26/08/2007
 

 
كشف النقاب عن بعض أسرار الإنقلاب ! (1)
 
بقلم: الرّاصد السياسي

 
توطئة مع مفاجأة:
 
كُتب وقيل الكثير عن الإنقلاب العسكري الذي وقع في ليبيا يوم الأول من سبتمبر 1969،وصدرت عشرات من الكتب والتحليلات عن هذا الحدث المثير لوقوعه في بلاد بدأت تحتلّ مركزها المتقدّم في تصدير النفط واكتناز احتياطيّاته الضخمة،وتبدّى الإهتمام بالحدث الإنقلابي ساعة وقوعه لاسيّما في الصحف الغربيّة،وأبرزها في إيطاليا،لكونها الدولة الأوربيّة التي غزت واحتلّت ليبيا عام 1911 وواجهت مقاومة شعبها الباسلة وقيادها الوطنيّة وعلى رأسها السيّد إدريس السنوسي،إلى أن اندلعت الحرب العالميّة الثانية وانهزمت فيها إيطاليا الفاشيستيّة،فتحقّق التحرير ونشأت دولة الإستقلال عام 1951،مع توثّق علاقات إيطاليا الجديدة بمستعمرتها القديمة ونفوذها عن طريق جاليتها الكبيرة. ويذكر هنا أن أن جريدة "التمبو" اليمينيّة كانت من أوائل الصحف العالميّة التي اهتمّت بالإنقلاب وعلّقت عليه باستفاضة في صفحتها الأولى،وقد انخدعت باسم مدبّره،فنشرت صورة العقيد سعد الدين أبو شويرب كأحد قادته،وذلك في عددها بتاريخ 3 سبتمبر 1969 (كما توضّح الصورة تحت عنوان "لندن تتجاهل طلب النجدة من الملك" وافتتاحيّتها التي خصّصتها "لضفّة المجال الحيوي")!

 

 
 
وقصّة قيادة سعد الدين أبو شيرب للإنقلاب التي راجت في البداية،وكانت قطاعات الجيش تتحرّك في المواقع المختلفة بأمره كرئيس للأركان،هي خدعة معروفة،ولكنها تنطوي على مفاجأة ربّما لا يعرفها الكثيرون. وتتلخّص المفاجأة المذهلة،في حينها،في الحادث الآتي:
 
في يوم 4 سبتمبر وصل إلى مقرّ السفارة الليبيّة بروما هذا العقيد الذي نشرت الصحف صورته على صدر صفحاتها الأولى،وذلك لكي يعرف جليّة ماحدث في البلاد. وأخبر من تعرّف عليه من الأصدقاء القدامى في السفارة،والذين بُهتوا عندما برز بينهم فجأة في ذلك الصباح،بأنه كان في إجازة صيفيّة بإسبانيا،وعندما وصل مع زوجته وإبنتهما الطفلة إلى مطار روما ظهر أمس،دُهش لرؤية صورته على الصحف،فنزل في (بنسيون) صغير وجاء إلى السفارة تاركا عائلته هناك،حتي يستطلع حقيقة ما جرى في البلاد .. وكان أن أبلغه الأصدقاء الذين التقوه بما تجمّع لديهم من معلومات. ثمّ جاءت التعليمات إلى السفارة من مجلس الإنقلاب لكي يغادر إلى طرابلس عن طريق تونس،بصحبة صالح بويصير الذي جاء هو أيضا إلى السفارة في اليوم التالي وطلب منه مجلس الإنقلاب عقد مؤتمر صحفي بمقرّ السفارة (كان أوّل مؤتمر باسم الإنقلاب). وكانت روما آتذلك تغصّ بالشخصيّات والمسئولين الليبيين في العهد المطاح به،من رؤساء وزارات ورؤساء للبرلمان ووزراء (مازق والبدري وعريقيب والديب..إلخ).
 
وكمهتمّ بما ألمّ بالوطن حرصت منذ ذلك الحين على الإطلاع على ما نشر وقيل على الإنقلاب ومدبّريه،وثمّة غث كثير منه تناثر هنا وهناك،وما يستحقّ الإنكباب عليه والتمعّن في قرائته كان قليلا،وصدر من العواصم الغربيّة الراصدة لأحداث العالم والصانعة لها والمتحكّمة في مسارها (خاصة من واشنطن ولندن). وسأركّز في هذا المبحث  على ما تواتر في هذه المصادر من شبهات أو قرائن تفصح عن دور الجهات الأجنبيّة،وخاصة الإستعماريّة منها بالتحديد، لأنها هي الحريصة دائما على الإنتفاع بالأحداث التاريخيّة،بل وتقوم بصناعتها،عندما يتعلّق الأمر بمصالحها. ومن أسف أن دفقا من المؤلّفات والدراسات باللغات الحيّة،صدر منذ يوم الإنقلاب وتراكم عبر السنين،فقرأه واستفاد منه أهل الغرب المهتمّون،ولكن لم يقم أحد من الليبيين،بما في ذلك الجامعيّون في الدّاخل والخارج بالتفضّل،ولو بالترجمة. وإذاكان عهد الإرهاب والقمع والتجهيل كان مسلّطا سيف بطشه في الدّاخل،فكان أحرى بالنخبة المثقّفة في الخارج – وربّما بلغ عددها الألاف وبعد إنحسار موجة ملاحقة أجهزة القذّافي الإجراميّة لها في العقد الأخير- أن تمنح جزءا من وقتها لكشف حقائق هامّة صاغت مصير مستقبل بلادهم وأهلها،وأوقعتهم في أحلك عهود حياتهم. ولعلّ هذه المحاولة السريعة التي تنشر الآن في ذكرى مرور 38 عاما على النكبة التي حلّت بليبيا تكون حافزا لمن همّ أكثر كفاءة أو دراية لولوج هذا المسار وإغنائه،لتوعية شعبهم،لا سيّما جيل (مواليد الفاتح) المغيّب عن الحقيقة. وستكون المحاولة إنتقائيّة مركّزة على ما يدمغ جريمة التآمر الدولي.
 
وإذا ما استثنى المرء ما صدر من قصص وروايات القذّافي التي حشاها بالكذب والتلفيق،بل بإخراج أفلام سينمائيّة ركيكة ومضحكة. وكان يغيّر كلّ سنة في تفاصيل هذه الروايات وأسماء القائمين معه بالإنقلاب،وطيلة الثماني والثلاثين سنة،مركّزا في السنوات الأخيرة على شخصه كونه الأوحد الذي خطّط له ونفّذه. وإذا ما غضّ النظر عن روايات عمر المحيشي وعبد المنعم الهوني الذين اتّهما بالتآمر ضد القذّافي،حيث كانت تصريحاتهما مشوبة بروح الخصام،ومفتعلة أو مضخمّة بحكم لجوئهما إلى بلدان كانت حكوماتاها مناوئة للقذّافي وقت صدورها،أو وضع المرء جانبا ما رواه رجل الإستخبارات الناصري فتحي الدّيب في كتابه"عبد الناصر وثورة ليبيا" الصادر عام 1986،ثم ما أعقبه من مذكّرات زميله الإستخباراتي صلاح السعدني،لتركيزهما على البطولات التي قاما بها –تمشيّا مع العقليّة النرجسيّة التي تتميّز بها هذه النماذج-. لا يملك إلاّ أن ينوّه بأبرز الدراسات والتحليلات التي صاغتها أقلام من رموز المعارضة الوطنيّة المناضلة في المهجر (يُشار هنا بصفة خاصّة،إلى دراسات ومؤلّفات الدكتور محمّد يوسف المقريف المعمّقة بالتوثيق التاريخي،وخاصّة دراسته المطوّلة بعنوان "إنقلاب بقيادة مخبر" المنشورة على عدّة حلقات بموقع الجبهة الوطنيّة للإنقاذ في عام 2001،والتحليل البارع للأستاذ إبراهيم صهد بعنوان "إنقلاب سبتمبر نتاج الغفلة والخيانة والتآمر" على نفس الموقع في 31/8/2006،وكذلك رواية مفتاح فرج عن "خفايا وأسرار حركة الضباط الوحدويين الأحرار في سبتمبر 1969" والتي نشرها على موقع أخبار ليبيا عام 2006،إلى جانب كتابات أخرى،إطلعنا عليها في حينها،ويتعذّر تعديدها لعدم توفّرها بين أيدينا.
 
وكما هو الأمر بالنسبة للأحداث التاريخيّة الحافلة بالمكائد والتآمر،تلفّها عادة غلالات الغموض والإشتباه،ولا تتّضح أسرارها وخفاياها إلاّ بمرور الزمن،فتلمع من خلال التراكمات وتتابع التطوّرات وتبدّل الرجال والمواقف. فانقلاب القذّافي وزمرته حامت حوله الشبهات منذ أوّل يوم. وأذكر أن صحافيين إيطاليين لمّحا – غداة وقوعه- إلى أنه صناعة أميريكيّة،فاستفز ّذلك القذّافي وأغضبه حتى أنه اتخذ إجراءات مضادّة لمصالح إيطاليا مهدّدا بفرض مقاطعته عليها: (شركة فيات والبترول ..إلخ). ولا يُستبعد أن ذلك حفّزه على العمليّة المعروفة بطرد الجالية الإيطاليّة من البلاد ومصادرة ممتلكاتها،ثمّ أردفها بالضلوع أو تشجيع عمليّات إرهابيّة فيها.
 
الرّاصد السياسي

 


مقالات سابقة للراصد السياسي:
  مأساة ومهزلة الجامعة العربيّة وملهمها الجديد

  سيف القذّافي يتبنّى مطلب المعارضة بالدستور!

  إبن القذّافي يغوص في بحر من الأراجيف!

  زوجة ساركوزي في طرابلس لمرافقة الممرّضات!

  إسدال الستار على مسرحيّة لم تتمّ!
  تأجيل الحكم تأكيد للمؤامرة !
 "تبو" ليبيا يطالبون بتكوين دولة !
 
 

للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

 

تعليقات القراء:

 


 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com