10/04/2006
كم أشرف بيننا ؟؟!!
كان ياما كان
في سالف العصر والآوان .. وفي قديم الزمان
...كان
فيه شاب اسمه أشرف .. وكان
أشرف شابا طموحا جدا .. متفائلا ومحبا للحياة
..من
عينيه تلمح بريق الأمل كنجما
في سواد ليلا حالك...
لم يدرس كباقي أقرانه لمجرد الحصول على الشهاده
ولا
ليزين جدار غرفته ببروازا جديد به شهادته.
لقد سهر وتعب وجد واجتهد .... ليجد
نفسه نزيل بيته.
استيقظ في يوم روتيني كعادته وتجول بالمدينه ثم أشترى صحيفته
المفضله... عاد لبيت الأسره مستلقيا على سريره البالي
لاعمل لديه مفترض أن يشغل
به فترته الصباحيه كبقية أقرانه من الشباب في العالم الآخر.
تناول الصحيفة بين
يديه, بعد أن أحتسى كوب الشاي الذي صنعته له أمه المنكسرة لحال ابنها
القابع
بجانبها بعد ذاك الجد والكد والكفاح والسهر....
قلب أشرف صحيفته,و جالت عيناه
بين أحرفها بسرعة, ثم طواها بنفس السرعة, فليس هناك جديد
لا سياسياً, ولا
اقتصاديا, ولا حتى اجتماعيا, كل ما يبحث عنه أشرف هو الكاريكاتيرات المضحكة
التي
تعبر أوجز تعبير عن أحوال الناس المتبرمة من كل شئ.
ولكن هناك كلمة أبت أن يكمل
أشرف طي الصحيفة, ويكمل نومه نهارا كالعادة!
كلمة طالما كان ينتظرها وكم أحبها
وكرهها وكم حملت له أملا والما , بياض وسواد, حطام أمل.
أعاد فتح الصحيفة, وجحظ
معها عينيه
جيداً !!!
فقد وجد إعلاناً عن وجود وظائف في إحدى المؤسسات
!!حفظ
تاريخ تقديم الطلبات والوقت بالساعة, والدقيقة, والثانية, لم يدون هذه
المعلومات
وأكتفى أن يحتفظ بها في ذاكرته،, فمسيرة خمس سنوات ركضاً خلف سراب
الوظيفة
لن تسمح لعقله بنسيان هذه المعلومات أبداً
أبداً.
********
كان موعد التقديم غداً السبت... استلقى أشرف على ظهره
نشواناً فرحاً فشروط المؤسسه التعجيزية هذه المرة تنطبق عليه
فهو حاصل على اللغة
المريخية , ولديه قدر لا بأس به في اللغة الزُحلية
ويجيد خياطة ( البطمه
)
الزرار لقميصه (بشهادة الحاجه .. أمه) , ويجيد طبخ ( المبكبكه) المكرونه
(بشهادة
أخته)
هذا غير المواصفات الجمالية, المطلوبة في مثل هذه (العُروض) عفواً أقصد
الوظائف !!
فهو ليس أصلعاً ( شعره مسبسب ), وهو طويل القامة, رشيق الجسم يمارس
رياضة المشي إجبارا
متناسق الأعضاء, لا يوجد يد أطول من الأخرى, ولا يوجد عين
أكبر من أختها
وله أذنان, وخمسة أصابع في كل يد ــ سبحانك ربي ــ
الحمد لله
الذي فضلني على كثيرا من خلقه ــ هكذا ردد أشرف ــ
********
نام أشرف تلك
الليلة باكراً فعليه منذ اليوم أن ينظم نومه وأن يترك السهر(للفاضين(
,
ما هي إلا
سويعات ويصبح في عداد الموظفين
..توسد
مخدته بشوق وجال بفكره الحالم للغد
الواعد, وحتماً حلم تلك الليلة مغايرا لكل الأحلام
فأحلامنا تصنعها ظروفنا
المحيطة بنا ، فيوماً تحلم بأنك تطير في السماء
..
ويوماً تحلم أنك تسقط على أم
رأسك !!
********
تك .. تك .. تك.. دقات المنبه تشير إلى الساعة الخامسة
ثم السادسة ثم السابعة ثم
جلجل المنبه بصوته المزعج, ليوقظ أشرف , ولكن أشرف قد
سبقه !!
وهو الآن أمام المرآة (ينظف) أسنانه بالفرشاة على غير عادته
السيئة!!
ويسمع
دقات صوت منبهه تتسابق عبر ممرات البيت..
لتُطرب مسمعه بصوتها
الذي لم يستعذبه سوى ذلك اليوم.
حمل تحت ذراعه ملفه (السماوي) الأزرق .. رفيق
دربه على مدى خمس سنوات
...قبل
أن يخرج أنتبه وأسرع بفتح ملفه!
لا
ليعيد أوراقه
مكانها وينام, ولكن ليتأكد أن كل شيء موجود ومرتب
ليرحل من درج أشرف إلى أحد
أدراج المؤسسة الموعودة..
نظر بعينين حالمتين من خلف نظارته الطبية المتمركزة
على أرنبة أنفه للورقة الأولى والثانية والثالثة ... كل شروطهم تحت ذراع
أشرف , ركب
سيارة ( البيجو 504 ) أو (الأفيكوا) تاكسي الفقراء في بلادي
كان يسير في
الشوارع المزدحمة بالسيارات, والبشر المتوجهين لأعمالهم
..
مستغرباً هذا الزحام
كله, فهو عادة في هذ ا الوقت يغط في سبات عميق تحت (بطانية النمر
(الدافئة...
توقفت
(الإفيكو)
عند إحدى الإشارات ولمحت عينه شاباً آخر في السيارة
المجاورة له
يقلب ملفاً يشبه كثيراً ملفه السماوي الأزرق
!!
إبتسم
قائلا في
نفسه, لا بد أنني سأقابل هذا الشاب في المؤسسة بعد قليل, فيبدوا أن دربنا
واحد.
استقبله
مبنى المؤسسة فاتحاً أبوابه, تبسم أشرف متفائلاً كعادته
وقال:
يا
فتاح بلا مفتاح .. افتح لي أبواب رزقك
...
دلف أشرف إلى أحد أجنحة المؤسسة
,
نظر يميناً ويساراً
..همممم
غريبُ هذا ؟؟
!!أين
الزحام أين غيري من الباحثين
عن هذه اللحظة الحالمه!!!....
لابد أنهم في جناح آخر !! أو أنني حضرت مبكراً
,
حسناً هذا أفضل,,
أطل برأسه المتحمس إلى أحد المكاتب
,,
قال له أحد الموظفين
الجالسين هناك بجلافة وسوء خُلق
!!نعم
تفضل أي خدمة؟؟؟
قال أشرف ببراءة
وبلاهة ولهفة معاً: أين الوظائف؟!
أجابه الموظف : أي وظائف!!!!
أشرف :
الوظائف التي أعلنتم عنها في صحيفة (الأوهام) بالأمس.
قال الموظف لزميله القابع
بجانبه يحتسي الفنجان العاشر من القهوه منذ وصوله لمكتبه:
هل وضعنا إعلان في
الصحف عن وظائف؟؟!!
أجابه زميله : لا أدري يمكن مزحة من الجريدة... وارتشف رشفة
طويلة من قهوته, ليطلب إثرها الفنجان الحادي عشر من لحويج ( حمدنه(
قال أشرف
بتعجب وحُزن وحُنق : مزحه !! مزحه يترتب عليها مستقبل شاب!!!
قاطعه الموظف قبل
أن يصب جام غضبه على رأسه
..(
كانك موش متأكد عدي للمودير ولا شؤون الموظفين وتو
يعطوك لاكيده
(
تأبط أشرف ملفه, وغادر ذلك المكتب وهو يمسح العرق عن نظارته
الطبية متسائلاً, أين مكتب المدير
وأين شؤون الموظفين؟؟
صادف أمامه لحويج
(حمدنه),
يقطع المؤسسة ذهاباً وإياباً بفناجين الشاي والقهوة
لموظفين يشكلون جيش
البطالة المقنعة
,,,سأله
على عجل: أين الوظيفة يا حويج !! أقصد شؤون الموظفين ؟
أشار له أن يميناً, حول أشرف مساره لليمين, وجد مكتب الموظفين ... دخله
قائلاً
السلام عليكم, وفي نفسه أكملها بـــ (دار قوم مؤمنين
(فالكل
هناك كان متجهماً
,
لا يفتح فمه إلا ليتثاءب ثم يُغلقه من جديد
!!
طرح عليهم سؤاله,, وما نُشر في)
صحيفة الأوهام
(..
قال رئيسهم بتثاقل وكسل كريه, ليس لدينا حاجة لموظفين , حتى
ننزل إعلان في الصحف!!
جر أشرف أذيال ملفه الذي تبلل بعرق يديه
المتعبتين
,,قررأشرف
مغادرة المؤسسة ولكن نفسه الأمارة بالسوء قالت له لعل الخبر
اليقين عند المدير
!!لملم
شتات أفكاره وهرول وأمل أخير يحدوه, وينتظره عند باب
المدير ... طرق الباب بعد أن أمضى عشر دقائق يبحث عن هذا الباب
...
أدخل : !!!!!! (لا
يوجد وظائف
(!!!!!!
قالها المدير : بمجرد أن رأى الملف السماوي
و
حتى قبل أن
يرى شيئاً من ملامح وجه أشرف
!!ولكن
دهشة أشرف أبت إلا أن تسأل عن إعلان
الصحيفة
قال المدير صحيح صحيح نحن وضعنا هذا الإعلان
استبشر أشرف خيراً وقال
لعلي أخطأت في تاريخ التقديم!!
هذه
غلطتي أنا لم أكتبه
!!!ولكن
تبرير المدير
وأد ظن أشرف ودفنه في قاعٍ سحيق
فقد قال وهو يبتسم ابتسامة المنتصر المتذاكي
...(هذا
الإعلان مجرد تسكيت لآمانة - وزارة - القوى العامله يا
ابني(!!
********
خرج أشرف وكلمة المدير ترن في أذنيه محدثة شروخا
في طبلة الأذن
..وهو
في طريقه خارجاً من المؤسسة لمح ثلاثة من أمثاله يحملون
(ملفاتهم
السماويه) في أيديهم
يتشاورون بصوت مسموع من أين يبدؤون السؤال عن
إعلان صحيفة الأوهام ... أراد أن يقول لهم ما وصله من خبر, ولكنه كره أن
تكون
يده
هي من تشنقهم بملفاتهم
فتركهم لمصير هو يعرفه جيداً
..
وتذكر ذلك الشاب الذي
صادفه عند الإشارة وعلم أن دربهم حتماً سيكون واحداً.
ركب ( الأفيكوا ) تاكسي
الفقراء
...مر
بمدرسته الثانوية التي تخرج منها منذ تسع سنوات
...وأخذ
يُصغي للطلاب يُنشدون بصوت عالٍ قصيدة الشاعر الليبي/علي صدقي عبد القادر:
الليل
في بلدي تواشيح غناء
وقباب قريتنا حكايات الإباء
وبيوتنا الأقراط في أذن
السماء
بلدي ملاعب أنجم تأتي المساء
لتقول هذي ليبيا بلد الضياء
كرم
وفاء
********
تبسم أشرف ابتسامة جميلة حزينة تُشبه جمال ذلك الصباح وحزنه
وأخذ
يردد معهم:
بلدي ملاعب أنجم تأتي المساء
لتقول هذي ليبيا بلد الضياء
كرم
وفاء
********
لن أسألكم كم أشرف بيننا؟؟
سعيد الجطلاوي
getlawy@hotmail.info
|