رتبنا المواعيد .. سنلتقي في طرابلس.
وذهبت للعيادة كالعادة .. كان يوم عمل مبارك، لسبب بسيط وهو
أنه أتاح لي فرصة رفع الألم والكآبة عن صديق .. محمد الوحيشي .. جيولوجي،
أروع قارئ ليبي .. يتابع كل ما ينشر وبقدرة نقدية متوقدة وتفصيلية .. متـّعة
الله بالصحة.
في المساء كنت في مطار بنينا "الدولي" .. زحام .. سجلت وحصلت
على بطاقة الصعود .. التفت فلمحت الصديق د. محمد حسن بوبكر .. أستاذ الأدب
الإنجليزي:
- أهلا
- أنا هنا من الساعة الرابعة .. لم تقلع أي طائرة .. بسبب الغبار
جلسنا .. وأمضينا الوقت في شئ من التوجس .. وتحاكينا عن
مفارقات الطيران الليبي .. ورفع شركة البراق ثمن تذاكرها بـ 50% من 95 دينار
إلى 120، وأغلى من الليبية بـ 45 دينار.. وطبعا عن الفتات الذي عزمنا عليه
قبل أيام .. فتات تنورمن زلـّة! وأخيرا نودي على الصعود .. تدافع يذكرك بأيام
الحصار .. فلا أحد واثق من أنه سيركب.
وفي قاعة ركاب الرحلات الداخلية الجديدة في مطار طرابلس وجدت
الدكتور فرج نجم .. وحينها اكتشفت أنه ما أن تسلم على الرجل حتى تنتهي سيطرتك
على الموقف.. لأنه يكون قد رتب كل شئ، يغرقك بحكاياته المختزنة في ذاكرته
التي لا تنضب والموشاة بنكات فريدة .. ويواجهك في النهاية بقرارلا تستطيع
رفضه. وهكذا ركبنا سيارة الأستاذ يوسف من قسم الوثائق بمركز الجهاد الذي
أوصلنا إلى شقة المهندس أحمد المقدّع وراء ميدان الجزائر، حيث تعشينا وقضينا
الليلة في صالونه .. كلها قرارات سيك فرج .. بالتأكيد قرارات صائبة ولها ما
يبررها من ذلك أن كل فنادق مليانة وموصدة دون رحمة .. فمتى تمتلك طرابلس
فنادق (حتى 300 فقط مثل مالطا) لكي تصبح عاصمة وتمسي مدينة سياحية.
لكنها قرارات لم تنقص من إحساسي بالحرج لما ترتب عليها من
إزعاج لناس قابلتهم لأول مرة .. من جهة أخرى كانت فرصة للتعرف على شخصيات
طيبة .. فالمهندس أحمد مثلا من المولعين بارتياد الصحراء .. وتلك رحلة أخرى
قادمة مع الدكتور فرج.
" تصبح على خير" .. وغطيت وجهي .. وتركت فرج يدون أحداث اليوم
في سجل يومياته .. لكن فنجان القهوة الذي ارتشفته تركني مؤرقا .. حتى سمعت
شخيره الخافت .. الذي بدا أفضل من شخيري الذي لم أسمعه في حياتي .. والذي
يجمع أولادي أنه لا يختلف عن إيقاع فرقة موسيقية بدائية .. وهو ما يحزنني لأن
الشخير علامة الكبر !
استيقظت مبكرا .. الهدوء ملفت .. بفضل الجدران السميكة للمبنى
الإيطالي. وكانت مائدة إفطار سخية ومشكلة .. ومحرجة لأنني أضطر للاعتذار عن
نظام أكلي الغانديّ التقشف .. الذي بدأ بتبني الزميتة بالحليب في أواخر
إقامتي بالهيلتون. أكلنا وشربنا وتحدثنا عن قضايا كثيرة هامة مثل ظاهرة زواج
بعض الليبيين في بريطانيا ببنات شرق أوروبا .. بينما صور التلفزيون تتلاحق ..
مشاهد القصف والانفجار والاشتباكات .. العرب في حالة انتحار بطئ !
وتوجهنا بشنطنا إلى مركز الجهاد. وجلسنا إلى الصديق الدكتور
الجراري راعي التاريخ الليبي حقا. وعند العاشرة تقريبا وصل الشابان فتحي يوسف
(مهندس زراعي وتاجر بذور) وسعيد بديعة (مورّد جلود صناعية) .. اللذان
سينقلاننا في رحلة تثـقيفية عبر الجبل الغربي إلى نالوت .. وبالطبع بترتيبات
مسبقة من د. فرج. ونعم الرفيقان.
يدّر لا معنى قاموسي لها في العربية، لكنها تعني يعيش أو يحيا
في اللغة الأمازيغية .. وهي أكبر وأشهر قبائل مصراتة (مصراتن بالأمازيغية وهي
أحد فخوذ قبيلة هوارة) .. والذين يذكرونك دائما أنهم ركابين الخيل القـِـدّر
.. فيتردد في رأسك سؤال: تره قوللي عاد .. إن يدّر ليست قبيلة بربرية مستعربة.
يدّر وغيرها، كما يقول الباحث الآنثروبولوجي الرصين آغوستيني
.. قبائل تعربت .. لغة ومذهبا وانقطعت صلاتها بالبربر سكان ليبيا القدماء ..
وتتكرر الأمثلة .. وهناك مفارقات .. فالرحيبات مثلا، قبيلة واحدة .. ينقسمون
إلى عرب على المذهب المالكي وجبالية يتحدثون الأمازيغية ويتبعون المذهب
الإباضي .. يحيون في نفس القرية .. والعلاقات عادية، إلا المصاهرة!
’’ التزاوج محرم .. أقرب للزنا .. مصيبة كبيرة .. يروا إن
المكانة الاجتماعية للأسرة تنزل .. لكن الزواجات موجودة خاصة أمازيغيين من
عربيات .. في طرابلس مثلا‘‘.
لكن أهل يفرن وجارتها القـِـلعة لا يتزوجون من بعض. لماذا إذن
؟ خاصة إن الجانبان يعتنقون نفس الدين .. مسلمين؟ هنا تكمن قوة الحساسيات ..
ليس مصدرها الدين ؟ بل علينا أن نبحث عن تعليل في البيئة الاجتماعية. وأولا
وأخيرا علينا ألا نخجل من نقاشها .. لا نتستر عليها .. أن نخرج هذه العقد إلى
الهواء !
كِـكـْـلــَة قرية عربية من أصول بربرية .. مشهورين بالكـوَش
كما لاحظ أحد مرافقينا .. ولذلك اكتسب مخبز ككلة في حي الحدائق بالفويهات في
بنغازي صبغة أسطورية في عيني .. ترى من علمهم هذا التراث ؟
إذن نحن أما طيف من السمات .. وعلينا أن نعيد فهم الأمور ..
فالتقسيم الثنائي الصارم وهْـم لا يستقيم مع واقع الأمور !
ومثل مربعات رقعة الشطرنج .. تتداخل القرى العربية اللسان
والأمازيغية اللسان .. لكن الكل يتحدث العربية.
أدرار نفوسة أو جبل نفوسة أو الجبل الغربي .. هضبة شبه جرداء
متوسطة الارتفاع .. أقرب إلى الهضبة الجنوبية من الجبل الأخضر حيث تاكنس.
المدن القديمة تسمى قلاعا، وعادة ما يتوسطها قصر لتخزين الزيت
والغلال، وربما كان يعقد فيه السوق ويجتمع فيه العزابة.


قلعة
الشقارنة, أو مدينة يفرن القديمة
ضمن أطلال كل قرية قديمة يوجد مسجد، والملاحظ أن هناك مساجد /
قبور أولياء .. بأسماء نساء .. زاهدات متبتلات .. مثل تالا ومارن و زورغ و
منرو ... وهو ما يعكس المكانة العالية للأم / الأنثي في الثقافة الليبية
القديمة .. كما في غيرها من الثقافات الأولى ومنها مجتمع الطوارق. ولعل زعيمة
الباروني قد اكتسبت جسارتها في التأليف من هذا النبع.

ولم يختف تكريم الأم حتى عندما تطور المجتمع الليبي إلى مجتمع
يقوم على سلطة الذكر .. فالقبائل الليبية في بادية برقة التي تنتسب إلى أجداد
ذكور في الغالب ولا تورث الأنثي، تحتفظ لنا بنفس التعلق بالأم / الجدّة ..
فكبريات قبائل برقة تتسمى السعادي .. نسبة إلى سعدة إبنة الزناتي خليفة
البربري التي تقول الأسطورة أنها تزوجت الذيب أبو الليل زعيم بني سليم . وهي
أسطورة نسجت أو انتسجت لتؤكد ذلك الإنصهار الرائع والتعايش بين القبائل
العربية الوافدة في العصور الوسطى والقبائل البربرية أو الليبيون القدماء.
ونجد الإنتساب الأمومي أيضا في أسماء قبائل مثل الجوازي (إلى جازية) وعيت
بومريم ..الخ.
تقديس الأم / الأنثي الذي ما تزال رواسبه ظاهرة .. لا يمنع المجتمع الجبالي
الحديث أن يكرر مثلا :’’ خدمة مرا، عمرها ما تغني راجل‘‘ !!
القرى أو المدن ما تزال حيث أطلال القري القديمة المبنية عادة
على قمم التلال .. المباني الجديدة متواضعة إلا من استثناءات قليلة ..
إسمنتية عادية ودون زواق، وكثير منها غير مكتمل. وكما لاحظ أحدنا، صحون
الساتلايت قليلة !
لكن الأرض يانعة ومخضرة وأشجار الزيتون أكثر على ضفتي الطريق
من يفرن إلى جادو.
وفي ترميصة، كان صحن البازين (آرواي) الذي أعدته أخت المهندس
فتحي في انتظارنا، وأكلناه في بيت قديم. البازين هنا مخروطي، ويؤكل اللحم قبل
بدء البازين كما نبهنا رفاق الرحلة.
وهناك أيضا في ترميصة، زرنا متحف بشار .. متحف صغير لبيت
تقليدي .. ووجدنا بشار الأطرش يجري صيانة للمبنى بحماس .. وبيديه دون آدوات.
|
|

آرواى (بازين) في ترميصة |
| |
|

بيت أو ربم كنيسة قديمة, الحفر لطحن
نوايات التمر لإطعام الحيوان |
|
"
الزيتون مملك .. معظمه قديم .. ويسمى زيتون فرعوني .. شجرة شجرة .. في حجج
مكتوبة .. كل شجرة لفلان .. يقتلوا عليها حتى القتل ".
وكثافة الزيتون تبلغ أقصاها في جادو .. حيث رأينا معصرة زيتون
.. لكنها الآن غرفة في متحف .. مؤشر لاندثار التقنيات القديمة.
وبجوار المتحف مقهي باسم نادي الباروني .. والذي لو رآه
الباروني لتعجب ! فالمقهي كما يجب أن نتوقع إذا قبلنا بتطور الحياة .. مشبع
بكل رموز العولمية: تلفزيون / إعلانات البيبسي / آلة تحضير القهوة بالضغط ..
إسبريسو وماكياتا وكوبوتشينو .. وعند الطاولة شابات بالقيافة العالمية: كاويش
/ بنطلون جينز / كاب مقلوب على الرأس / وباكيت سجائر روثمان.
ولأن كل ثقافة تميل إلى تسوية تناقضات تاريخـها .. فإنك هنا
تسمع قصصًا رومانسية .. تمجد سليمان الباروني المجاهد الذي يبقى شخصية شبه
مقدسة هنا .. كما تمجد يوسف خربيش الذي منحه الطليان لقب فارس أكير .. جراند
كاوليري. وهما إبنيْ جادو .. وجادو مع القرى المحيطة بها تسمى فسـاطو .. وفي
فساطو ولد شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي .. مما يضيف بعدا برقاويا للمدينة !
حين تمرّ بجادو .. لا مناص لك من نبش التاريخ
!
فى سنة 1920 اندلعت حرب أهلية حول يفرن وجادو .. ورافق ذلك
الإقتتال كل ما عرفته الحروب البدائية من حرق وتخريب وسلب ونهب .. وصفها لنا
الشيخ الطاهر الزاوي في كتابه جهاد الأبطال. ’’... وفى النهاية نزل الناس الى
الوطية .. وأصبح الجبل من يفرن الى نالوت، خاليا إلا من أصوات البوم وعواء
الذئاب .. حرب تجرّد فيها الإنسان من كل عاطفة وإحساس، وأصبح لا قيمة عنده
لحقوق الجوار، ولا لأوامر الدين .. حرب تولى قيادتها رؤساء لم يكن لهم من
الدين وازع .. رؤساء أخلصت لهم الرعية، وساقوها الى المجازر‘‘. وكان أن التقى
بعض المشائخ فى العزيزية، وقرروا تشكيل وفد للمصالحة بين أطراف النزاع فى
الجبل، كما قرروا الدعوة لمؤتمر وطنى فى غريان.
حين تمر بجادو .. لا تستطيع أن تصمت .. فتتساءل عما حدث.
والأكيد أن الحرب الأهلية لم تكن حربا عرقية بين الرجبان
والزنتان من جهة والبربر من جهة أخرى كما يزعم البعض من باب تبسيط الصورة.
فسألت. وحدثني الحاج سالم:
’’لم يشارك فيها كل الرجبان بل بعضهم فقط بزعامة محمد فكيني
.. وجزء من الزنتان يتزعمهم علي محمد الشنطة .. ضد جادو جارتهم المباشرة
بزعامة يوسف خربيش. أساس الحرب خلافات في الموقف السياسي والطموح السياسي
للزعماء .. وبالتأكيد دسائس الطليان ... وانضم إلى الزنتان ربع يفرن وثلثي
الشقارنة .. لم تكن المواجهة طائفية بالتأكيد ‘‘.كانت هناك مجاعة .. ومثل كل
الحروب القبلية تبدأ باعتداء فردي أو هكذا يصورها السرد الشفاهي المفتقر
للتوثيق .. ويقال أن المواجهات بدأت حين قتل الرجبان بقرة بولسان .. فقامت
عركة في وادي بوشعر جنوب جادو. لكنها انتهت – وهذا هو المهم – بسيطرة الطليان
على كامل الجبل.
تطورت الصدامات .. حين تحولت إلى مواجهة شخصية بين خربيش
وفكيني. وكان خربيش أصلا من أنصار الباروني ومكلفا بجمع وتنظيم المعونات من
تركيا وألمانيا عبر تونس ليبعثها إلى المجاهدين في الداخل.
’’هزيمة تركيا (وألمانيا) في الحرب العالمية الأولي .. قادت
إلى إنكسارالباروني الذي كان منحازا للعثمانيين وكان يبني كل آماله علي
انتصار تركيا. أسرة الباروني من كاباو .. لكنه من مواليد جادو التي نشأ بها
.. وأسس قيادته السياسية في يفرن. انكسار تركيا أضعف الباروني وسيطرته على
الأمور .. الباروني راهن على تركيا .. ‘‘.
وكدليل آخر على أن الحرب كانت فتنة .. ’’ أن خليفة بن عسكر
إبن نالوت .. هاجم جادو ودمر قرية الجماري على أساس أنهم طلينوا .. وكان بذلك
يريد نصرة الزنتان. وكان بن عسكر أصلا يجاهد ضد الفرنسيين في تونس والطليان
في ليبيا. وطرد بن عسكر أهل جادو .. وهذه تعرف بالهجـّـة الأولى ..‘‘.
هذه التفاصيل، وكثير منها يشوبه الخلط وسوء الفهم .. لا يريد
أحد أن يطرقها ..لأنها تمس سير بعض الشخصيات المحاطة بهالة من القدسية، لكنها
أخطأت في تقدير الأمور وفي مواقفها من الصراعات. وفي النهاية فقد الجبل
كثيرًا من قادته: هاجر الباروني، وتحول خربيش إلى حليف شرس للطليان، وغدر
بخليفة بن عسكر على مشنقة في مدينة الزاوية. وما يزال ملف تلك الحقبة مغلقا
ومليئا بالمتناقضات.
صحيح أن نقاش تلك الفتنة يسبب الكثير من الألم ويوقظ شتى
العواطف الغاضبة .. خاصة وأنها بين جيران كانوا ومازالوا يعيشون جنبا إلى جنب.
لكن ذكرها يجب أن يكون لإدانة بدائيتها وسخفها .. وأنها نتاج لعوامل كثيرة
لعل أولها الإحساس بالإحباط أمام آلة الحرب الإيطالية .. وإذا كان خط
المواجهة آنذاك بين متطلينين ومجاهدين .. إلا أنها أيضا نتاج لثقافة داحس
والغبراء .. يجب أن يخجل منها كل الأطراف. لكن تبسيطها إلى حرب بين عرب وبربر،
خبث سياسي لإذكاء مشاعر التعصب.
مجتمع الجبل الغربي بيئة مستقرة .. ولهذا ليس بالجبل قبائل ..
وإنما قرى.
’’ الدواميس استراحات .. وقت الزيتون .. في الربيع يمشوا
الناس للغابة .. ويقعدوا فيهن .. أسبوعين ثلاثة .. ويرجعولها في الصيف ..‘‘.

الدواميس
والبيئة العامة للجبل الغربي
كان سبب زيارتنا أصلا هو مهرجان الربيع بنالوت .. واكتشفت
أولا أن نالوت هو الإسم الشائع .. لكن أهلها ينطقونه لالوت .. كان مهرجانا
بسيطا .. شوية موسيقى .. وكلمات .. محاضرات بالمساء .. معرض صغير لمطبوعات
مجلس الثقافة العام ومركز الجهاد .. ومشاهد فولكلورية في قصر نالوت .
الملفت حقا كان مشاركة الناس، بأعداد كبيرة .. الآباء بل
وأمهات بأطفالهم.
|
نالوت
في مهرجان الربيع, 2007 |
وفي نالوت التقينا بالصدفة أصدقاء: الشاعر السنوسي حبيب من
هون، والشاعر الشاب صلاح عجينة من الزاوية، والمبروك من سبها، والصحفي
الأستاذ محمد طرنيش .. والأستاذ خليل العريبي.

زحام في قصر
نالوت .. إحتفالا بمهرجان الربيع
قلت: ’’جئنا لحضور المهرجان .. احتفالا بجزء من تراثنا الليبي
.. المفروض نعملوا مهرجان لكل الثقافات اللي تشكلت منها الثقافة الليبية
الحديثة .. الليبيون الأوائل، الإغريق، الرومان، البربر، بني هلال، الترك،
اليهود، الكريت، الطليان .. إي حتى الرومان .. وإلا من أين جاءت أسماء طرابلس
ودرنة وصبراته وتوكرة ولبدة وطلميثة .. ألسنا ما نزال نلبس الجرد .. الحولي
.. وهو نفس التوجا الرومانية !‘‘.
’’ولم لا .. يحق لليبيين .. بل على كل الليبيين .. أن نحتفل
بالثقافة الأمازيغية .. لأنها ثقافتنا جميعا .. فالليبيين هم نسل ذلك
الانصهار الهائل بين العرب الوافدين من المشرق وسكان البلاد الأصليين ..
ألسنا نحتفل بالميلود الذي ابتكره الفاطميون، وربما أخذوه عن أصول مصرية قبل
الإسلام .. ونحتفل بعاشوراء .. بل وعيد الأضحى .. هذه مشتركات تلتقطها
الثقافات مثلما تتسرب مياه النهيرات الصغيرة قرب المنبع .. وتمتزج .. ولهذا
فإنك حين تشرب من النهر .. فإنك تشرب من كل الينابيع الجبلية البعيدة ..
وكذلك الثقافة‘‘.

القصور كثيرة في الجبل الغربي .. تشير بشكل عام إلى
المستوطنات البشرية القديمة أو القرى .. ودائما على قمة تل. لكن القصر أو
الغاسرو بتحديد أكثر، هو المبنى المركزي في وسط القرية .. وهو مؤسسة اجتماعية
.. محيطه دائري، جداره بناء يحوي غرفا .. لكل أسرة غرفتها لتخزين محصولها من
القمح والشعير والزيت وغيرها. وللغاسرو غفير مسئول عنه يمنع اعتداء أحد على
ممتلكات آخر. أما الساحة في وسط الغاسرو فلعقد الأسواق واجتماع الأعيان
والعزّابة الحكماء.

قد يبدو نظام القصر غريبا أو خاصا بالجبل الغربي .. لكننا نجد
إشارات لنفس النظام في الجبل الأخضر حين نجد قرى لها نفس التسمية مثل قصر
ليبيا وقصور المجاهير ..الخ، التي اندثرت أطلالها المعمارية وبقي الإسم.


قصر الحاج:
صورة عبر كوة في الجدار الخارجي, من داخل غرفة تخزين نحو الساحة

جلي أن الجبل الغربي الآن بيئة طاردة. ليس فقط بسبب غياب
المشاريع الإنمائية .. فالأمر أكثر بساطة .. الجفاف .. إن البيئة قاحلة قاسية
هنا. ربما أيضا تكاثر السكان مثل بقية ليبيا دون تخطيط ! وسألت: من أين
تشربون ؟
- المياه المعبأة
- ..
- تعتمد الناس على المواجن من مياه الأمطار
- ...
- الآبار عميقة .. وماؤها مرّ وعسير لما بها من كالسيوم
- ..
- وعلى السيارات لتعبئة خزانات البيوت .. ثلاثين دينار للسيارة.
نعم المنطقة محدودة الموارد والمياه والزراعة .. واضح أن
الفقر هو القاسم المشترك .. يعوضه دخل أبنائها العاملين خارجها .. في طرابلس
وغيرها.
ماذا نتوقع إذن .. ليس سوى مواساة الغبن بالأسطورة .. !!
وهل نلوم العطشى إذا اشتكوا ؟
فماذا ننتظر ؟
الطرح العرقي لا أساس له لأنه لا يستقيم مع حقائق التاريخ
وعليه يصبح نوعا من الديماغوجية. فالليبيون مزيج من العرب والبربر وغيرهما من
الأجناس. يصدق ذلك على عموم الليبيين كما يصدق على سكان جبل نفوسة. ثم إن
الذين انعزلوا أو احتموا بالجبل، كانوا أساسا إباضيين .. خوارج .. ومنهم من
قدم من المشرق حيث ظهر المذهب الخارجي .. بل ومن عُـمان. لهذا فإنني لا أقبل
بالتصور العرقي الذي يزعم بأن أبناء الجبل الغربي جنس مستقل مختلف.
لقد شهدت ليبيا هجرات متعددة وفي كل الاتجاهات. كان مجئ بني
هلال وبني سليم أكبر تحول ديموغرافي .. ولأنه ضخم لم يؤد إلى اندثار الوافدين
في المجتمع المحلي .. لكنه لم يقض على السكان الأصليين وثقافتهم .. وهذا ما
قاد إلى امتزاج متكافئ، ساهمت فيه كل ثقافة .. مثلما نجد في الثقافة
الأميريكية الآن، أواللغة الإنجليزية الحديثة التي هي مزيج من الثقافتين
الإنجليزية والفرنسية القديمة بدليل أننا نستطيع تتبع المفردات اللغوية
الإنجليزية إلى أحد هذين الأصلين .. مناصفة تقريبا.
ولا أقبل الأمازيغية كمطلب سياسي.
لم لا تكون الأمازيغية تعبيرًا عن حنين وإحساس بالإنتماء إلى
المكان ومن مرّوا عليه عبر القرون .. وإلى لسان / رطانة / لغة مشتركة .. وإلى
قصص وأساطير الأصل المشترك كالتي نجدها في روايات قبائل بادية برقة التي تحكي
كل منها نسبها إلى سلف واحد .. شئ أشبه بشجرة عائلة. ولا ننسى أن هناك جيوبًا
أخرى انعزلت لكونها واحات .. مثل ما حدث في الجبل الغربي .. أوجلة، الجغبوب،
ثم سيوة في مصر .. وهناك تسمى اللغة الأمازيغية رطانة.
إذن لا نستطيع أن نقبل الأمازيغية إلا في سياق ثقافي .. إنها
وجه آخر لثقافـتنا الليبية المشتركة .. وعلينا أن نفرغها من سم التعصب.
نعم .. العوامل السلبية كثيرة، وقد تستغلها أطراف لا تريد لنا
الاستقرار ..
لكن علينا أولا أن نلتفت للعوامل المحلية والقابلة للتصحيح:
العزلة التي
تسبغها جغرافية المكان، وغياب التواصل الثقافي: فلماذا لا نحدث أطفالنا في
كتبهم المدرسية عن تنوع ثقافتنا ؟ أين التلفزيون الليبي الذي يتجاهل كل قرى
وواحات ليبيا ؟ ولماذا لا تؤسس جامعة متقدمة ينسب إليها الطلبة من كل ليبيا
بنظام الحصص حسب تعداد كل منطقة ؟
العطش:
لماذا لا نسرع بتوصيل مياه النهر الصناعي إلى جبل نفوسة أو تغذى المنطقة من
محطة تحلية عند صرمان مثلا ؟
لماذا غياب
المشاريع ؟ : وحين تساءلت الدولة دايرة وجهها لغادي ؟ ... كانت الإجابة "الدولة
ما ورّت وجهها بُـكــّـل !"
ورغم هذه الشجون ... لنذهب إلى مهرجان الربيع في نالوت، لأنه
مهرجاننا جميعا.

|