06/01/2008
 

عندما يئدون حتى الحلم!
 
مقال للفنانة الفلسطينية العالقة على الحدود / أمية جحا
 
بقلم: علي عبدالعال

 
 
قالوا لي: أسرعي فقد فتحوا المعبر للحجاج العالقين منذ أسبوع في العريش عساك تعودين معهم، وبسرعة البرق لملمت حقائبي بعدما كانت حقيبة.. إنها سبعة شهور قضيتها بعيدا عن غزة.
 
واستقليت أنا وزوجي السيارة من العريش حتى المعبر، وطوال الطريق كنت أنظر للبلد التي احتضنتني بحنان شعبها وكنت أتمنى أن أبكي مودعةً إياها .. ولكن كلما حاولت دمعة ان تسيل شدها خوف العودة من جديد إليها فحنيني لوطني أكبر.
 
كنت ألتقط في مخيلتي مشاهد ما سأفعله أول ما اجتاز المعبر إلى غزة ,كنت سأسجد على الأرض و اقبل ترابها ثم أهرول احتضن صغيرتي نور وآه ثم آه يا نور ..نور كنت انتظره بعد عتمة الغربة القسرية بلا ذنب سوى أني فلسطينية الجنسية.!
 
كنت سأوزع القبلات على ذرات الهواء وسأحمل بيدي راية فلسطين اخرجها من شباك السيارة ليبقى يرفرف خفاقا, كنت سأسلم على المارة وأحيي الدكاكين والباعة , كنت سأحتضن كل اطفال غزة واوزع عليهم حلوى اشتريتها من مصر فغزة محاصرة وشح فيها الطعام والدواء.
 
كنت سأغفر لكل من ظلمنا من حكام العرب وقد كنا لا نبيت نحن العالقون من نساء ورجال وشيوخ ومرضى الا ونحن ندعو على من ظلمنا وغربنا عن اهلينا وسرق الفرحة من عيوننا وراحة البال من قلوبنا.
 
وتذكرت ابن أخي الذي مات جنيناً قبل ان يُولد بأسبوع, كنت أول من حمل هذا الطفل الجميل,وكانت اول مرة احمل فيها طفلا ميتا, كنا ننتظر ميلاد هذا الطفل بفارغ الصبر عساه يدخل الفرحة الى قلوبنا التي أدماها الحزن طويلا ..مات الطفل ودفن في العريش ومات ودفن معه الحلم بعودة قريبة للوطن.
 
وتذكرت شاطئ العريش الجميل,كنا نسهر طويلاً على الشاطئ الذي كان يعج بالمصطافين في الصيف, وأتذكر كيف كان كل واحد منّا يتحدث عن شوقه للأهل والاولاد وكيف كان يصارع كل واحد الاخر ليثبت ان همه اكبر من هم الآخر, كنا نضحك احيانا وكنا نبكي احيانا واحيانا واحيانا.
 
وتذكرت كيف كانت عيناي تتابعان حركة الأطفال المصريين على الشاطئ فأتلهف بقلب الأم إن وقع طفل في الماء, وكيف أني كنت ارغب باحتضان طفلة تشبه طفلتي فأخالها تهرول نحوي واذ بها تسرع بعيداً ناحية أمها.
 
وتذكرت كيف انتهى فصل الصيف بعودة كل المصطافين المصريين الى مناطق سكناهم... وبعدما عادت دفعة من العالقين الفلسطينيين الى غزة, فبقيت وحدي على الشاطئ أكاد اسمع صوت صدى أنفاسي لولا صوت أمواج البحر, ولعب أطفال مبعثرة وبقايا طعام هنا وهناك... هي أطلال أناس كانوا هنا كل يوم ..!! أصواتهم.. ضحكاتهم.. كلها رحلت معهم ..!!! تذكرت كيف كنت ابكي ولا ازال عندما اجد الكل قد عاد الى وطنه الا نحن!!!
 
كنت اتمنى لو أتحول الى سمكة تسبح في أعماق البحر الى ان اصل الى شاطئ غزة... كنت أحسد الطيور التي كنت اراها اسرابا اسرابا تهاجر من مكان إلى آخر لأن لها جناحين تستطيع بهما أن تطير فلا تحتاج إلى جواز سفر ولا توقفها حدود ولا رجال أمن ولا نقاط تفتيش..
 
وتذكرت كيف قضينا شهر رمضان..صائمين عن الطعام وصائمين عن الفرحة, وكيف كان املنا كبيرا ان نقضي عيد الفطر بين اهلينا فاشتريت فستان العيد لنور وحذاء وحقيبة وصرت أتخيلها تتراقص فرحة بهديتي إليها وترتمي في حضني وتقبلني..جاء العيد السعيد على قلبي الحزين وانا انظر للفستان الذي ربما سيصبح صغيرا عليها لو طال البعد أشهراً قادمة..
 
وتذكرت كيف كنا نموت في اليوم ألف مرة ونحن نجد إعلاما عربيا ميتا لا يتناول قضيتنا وامة ميتة لا تحرك ساكنا مما زاد شعورنا بأننا منسيون وسنبقى عالقين خارج الوطن.
 
وتذكرت كيف حل الخريف فتساقطت معه أوراق الشجر وتساقط معه الأمل بعود قريب ! وتذكرت كيف حل الشتاء وما أقسى أن لا يشعر المرء بدفء الوطن في الشتاء...
 
وتذكرت كيف جاء عيد ثان هو عيد الأضحى المبارك.. وكيف ساهمت الاغاثة الطبية الاسلامية واتحاد الأطباء العرب في رسم البهجة في عيون الأطفال الفلسطينيين العالقين فاشترت لهم الألعاب وذبحت أمامهم العجول ووزعت على الأسر الأضاحي بسخاء..كان موقفاً نبيلاً لمسناه ولا نزال من الشعب المصري الكريم الغني بنخوته وأصالته رغم فقره المادي والذي كان يتمنى أن يفرش لنا رموشه لنمشي عليها...
 
ثم تذكرت كيف اتقن اطفالنا اللهجة المصرية وكيف جعلوا اقرانهم المصريين يتحدثون باللهجة الفلسطينية .. وكم كنت اضحك وانا اسمع حديث الطرفين وهما يلعبان سوية.
 
ثم تذكرت اني لا ازال في السيارة... آه ما أحلاك يا وطني حتى لو كنا نتجرع لحبك علقما.. وما أغلى ترابك حتى لو كان طريقنا إليك شوكاً..
 
اقتربنا من بوابة المعبر في الجانب المصري وفي مقدمتها عبارة ترحيب وتمنيات برحلة سعيدة.. قلت في نفسي بحسرة"هه رحلة سعيدة!!!"
 
وقفت السيارة وانزلنا الحقائب الي حيث البوابة التي تجمع عندها العشرات من العالقين المتلهفين للعودة, كان عددنا لا يتجاوز المائة شخص من رجال ونساء وأطفال، الكل يزاحم الكل والكل يسابق الكل وبوابة مغلقة تفتح كل نصف ساعة لتدخل نفرا قليلا ..استوقفني صحفي مصري يعرفني كنت قبل يوم رفضت الحديث معه لأن نفسيتي كانت متعبة وصار يسألني عن مشاعري وانا سأدخل المعبر اخيرا.. أجبته بابتسامة وأمل حذرين... والتقط لي صورا قلت في نفسي عساها تكون آخر صور تذكرني بتجربة مريرة عشتها مع غيري من العالقين!!
 
فتحت البوابة.. ودخلت أنا وزوجي.. ربما لم تكن قدماي اللتين تمضيان بي... كنت أشعر بأني أطير.... وبأني بت أمتلك جناحين كبيرين... لأول مرة من سبعة شهور أتذوق حلاوة الضحكة من القلب ...كنت مستعدة ان احمل حقائبي دفعة واحدة فالآن يهون كل تعب.. انا الآن على بعد أمتار من الوطن..
 
وصلنا صالة السفر المصرية حيث يتم ختم الجوازات ومن ثم الدخول للجانب الفلسطيني.. ربما هو ختم على كتاب يقولون لي فيه انت الان حرة طليقة... ما هي إلا خطوات وأصل الضابط المصري ليختم لي على جواز السفر حتى توقف كل شي... وقف الضابط وقال: أغلق المعبر!!!
 
آآآآآآآآآآآآآآه يا أخي في العروبة والإسلام, لو كنت تدرك مرارة كل حرف من جملتك هذه... لما استطعت أن تنطقها!!!!!!!!!!!!!!
 
آآآآآآآآآآآآآآآآآه يا أخي في العروبة والاسلام, لو كنت تدرك أن جملتك هذه هي اشد ثقلا علينا من حمل أمتعتنا .... لما استطاع لسانك حمل تلك الحروف!!!!!!!
 
آآآآآآآآآآآآآآآآآآآه يا أخي في العروبة والإسلام, لو تدرك حلاوة الحلم بالعودة للوطن عندما يتحول لحقيقة لما هان عليك أن توقظنا !!!!!!!!!!!
 
آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه يا أخي في العروبة والاسلام.... كيف تشتت العائلة من جديد فأولاد دخلوا وآباء منعوا !!! ونساء يبكين.... وعجائز يتوسلون.... ومرضى يبكون.... وانا أنظر إلى كل الوجوه.. ربما لأخفف من شعوري بالقهر أو أزيد!!!
 
كيف تصل اللقمة إلى فم الجائع ويسحبونها منه!!!!!!!!!!!!
 
كيف تبكي الحرائر و لا تجد لدمعتها وزناً لنخوة عربي !!!!!!!!!!
 
طوال وجودي في صالة الجوازات لم يهتز لي جفن ولم اذرف دمعة واحدة حتى وانا ارى رجال الأمن يقذفون حقائب المسافرين يجبرونهم على العودة الى الجانب المصري... ربما كنت ابكي بصمت .. وربما كنت أحاول التجلد في موقف يستحق من الرجال قبل النساء البكاء فيه !!!
 
كنت آخر من خرج من الصالة ..ربما كان تمسكاً بالأمل حتى آخر لحظة!!
 
وخرجت فقط قبل أن تُهان كرامتي كامرأة عربية مسلمة قبل أن أكون الرسامة المشهورة ... أغلقوا بوابة المعبر... حينها فقط بكيت... وبكيت بحرقة.. كنت دوماً أداري دمعتي... ولكني بكيت أمام الجميع.. فالجميع يا إخوتي في العروبة والإسلام... كان يبكي!!!!
 
 
علي عبدالعال
Aly_abdelal@yahoo.com

 


مقالات سابقة

 
  الأجندة الخفية للمصريين في دارفور
  انطلاق موقع "لواء الشريعة" الإسلامي
  دبلوماسية النهب المنظم.. رايس في أفريقيا

  أحداث ملتهبة وملفات لا تجد من يغلقها في مصر

  مجالس العشائر صحوات من سراب

  زفة للمطبعين.. "آنا بوليس" يحسبه الظمآن ماء

  بين طرابلس والرياض.. تطبيع عربي مرهون

  حول التهجير العربي للفلسطينيين إلى البرازيل

  صفقة إسكات "الجزيرة" بين الدوحة والرياض

  حتى البائعات في بلاد العرب.. صناعة صينية

  "المحافظون الجدد".. منظرون لخراب العالم

  "بلاك ووتر".. تجارة لقتل الأبرياء

  إمبراطوريات الشر الإعلامية.. روبرت موردوخ نموذجاً

  ماذا لو غاب الرئيس عن حكم مصر ؟

  المواجهة بين الأكراد والإيرانيين... واقع متجدد وتاريخ قديم

  الوريث القذافي.. والتركة الليبية

 

 

 

للتعليق على المقال
الإسم:

العنوان الإلكتروني:

التعليق

 

تعليقات القراء:

 

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة