والمجتمعات وفي بيته حتى كونَّ نخبة مباركة ً من طلاب العلمِ حملوا الأمانة من بعده عملاً بكتاب الله وبالتي هي أحسن ... وهناك وفد إليه تلميذه وخليفته (محمد بن علي السنوسي) من مقر إقامته بمكة مراراً .. وكان يُرتب له قافلةً من مكة تخرج على رأس كل شهر تحمل للشيخ بن إدريس ماء زمزم و كل ما هو ضروري لسيادته طيلة مُكثه في (صبيا ) والتي دامت تسعة أعوام، وقد كانت وفاة الإمام (بن إدريس) في (صبيا) سنة 1253 هجري – 1837 – ميلادي. ولم يحضر السيد محمد بن علي السنوسي وفاة شيخه السيد (أحمد بن إدريس) وبعد وفاته رجع من كان معه من الإخوان إلى مكة. وممن لحق بالإمام السنوسي بمكة ورافقوه في رجوعه إلى برقة و لازموه مدة حياته الشيخ محمد الشقيع ومحمد بن عبد الله السٍني وأحمد أبو القاسم التواني والشيخ عمر بو حوا الأوجلي. ثم استمر أحفاد الإمام أحمد بن إدريس في نشر العلم الشرعي.
 

 
الأمير(محمد بن علي الإدريسي)

مؤسس إمارة الأدارسة باليمن
 
و لقد برز منهم على الساحة السياسية السيد (محمد بن علي الإدريسي) مؤسس إمارة الأدارسة باليمن .. فقد اشتغل بطلب العلم في (صبيا باليمن) ثم انتقل إلى الأزهر بالقاهرة وأتم فيه دراسته الشرعية، ثم ارتحل إلى واحة الجغبوب بليبيا ومنها إلى الكُفرة حيث إقامة الإمام (محمد المهدي السنوسي) فزاره بها ومكث عنده مدة يتتلمذ على يديه.. ثم عاد إلى صعيد مصر حيث زار أبناء عمومته آل السيد (عبد العال الإدريسي) بمنطقة (الزينية) ثم كانت عودته إلى مسقط رأسه باليمن عام 1323 هجري – 1905 – ميلادي. وكانت عودته بطلبٍ مُلحٍ وسريع من والده ومُريديه ومُحبيه وشيوخ القبائل .. وبعد وصوله بقى مع والده قرابة عامٍ ونصف، ثم تُوْفي والده (علي بن محمد بن أحمد بن إدريس). قام بعد ذلك السيد محمد مقام والده بالدعوة إلى الله والإرشاد .. فغار منه الأتراك الموجودون بمنطقة (جيزان وعسير والحُدَيدة) وأرادوا الكيد به وإلقاء القبض عليه ومن ثَمَّ إرساله إلى استانبول مركز الخلافة .. فحال دونه أهل تِهامة قاطبةً وحاربوا الأتراك حتى أجلوهم من تلك الجهة ... وأقاموا السيد (محمد بن علي الإدريسي) أميراً عليهم، وبذلك تأسست الإمارة الإدريسية وتوسعت حتى بلغت نجران والحُدَيدة وعسير .. وحتى قُرب منطقة القُنفدة من ناحية مكة .. ولذلك تضايق من اتساع نفوذ الإمارة الإدريسية كل ُمن إمام اليمن وأمير مكة .. هذا وقد استمرت إمارة الإمام (محمد الإدريسي) أربعة عشر عاماً ثم كانت وفاته سنة 1341 هجري – 1923 – ميلادي. فتولى إبنه الأكبر (علي بن محمد الإدريسي) وبقي في الإمارة ثلاثة أعوام ..ثم تنازل لعمه (الحسن بن علي الإدريسي) والذي استمرت إمارته سبعة أعوام.. ثم ما لبثت إمارة الأدارسة في اليمن أن اضمحلت بعد عدة عوامل يطول شرحها ويضيق بنا المقام لسردها.. فهاجر بعدها السيد (الحسن الإدريسي) وكافة العائلة الإدريسية باليمن إلى مكة وهم الآن مقيمون بها وهم فَرْعُ السادة الأدارسة باليمن. نفع الله بهم وجعلهم شجرة صلاح وفلاح مباركة إلى يوم الدين.
 
يتبع....
 
تصنيف – صلاح عبد العزيز
 

(1) الحاشية - في الحلقة القادمة ( الثالثة ) سوف نتناول فترة حكم العائلة القرمانلية
راجع بقية الحلقات
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com