29/07/2008
 

 
آريا؟ عن السجن وتعويض المعتقلين السابقين
 
بقلم: د. محمد محمد المفتي - صحيفة "القدس العربي"

 
لا أشعر بتقدم السن إلا عندما يسألني أحدهم عن اعتقالي سنة 1973.. أي قبل أكثر من 35 سنة... قبل أن يولد معظم الجالسين حولنا. بالنسبة لهؤلاء، فإن وعيهم ربما تفتح في بداية الثمانينيات. القصة إذن أشبه بحكايات الحروب القديمة... بعيدة جدًا. قرابة جيل كامل. ولو كانت الحياة مثل أيام زمان لكانت سلالة كل الأطراف قد نسيت وتزاوجت وأنجبت.
 
آه.. ولكن من مرّ بتجربة السجن لفترة.. فإنها تبقي معه إلي حين يواري تحت التراب. نعم تتراجع المعاناة والألم المعنوي بل والجسدي إن وجد.. وتبقي ذكريات طريفة ولحظات مضحكة.. فكأنما الذهن البشري مبرمج للإحتفاظ بما هو جميل وطمس كل ذكري دميمة. بل وتتقلص السنين لأن أيام السجن متشابهة.. وزمن السجن متداخل مثلما تتداخل أنابيب التلسكوب، فيبدو أقصر مما كان عليه فعلا.
 
إذا استبعدنا مراحل التحقيق وربما الأذي الجسدي.. تبدو حياة السجن خالية من الأحداث.. مجــــرد دائرة متكررة.. يشرق ضوء الصباح، ماء الحمام البارد، عربـــة الإفطار، الضحي للتمشي في الساحة أو ما يعرف في سجون ليبيا بالآريا وهي كلمة إيطالية تعني الهواء.. أي خروج السجناء من زنازينهم لاستنشاق الهواء النقي... ثم عودة مسرعة علي صوت برويطة الغداء إلي الغرف لالتقاط صحن الألمنيوم وطاسة الشاهي.
 
ربما تبقي في الذاكرة بضع تفاصيل مرعبة مثلا مداهمة مغص أو نزيف أو حتي وفاة زميل لأمر طبيعي، ولكن دون الحصول علي إسعاف رغم المناداة ورفض الحراس فتح الباب رغم التخبيط. كما تبقي وقائع في غاية التفاهة. أحدهم إسمه المـُــنـَزّك كان يوزع علينا الطعام. نوعان أحمر وأبيض. ذات يوم كنت واقفا بصحني في الطابور وتجرأت بأن طلبت من الطنجرة البيضاء فوبخني. في اليوم التالي وقفت بصحني صامتا.. فوبخني لأنني لم أتكلم؟ وكانت تلك نهاية علاقتي بوجبات السجن المطبوخة.. وخلال خمس سنوات انخفض وزني إلي خمس وخمسين كيلو!
 
بعد العصر آريا ثانية.. في طراوة المغرب. ربما تتحدث مع كل من معك يوما بيوم ، وتتحاكون وتتبادلون الآراء والذكريات في جولات الآريا.. لكن أيام السجن خالية وخاوية إلا من القلق. وتداهمك جرعة القلق علي الأقل كلما سحبت بطانيتك علي وجهك.
 
اللامـعـقــول
 
أحاسيس السجن متنوعة طبعا.. الفرح والغضب والحزن والاكتئاب.. والوساوس.. لكنك مع الوقت تشعر بأنك في وضع أقرب إلي مسرح اللامعقول.. لأنك تعرف أن الحياة مستمرة وتـنبض علي بعد أمتار فيما وراء الأسوار. قد تسمع أو تتخيل أنك تسمع أصوات الناس والسيارات البعيدة، كما كان الحال في سجن بورتو بنـيــتو أو الحصان الأسود في وسط طرابلس. وسرعان ما تدرك أنها ( أي الحياة) ماضية.. بدونك.
 
ثم أي لا منطق يربطك بهؤلاء الحراس الذين لا تعرفهم ولا يعرفونك وليس بينكم ثأر، لكنهم مستعدون لمطاردتك أو حتي لإطلاق الرصاص عليك ؟.. فقط ليمنعوك من العودة إلي بيتك وأطفالك. هكذا تكتشف خواء العلاقات الإنسانية. طبعا لا تخلو حياة السجن من خصومات وكراهيات وتحامل.. لكنها محدودة فليس هناك ما تختصمون حوله حـقا.
 
ومع السنين يبقي سؤال يتردد في جمجمتك.. متي ينتهي وينحسر الغضب الإنساني الذي رمي بك في هذا الجب؟
 
وعادة يواجه المرء هذه التساؤلات بصبر، فالله سبحانه الذي ينزّل القضاء، ينـزّل معه الصبر .. ثم إن العقـل يختزل وجودك في السجن، في معادلة تحدّ. أنت لا تنكسر لأنك حين تخضع تفقد كل شيء بما في ذلك احترامك لنفسك.. أو هكذا يصوغها العقل البشري.. وتلك الاستجابة التلقائية في وجه المحقق مثلا، هي ما اصطلح الناس علي تسميته بالشجاعة.
 
السجن طول حياتك
 
محنة السجن ليست في معايشتها، لأن العقل البشري سرعان ما يجد مخارج منها بالطمس والسخرية.. حياة الانقطاع نفسها تفقدك لوعة العزلة تدريجيا.. لكن محنة السجن قاسية في مضاعفاتها وانعكاساتها علي من تحب.. تشظي عائلتك، انهيار أحلامك إن كنت طالبا أو حديث التخرج أو متخصصا.. محنة السجن قاسية في معاناة الآخرين بسببك.. زوجتك التي تتحول إلي شبه أرملة.. أطفالك الذين يحيون اليتم.. والداك وهما الأكثر التياعـًا إذ تتحول حياتهما إلي نواح متصل. فجأة الأسرة كلها تنال العقاب.
 
تخرج من السجن لتحتضن إبنك وبناتك كبارا، وكنت قد تركتهم يحبـُون. لكنك لم تعايش حياتهم ونموهم.. لا يعرفونك.. سوي من خلال القصص التي سمعوها.. وربما حمّـلوك في سرهم، ذنب الغياب. وتدريجيا تستعيد حياتك.. وتبدأ رحلة التكيف.. شعارك إللي صار صار.. قسمة ونصيب .. فقط لتـتخلص من هواجس الأمس.. وتقـتـنع بأن ما وقع أشبه بحادث سيارة.. جروح وكسور وشيء من الغيبوبة.. تفرح باستعادة حريتك وباستئناف حياتك. تـتـشافي تدريجيا مع شئ من الإعاقة.. التي قد لا ينتبه لها أحد لأنها معـنوية.
 
وفعلا تنسي الكثير.. لكن صور السجن تبقي معك طول حياتك.. تطفو علي شاشة الذاكرة كما لو كانت فيديو كليب بطله شخص آخر غيرك لأنك ستري نفسك في الصور التي تتحرك علي شاشة ذهنك.. مجرد قصة كما لو أنها حدثت لآخر!
 
بعد الخروج والاحتضانات الأولي.. تكتشف مفارقة غير متوقعة.. وهي أن معظم من حولك خارج السجن لا يعيرون محنتك اهتماما ولا يفهمـونها.. فهي بالنسبة لهم بعيدة موغـلة ولم تعد لها دلالة. حياتهم لم تتوقف.. استمروا، يتزوجون، وينجبون ، ويتاجرون ويسافرون. وأنت.. كنت مجرد شبح ينغص ذكرك عليهم حياتهم بين الحين والحين!
 
لكن صور وذكريات السجن تعاودك وتجترها حين تلتقي برفاق الأمس.. من كانوا معك.. في سهرية أو مناسبة.. ربما لأنك وهم أيضا عشتوها دون أطماع سوي أمل الخروج. ذلك هو سر المودة الدافـقـة وغياب الكلفة والصراحة التامة التي تسم علاقة الخارجين من السجن إذا التقوا في أي مناسبة، بغض النظر عن قناعاتهم وأسباب اعتقالهم أصلا.
 
قد تأسي لما فـقـدت من ســنين عمرك وقد ينـتـفـض أي صديق جديد حين يكتشف عددها. عدد سنين السجن قد يهم الحكومة ، لكن لها وجها آخـر.. إنها ســنيـن عمرك أنت التي ضاعت.
 
والقصة لاتنتهي مدي حياتك.. فلا شيء يقضي علي الألم والإحساس بأن ظلما وقع.. وأنك كنت الضحية. وهل يعوّض هذا الجرح المعنوي بمال؟ وكيف تقـيّـم سنين العمر التي ضاعت؟
 
حتي المرتـبــات
 
خرجت من السجن قبل ربع قـرن ، واستمتعت بمغامرة بناء حياتي من جديد. ولم أهتم بالمطالبة بتعويض. ولم أرفع قضية ضد الدولة. فقط طلبت تسوية مرتباتي أثناء فترة الاعتقال ورغم ما لي من حق، وموافقة أمين اللجنة الشعبية في البيضاء حيث كنت أعمل إلا أن القرار ما يزال في بيات شتوي لعدة سنين بأمانة الخزانة بالجبل الأخضر. فلماذا تحتجز الحكومة مرتباتي التي تؤكد قوانينها أنها من حقي؟ لست أنا الوحيد فـذلك سؤال الكثيرين. كأنما الحكومة تريد أن تقول أن العقوبة ما تزال متواصلة.
 
عن مبدأ التعـويض
 
مؤخرا سمعت أن أمانة العدل تناقش إمكانية تعويض السجناء المفرج عنهم. جميل، خاصة أن بعض سجناء الفترة المبكرة قد فارق الحياة.
 
وهناك سابقة مشرفة في تعويض أسر ضحايا وباء الآيدز في كارثة مستشفي الأطفال في بنغازي. وكانت تعويضا منصفا، والجدير بالتنويه أيضا أن الذين شملهم التعويض لم يهربوا ما نالوه، بل استــــثمروا المال داخل ليبيا بشراء عقارات وغيرها.
 
ويبدو أن اللجنة المكلفة بتعويض السجناء السابقين قد استقرت علي رقم هو دفع 2000 دينارعن كل شهر. وهذا رقم منخفض جدا.. يعني لو قضيت عشر سنوات في السجن فستعوضك الحكومة بربع مليون دينار أو 175 ألف دولار. وقبل أيام صدرت دراسة تقول أن قيمة المواطن الأميركي قد انخفضت في خضم التقلبات الإقتصادية الحالية إلي ستة ملايين دولار.. وعلي مثل هذه التقديرات يمكن أن نقول أن التعويض عن عشر سنوات هو مليون دولار.
 
ولا يجب ألا نستـكـثر هذه التقديرات، سواء في سياق دخلنا الوطني العالي، كما أن أي تعويضات هي نوع من إعادة ضخ سيولة نـقدية في اقتصادنا. وأجدادنا كانوا يقولون: بين السترة والعافنه محــط إصبع من باب الحث علي السخاء في تسوية الخلافات.. لأن التعويض المادي والعيني مطلوب.. لكن الأهم علي المدي البعيد هو دفـن الضغينة ومشاعر الغبن والظلم.
 
ســلـّم تصــاعدي
 
ولهذا، أريد أن ألفت النظر إلي الآتي:
 
إن محنة السجن معنوية وبالتالي لا يعوضها المال مهما بلغ. إن أي تعويض هو بمثابة معونة لمساعدة الضحايا علي التكيف مع حياتهم وما رافقها من إعاقة. إن أذي السجن وآثاره المادية، تتضاعف وفق متوالية هندسية، أي ليس بالتزايد وإنما بالتضاعف (مثلا 2 ، 4 ، 8 ، 16 ، 32..). وعليه فإن رقم أعلي من ألفين عن كل شهر قد يقبل للسنة الأولي فقط. ولهذا يجب وضع سلم تصاعدي لتقدير التعويض. القيمة من سنتين إلي خمس سنوات يجب أن تكون ضعف معدل السنة الأولي. لأن الأذي هنا عادة ما يكون وظيفيا أو تعليميا. السنوات من خمس إلي عشر يجب أن تحسب علي أساس ضعف معدل السنة الخامسة لأن الأذي هنا عميق وشائك، فقد يترتب عليه طلاق، وبالتأكيد كبر الذرية، واحتمال وفاة أحد الوالدين. كما أن اسـتـئناف العمل في نفس المجال سيكون صعبا جدا. معدل السنوات من 11 إلي 15 يجب أن يكون ضعف معدل السنة العاشرة. السنوات التي تتجاوز 15 يجب أن تكون بمعدل مستقل يتناسب والأرقام السابقة. إن تعويض المفرج عنهم من المعتقلين سيكون خطوة منصفة، ورائعة معنويا.. ومبادرة تاريخية وحضارية.
 
* طبيب وكاتب من ليبيا قضي في السجن أحد عشر عاما
 

 

نقلا عن صحيفة "القدس العربي" 29 يوليو 2008
 


 

التعليقــــــــــات

 
سجين سابق: شكرا على التحليل لكن انقولك كله خراف ولن تحصل منهم على شئء.. تقول 2000 حتى 1000 ماتطمع بيها. شخصيا قضيت 12 سنة في سجن ابوسليم.
 

 

للتعليق على الحوار
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com