أعلن الاخ
العقيد القائد معمر القذافي انه لا توجد في شمال افريقيا مشكلة لاقلية
أمازيغية (أي بربرية) لانه ببساطة لا يوجد امازيغ في الجماهيرية وتونس
والجزائر والمغرب وموريتانيا! وأعلن ان جميع سكان هذه الدول هم من العرب
الاقحاح الذين هاجروا من الجزيرة العربية , وأن من سموا بالبربر منهم إنما
سموا بذلك لانهم ركبوا البحر من جزيرة العرب متجهين الى البر الأفريقي
المقابل, وعندما لاح لهم الشاطئ عن بعد ورأوا اليابسة ثم نزلوا تصايحوا
بفرح شديد (بر بر) فسموا لذلك بهذا الاسم.
لقد وقع الاخ
العقيد القائد بعد كلامه هذا في شيء من التناقض حين ابتدع نظرية جديدة تقضي
بتقسيم العالم الى فضاءات متعددة, وطالب باعتبار الجماهيرية العظمى بلدا
افريقيا خالصا لا يمت الى العرب بصلة, وقال ان العرب شيء ونحن الافارقة شيء
مختلف تماما , وانهم آسيويون ينتمون الى الفضاء الآسيوي , ونحن افريقيون
ننتمي الى الفضاء الافريقي فلسنا منهم وليسوا منا في جميع المقاييس, وذهب الى
ابعد من ذلك فحذر جميع دول افريقيا من التعامل او التواصل مع الدول العربية
بأي شكل من الاشكال, وطالبها بالابتعاد التام عن مشكلات العرب. ويبدو ان
القذافي قد نسي او تناسى ان الرسول والصحابة هم سنام العرب باجماع العارفين,
وان القرآن الخالد الذي يؤمن به أهل ليبيا نزل باللغة العربية هذه اللغة التي
امتلأت بعد الاسلام بأعمق الآثار واغزرها في العلوم والآداب. ولن يكون غريبا
ان نرى في يوم ما الاخ العقيد القائد ينزع من لسانه وألسنة افراد عائلته هذه
اللغة الشريفة وان يستعملوا جميعا بدلا منها ما يختاره من اللغات الافريقية
الحية, ولن يكون عجيبا ايضا ان يمنع في يوم ليس ببعيد استعمال اللغة العربية
نطقا وتداولا ودرسا وتدريسا وجمعا وتحصيلا في جامعات الجماهيرية العظمى وفي
مدارسها ودوائرها, ثم يسحب هذا على الشعب كله فيلزمه بترك العامية العربية
الليبية الى عامية اخرى افريقية جديدة خفيفة ظريفة.
هذا هو القذافي
الذي احتضنه عبدالناصر ولقبه بأمين القومية العربية واعتبره القائد الشاب "الواعد"
والزعيم العربي الوارث للزعيم العروبي الموروث, وها هو القذافي بطل القومية
العربية في البداية الذي قال عنه عبدالناصر آنذاك "إني ارى فيه شبابي" ينتهي
الآن الى نبذ العروبة وإلى التحول عنها الى الافرقة, والى الانتقال من الفضاء
العربي المتمثل بالجامعة العربية الى الفضاء الافريقي المتمثل بمؤتمرات القمة
الافريقية, وهو بعد هذا كله لم ينس ان ينصح الدول الافريقية بمقاطعة الدول
العربية والابتعاد التام عن مشكلاتها وفي مقدمتها بالطبع قضية فلسطين وهو ما
لم تطلبه اسرائيل نفسها من الدول الافريقية في اي وقت من الاوقات.
هذا النوع
الفريد من الزعماء يعد من عجائب هذا الزمان الغريب, وهو بلاشك عقوبة سماوية
طالت الشعب الليبي اولا, ثم الامة العربية , وكذلك المسلمين الذين تكالبت
عليهم جميعا المحن, ونزلت بسوحهم الخطوب, واشتدت فوقهم وطأة الحدثان.
* استاذ سابق في الجامعة
|
|
|