10/12/2006


      


 
 
من المسؤول عن خطف السيد منصور الكيخيا؟ *
عناصر أساسية لفهم تفاصيل اختفاء وزير الخارجية الليبي الأسبق منصور الكيخيا في القاهرة
 
بقلم: الدكتور سليمان بوشويقير
 
جدار من الصمت الرهيب
 
في 10 ديسمبر 1993 وبينما كان العالم يحتفل بالعيد الخامس والأربعين لإقرار الجمعية العامة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، اختفى السيد منصور الكيخيا وسط فندق فخم في قلب مدينة القاهرة. ومنذ ذلك اليوم لم ينشر شيء عن سبب هذا الاختفاء أو عن تفاصيله .... ولايزال الصمت هو القاعدة التي مازالت تدير هذا الملف المهم.فموظفوالفندق الذي يعمل عدد كبير منهم في المخابرات المصرية كمعظم العاملين في الفنادق الفخمة، ورجال الشرطة، والمخابرات وحتى الحكومة المصرية "لم يرأي منهم ولم يسمع شيئا على الإطلاق " !! لقد اقتضى الأمر مرور سبعة أيام لكي تعترف حكومة مصر عن طريق وزير داخليتها بحدوث الإختفاء . فقد اقر حينها وزير الداخلية المصري حسن الألفي يوم 16 ديسمبر في مؤتمر صحفي "باختفاء الكيخيا" وأكد على تعبئة جميع أجهزة وزارته "للعثور عليه" وتحديد ظروف اختطافه وهوية المختطفين ومع ذلك وبحجة التكتم على سرية التحقيق وضمان استمراره على الوجه المطلوب رفض تقديم أي تفاصيل بشأن ظروف الاختفاء وبشأن الطريقة التي تعتزم الحكومة اتباعها في بحثها عن السيد الكيخيا رغم أسئلة الصحفيين الملحة .
 
(لم يبلغنا أحد بأن حياته في خطر !!) :
 
مازالت قاعدة الصمت سائدة ولايزال رفض الحكومة المصرية ساريا بشأن تقديم أية معلومات عن قضية خطف السيد منصور الكيخيا، وعند رد الحكومة المصرية على طلب قدمه فريق العمل المعني بالاختفاء القسري أو غير الطوعي التابع للجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة الذي "يساروه القلق بشأن عدم حدوث تقدم في قضية السيد الكيخيا " قدمت الحكومة المصرية مذكرة بتاريخ 13 أغسطس 1996 أكدت فيها مواقفها السابقة أي عدم وجود (بعد ثلاث سنوات من التحقيق !! ) أي معلومة جديدة ولم تقدم الحكومة المصرية أية إضافة نوعية غير -وهذا أمر جديد - أن السيد الكيخيا وصل إلى القاهرة من أجل المشاركة في اجتماع أعدته منظمة غير حكومية لم تطلب من الحكومة المصرية أي حماية خاصة للسيد الكيخيا ولم تبلغها بأن حياة هذا الشخص في خطر " فماذا يعني مثل هذا التصريح ؟ هل يمكن الاستنتاج منه بأن الحكومة المصرية غير مسؤولة عن اختطاف السيد الكيخيا وأنها بمثل هذه الحجة يمكن لها أن تبرئ ذمتها وتفلت من الضغوط التي تنهال عليها من كل جانب ؟ أو عكس ذلك بحيث يجب اعتبار هذا الموقف موقفا سلبيا والحجج المقدمة ضعيفه وغير مقنعة الهدف منها طمس ملف القضية والآثار السياسية الداخلية والدولية الخطيرة التي قد تترتب عن اكتشاف ضلوع مباشر أو غير مباشر لأجهزة حكومية رسمية في خطف الكيخيا ؟
 
ولكن قبل ذلك ... فالنبدأ من البداية :
 
أولا لابد للقارئ أن يعرف بأن السيد منصور الكيخيا ليس شخصية عادية فهو وزير خارجية ليبيا سابقا ومندوبها في الأمم المتحدة كما أنه مثل بلاده في كثير من المحافل الدولية والعربية قبل أن يتحول إلى خندق المعارضة وحيث أنه كان منخرطا فى التيار القومى العربى منذ سنوات الخمسينات أثناء دراسته بالقاهرة فقد عرف بمواقفه القومية العربية وكثيرا ماكان مناصرا لسياسة مصر مناصرة صريحة وقد نال بذلك تقديرا كبيرا في مصر حيث ظل على صدقات وثيقه مع شخصيات عديدة من بينها السيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية والسيد عصمت عبد المجيد أمينها السابق وكذلك السيد نبيل العربي ممثل مصر الدائم لدى الأمم المتحده ، لقد كان هذا الانتماء إلى التيار القومي أحد اهم الأسباب وراء تعيينه وزيرا لخارجية ليبيا في عام 1972 في أعقاب توقيع معاهدة الوحدة بين مصر وليبيا المعروفة باسم اعلان بنغازي التي وقعها الرئيسان السادات والقذافي في مايو 1971م.
 
هل يخفى مثل الكيخيا على حكومة مصر :
 
ولم تتردد حكومة الرئيس حسني مبارك في منح السيد منصور الكيخيا أيام القطيعة بين مصروالعقيد القذافي تصريحات بفتح وتمثيل رسمي لحركة المعارضة الليبية والمتمثل في التحالف الوطني الذي كان يرأسه الكيخيا وضم تسعة أحزاب وفصائل سياسية معارضة لنظام العقيد القذافي . ولم تغلق مكاتب التحالف الوطني إلابعد إعادة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وليبيا سنة 1989 حيث أبلغ السيد الكيخيا بلياقة تامه بأنه وجوده في مصر لم يعد مرغوبا فيه . فهل كان السيد الكيخيا حقا غير معروف لدى السلطات المصرية ؟
 
ملابسات الإختفاء :
 
لم يعد الكيخيا إلى مصر حتى 29 نوفمبر 1993 عندما منحته السلطات المصرية بعد تحفظ وعلى إثر تدخلات عديدة من جانب المنظمة العربية لحقوق الانسان تأشيرة دخول إلى مصر للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة لهذه المنظمة التي كان السيد الكيخيا عضوا في مجلس أمنائها والتي يوجد مقرها بالقاهرة .
 
لقد ظهرت المشاكل المتعلقة بدخول الكيخيا إلى مصر من حين وصوله إلى مطار القاهرة حيث أنه وكما يبدو فإن رجال الأمن لم يُبَلغوا بأن الكيخيا قد حصل على تأشيرة دخول .فقد كان اسمه لايزال مدرجا على قائمة الأشخاص غير المرغوب فيهم وهذا مايفسر الاستجواب الذي تعرض إليه السيد الكيخيا لمدة ثلاث ساعات من قبل رجال الأمن والذي دار حول كيفية حصوله على تأشيرة الدخول وحول نشاطاته السياسية واقتضى الأمر أن ينتظر ساعتين اضافيتين لكي تسمح له سلطات الأمن بمغادرة المطار.
 
وفي القاهرة نزل السيد الكيخيا بفندق "سفير" وسط القاهرة، وهو نفس الفندق الذي عقدت فيه الجمعية العمومية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان اجتماعاتها . ولقد كانت ترتيبات الأمنية في داخل الفندق منظمة تنظيما جيدا إذ شارك في الإجتماعات التي دامت ثلاثة أيام ( من 1 إلى 3 ديسمبر 1993 ) وزراء وسفراء وشخصيات مرموقه تضم السيد جون شاتاك وكيل وزارة الخارجية الأمريكية السابق والمعني بشؤون حقوق الإنسان ولقد شكلت الاجتماعات نجاحا كبيرا للمنظمة العربية لحقوق الإنسان التي رأت في مشاركة الحكومة المصرية مشاركة نشيطة في اجتماعاتها اعترافا شبه رسمي بالمنظمة خاصة وأن الحكومة المصرية تجنبت بحذر خلال مدة طويلة أي اعتراف بالمنظمة بالرغم من وجود مقرها بالقاهرة منذ عام 1983.
 
لقد شكل هذا المؤتمر ارتياحا كبيرا لمصر التي وجدت نفسها فجأة على رأس الحركة العربية للدفاع عن حقوق الإنسان ، في نفس الوقت الذي كانت تتهم فيه منظمات غير حكومية مستقلة من بينها المنظمة المصرية لحقوق الانسان ومنظمة رقابة حقوق الانسان (هيومن رايت وتش ) ومنظمة العفو الدولية الحكومة المصرية بانتهكات واسعة في مجال حقوق الانسان .
 
اختفاء سرعان ماتحول إلى اختطاف :
 
تلك بإيجاز هي ملابسات اختفاء السيد الكيخيا غير أن مايجب ذكره هنا هو أنه لم تطلب أي فدية من أسرته أو من الحكومة المصرية أو من أي جهة أخرى كما لم يظهر مايدل على قتله أو انتحاره، فالمؤكد أن اختفاء السيد الكيخيا ليس بالجريمة العادية . فاختفاؤه هو أمر سياسي ولايمكن أن يحدث إلا على هذا الأساس، لذا وجب البحث عن المختطفين والجهات التي أمرتهم بذلك ولاشك بأنها هي الجهات التي تعتبر منصور الكيخيا خصما (عدوا في عقلية التصفية الجسدية ) سياسيا قويا وزعيما متميزا بعقلانية تؤهله لأن يصبح البديل الطبيعي للنظام القائم في بلده ليبيا
 
وفي واقع الأمر لايوجد أحد غير "اللجان الثورية " الليبية التي يوجد لديها مصلحة حقيقة فى التخلص من السيد الكيخيا فضلا عن هذا الاعتقاد فمعظم قياداتها يرفضون خشية فقدان السلطة، حتى مبدأ المعارضة مهما كانت سلمية وديمقراطية مثل المعارضة التي كان يتبناها منصور الكيخيا، فالأمر بالنسبة لأجهزة اللجان الثورية في ليبيا " ليس للثورة إلا حلفاء مطلقون (جنود) وأعداء طبيعيون ويخشى أن يكون السيد الكيخيا قد صنف من الأعداء الطبعيين للثورة وبالتالي يجب أن يطبق عليه قانون " التصفية الجسدية " مثله مثل عشرات الليبيين الذين تمت تصفيتهم جسديا في أوروبا وأمريكيا والمنطقة العربية أو تعرضوا للإختفاء القسري الأبدي مثلما حدث مع المعارضين الليبيين جاب الله حامد مطر وعزات يوسف المقريف اللذين اختفيا منذ مارس 1990 بعد أن اقتيدا من منزلهما بالقاهرة من طرف الشرطة المصرية الرسمية في وضح النهار وأمام الجميع.
 
ولكن هل اتسم السيد الكيخيا فعلا بسمات "عدو الثورة الطبيعي" ؟
 
لقد بدأ تعاون الكيخيا مع النظام الجمهوري منذ الأيام الأولى للإطاحة بالنظام الملكي حيث دعاه النظام الجديد عندما كان على رأس الوفد الليبي لدى الأمم المتحدة بنيويورك وبعد أسبوع من التغييرالمسلح فقط ليعرض عليه منصب نائب وزير الخارجية وتم تكليفه بأخطر ملف في ذلك الحين أي إعداد استراتيجية لإقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة الامريكية تقوم على أساسين : الجلاء عن القاعدة العسكري الجوية (ويلس) قرب طرابلس ، ورفع سعر النفط بما يتناسب ومساهماته الفعالة في اقتصاديات الدول الصناعية.
 
وقد أدارالسيد الكيخيا بكل جدارة المفاوضات مع الأمركيين التي أسفرت عن جلاء القوات الامريكية في 11 يونيو 1970.
 
لقد أدى هذا النجاح الأول، بالاضافة الى مواهب السيد الكيخيا الذي يعتبره الجميع دبلوماسيا من الطراز الأول يتسم بالذكاء والثقافة الواسعة والأخلاق العالية، إلى وضعه في المقدمة على الساحة السياسية الوطنية، خاصة وأن رؤساءه في "مجلس قيادة الثورة" هم من العسكريين صغار السن الذين يفتقرون إلى الخبرة الدبلوماسية وهم من ذوي المستويات التعليمية والثقافية المتواضعة، فجرى تعيينه بعد ذلك وزيرا للخارجية في حكومة رأسها العقيد القذافي شخصيا .
 
وهنا واجهته أولى المصاعب في العمل مع الرئيس القذافي حيث اصطدم بصفته ديمقراطيا ب "الثورة الثقافية " التي أعلن الرئيس القذافي عن انطلاقها في خطاب ألقاه في مدينة ازوارة في ابريل 1973 والتي أدت إلى قمع الحريات الشخصية قمعا عنيفا وهبطت عزيمته فيما بعد بوصفه رجل قانون عندما علم بمستوى الانتهاكات التي وقعت لأبسط حقوق الانسان، فقد شهد عاجزا اعتقال العشرات من المثقفين ومن بينهم العديد من أصدقائه الذين وجهت إليهم اتهامات بالعداء للثورة لمجرد حوزتهم كتبا أو صحفا يسارية أو اسلامية .
 
القطيعة الأولى مع النظام :
 
لقد تمثلت القطيعة الأولى مع النظام في استقالة الكيخيا من منصبه ليكرس نفسه عبر مكتب للمحاماة للدفاع عن السجناء السياسيين الذين كان عددهم يزداد باستمرار ، ولاسيما في أعقاب فشل محاولة الانقلاب التي جرت فى أغسطس 1975 بقيادة عضو من أعضاء مجلس قيادة الثورة وقد يكون اكثرهم ثقافة وهو من أقارب الكيخيا ألا وهو الرائد عمر المحيشي غير أن نظام العقيد القذافي لم يكن ليتخلى عن خدمات السيد الكيخيا بهذه السهولة ففي عام 1977 وبعد انتخاب ليبيا لعضوية مجلس الأمن لجأ النظام من جديد إلى مواهب الكيخيا الدبلوماسية وعينه ممثلا دائما للأمم المتحدة .
 
وفي نيويورك كرس الكيخيا كافة جهوده لدى مجلس الأمن وفي الجمعية العامة لدعم حركات التحرر الوطني وخاصة تلك الموجهة ضد التمييز العصري في جنوب افريقيا وفي زمبابوي وضد الصهيونية في فلسطين ولقد أتيحت له الفرصة كذلك لإعادة الاتصال بأصدقائه في المعارضة الليبية الديمقراطية الذين غادروا البلد على أثر التجاوزات العنيفة لما سمي ب"الثورة الشعبية " في عام 1976 والتي اسفرت عن اعتقالات وإعدامات (دبوب وبن سعود)خاصة بين صفوف المثقفين واعضاء لإتحادات الطلابية والنقابية.
 
طلاق بائن :
 
ولم تتأخر القطيعة النهائية مع النظام الليبي الذي واصل انغماسه في تصفية حسابات لاحد لها اتسمت بإنشاء "اللجان الثورية" والمحاكم الثورية في المدارس والجامعات والتي قادت الكثير من المواطنين الابرياء إلى حتفهم وأخيرا أدى إعدام المحامين عامر الدغيس ومحمد حمي في مارس 1980 وهما من أقرب أصدقاء الكيخيا إلى اقتناعه بأنه ليس هناك مايرتجى من نظام يكرس كل يوم الخلط بين الثورة والفوضى ... والديمقراطية والعنف وقدم في 18 سبتمبر 1980 استقالته من منصب الممثل الدائم للأمم المتحدة
 
ومن عباراته المشهورة تعليقا على انسحابه من منصبه قوله :
 
"كيف يمكن لي أن أدافع في الأمم المتحدة عن بلدي عندما يعلن رئيس دولتي أننا دولة إرهاب تقتل والثورة يدها طويلة !؟ أعتقد بأن كل شيء يمكن قبوله من الحاكم : الأخطاء السياسية والإقتصادية، لكن مالا يمكن السكوت عليه هو القمع . "
 
وبذلك فتحت له صفحة جديدة مليئة بالأحداث والمواقف أدت به في نهاية المطاف إلى اختفائه في مثل هذه الأيام قبل عقد من الزمن .
 
مبدأ الحوار والنضال السلمي :
 
بدأ السيد الكيخيا معارضته العلنية والتي كانت دوما بعيدة عن العنف للنظام الليبي بإعتماد نفس الخطاب الذي كان ينادي به دائما وحتى عندما كان وزيرا ، أي ضرورة انشاء دولة ديمقراطية تقوم على فصل السلطات وذات مؤسسات ثابته ومختارة اختيارا حرا بواسطة انتخابات دورية ونزيهة ومنصفة وبالاقتراع العام . فهو يرى أن التناوب السلمى للسلطة وإطلاق الحريات العامة وإرساء مبدأ الشفافية فى تناول الشأن العام هي السمات الحقيقية للديموقراطية وهي الحاجز الذي يقف في وجه أي انجراف نحو الدكتاتورية . ونادى بتحقيق هذا الأمر بواسطة العمل والحوار السياسيين ودون اللجوء إلى القوة الأجنبية بأي حال من الأحوال .
 
ولم يكن لهذا الخطاب صدى كبير بين أغلب صفوف المعارضة الليبية والتي كانت في ذلك الوقت تراهن في حربها مع النظام وسرعة انهياره على أطراف خارجية على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والمتمثله في عداء الرئيس ريغان عداء مباشرا للنظام الليبي مما جعله يعد العدة لشن حرب ضده، فقد كانت اللقاءات الأولى مع زعماء المعارضة مثل الأمين العام السابق لجبهة الانقاذ الليبية – كبرى حركات المعارضة الليبية وقتها - السيد محمد المقريف -على أقل تقدير- مخيبة لآمال الكيخيا الذي لم تتفق أفكاره وأراؤه على الإطلاق مع افكار وأراء المعارضين "الأنقياء الأشداء " الذين سبقوه إلى ساحة المعارضة الليبية.
 
وبالطبع فإن الذين يعرفون الكيخيا يعرفون أن عزيمته لاتهزم ولاثنتني بسهولة فقد واصل اتصالاته مع المنظمات القومية العربية مشدداً على خطابه المفضل بشأن العروبة ومن بين هذه المنظمات نقابة المحامين العرب التي يرأسها محام سوداني شغل أيضا منصب وزير خارجية في السودان ومركز درارسات الوحدة العربية والمؤتمرالقومى العربي واتحاد الحقوقيين العرب والمنظمة العربية لحقوق الانسان وغيرها من المنظمات. إن جميع هذه المنظمات التي كانت في الأصل مناصرة لمواقف ليبيا فى القضايا العربية والدولية ( بفضل دبلوماسية منصور الكيخيا العضو المؤسس للعديد منها ) والتي كانت موضع اعتزاز النظام الليبي اتجهت تدريحيا إلى الإبتعاد عن أطروحات النظام والإستمرار فى تثمين مواقف أحد أعضائها ألا وهو السيد الكيخيا .
 
مضايقات النظام لمنصورالكيخيا :
 
لم يرق هذا ألأمر للنظام الليبي ولاسيما أن ممثليه لدى هذه المنظمات وجدوا أنفسهم أكثر من مرة في مواقف محرجة حيث اضطروا إلى التعليق علانية على بيانات واطروحات الكيخيا. ولم يغفر له النظام الليبي ذلك . وهنا قد يتعين على المحققين المصريين المكلفين بقضية اختفاء الكيخيا أن ينظروا في مسألة تواجد الكيخيا في نفس المحافل التي يتواجد فيها ممثلو النظام مما أدى إلى مضايقته وجعله يعمل ربما على التخلص من شخص اعتمد خطابا عقلانيا واضحا على عكس خطاب النظام المتسم عامة بمحدودية الرؤية وسطحية التحليل، وخاصية الإقصاء.
 
وفي الواقع فمن المؤكد أن نظاما يزعم تمثيل " وحدة الشعب العربي " لن يحتمل تلاشي مصداقيته يوما بعد يوم لدى تلك المنظمات والتيارات التي يعتبرها حليفة له والذي يزعم بانه يمثل تطلعاتها وآمالها .
 
تحرك نشط داخل المعارضة :
 
ترتب عن النجاح الذي حققه الكيخيا على الصعيد الشعبي والمؤسساتي العربي آثار مهمة بالنسبة له: فقد منحه هذا النجاح دفعة جديدة إذ أنه كان يقول بأنه إذا حالفه التوفيق مع إخوته العرب فسيكتب له النجاح على الساحة الليبية، كذلك أدركت المعارضة الليبية القيمة الحقيقية للسيد الكيخيا والمساهمات الفكرية والسياسية التي يمكن أن يقدمها إلى العمل الوطني في مجال العلاقات العامة التي كثيرا ماتحتاجها المعارضات الناشئة . وهكذا أصبحت فصائل المعارضة الليبية وخاصة اليسارية منها تهتم بمواقفه وأرائه خاصة وأن رؤياه بالنسبة لمستقل ليبيا لاتختلف كثيرا وفي كل الحالات لاتتعارض مع العدد الأكبر من المعارضين لينتهى التنسيق والتقارب في سنة 1987 باعتماد استراتيجية من أجل اقامة دولة ديمقراطية في ليبيا واختيار تسعة أحزاب ومنظمات من اليسار والوسط الكيخيا لتقلد منصب الأمين العام لتنظيم سياسي جديد هو "التحالف الوطني الليبى" وفي ابريل 1992 وقع الكيخيا باسم التحالف اتفاق تعاون مع السيد المقريف الأمين العام "للجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا" في تلك الفترة، وبذلك ختم السيد الكيخيا المرحلة الأولى من استراتيجيته التي تنادي بتوحيد المعارضة الليبية حول أهداف واقعية وقيادة قادرة على اقناع النظام واجباره على الاعتراف بالمعارضة ثم التفاوض معها بشأن مصير البلاد ، ولقد جعل كل ذلك من السيد الكيخيا زعيما من الطراز الأول للمعارضة الليبية في المنفى.
 
مبعوثي النظام إلى السيد الكيخيا :
 
لقد كان الجميع يقرون بذلك فحتى النظام أدرك فعالية قيادته ووزنه السياسي المتزايد في الساحة الليبية. وربما يفسر هذا الأمر تردد هائل من المبعوثين الذين كان يرسلهم النظام إلى السيد الكيخيا ليقدموا له مختلف الاقترحات لكي يضع حدا لأنشطته السياسية والعودة الى ليبيا "حيث لايزال كل شيء ممكن " على حد زعم المبعوثين . ولقد كانت هذه المقترحات أكثر تحديدا غداة الزيارة الرسمية التي قام بها الكيخيا في 7 أكتوبر 1993 بصحبة السيد المقريف والسيد الهوني عضو سابق بمجلس قيادة الثورة الى الجزائر بناء على دعوة من الرئيس الجزائرى السيد على الكافى الذى تربطه علاقات وطيدة بالسيد الكيخيا من أيام كان السيد الكافى سفيرا للجزائرلدى طرابلس والسيد الكيخيا وزير خارجية ليبيا.
 
لاشك ان هذه الزيارة كانت أمرا حاسما بالنسبة لقرار تصفية الكيخيا تصفية جسدية فقد كان النظام الذي نجح في عزله عن المنظمات العربية التي يعتبرها قاعدته الطبيعية يخشى ان تزداد عزلته نتيحة نشاط الكيخيا المتعاظم عن طريقة اقامة علاقات مع بلدان اخرى مثل العلاقات التي نجح في نسجها مع الجزائر. وما زاد الأمر خطورة كون الأخير يتمتع بمكانة رفيعة لدى الكثير من الدول العربية ونخبها السياسية مثل تونس والأردن والعراق واليمن ومصر أيضا. وهناك عامل آخر ساهم في قرار تصفيته وهو تكرار اسمه أثناء استجواب الضباط الذين قادوا تمرد اكتوبر 1993 .
 
هذا (بإختصار شديد) هو السيد الكيخيا والذي تزعم حكومة مصر بأنها لم تتلقى تحذيرا من أحد بأن حياته في خطر وأنه بحاجة إلى حماية خاصة .
 
غموض يكتنف الموقف المصري :
 
وفي الواقع فإن موقف مصر البالغ الغموض يطرح مزيدا من الأسئلة. ويتعلق السؤال الأول باستجواب الكيخيا في المطار وعلاقة ذلك بالتهديدات التي يتعرض لها، حيث انه إذا كان الكيخيا ليس زائرا "خاصا" فلماذا أجري استجوابه لمدة ثلاث ساعات ولاسيما أنه كان يحمل تأشيرة دخول رسمية . ثانيا : لماذا منحت له التأشيرة قبل يومين فقط من بداية أعمال الجمعية العمومية أي يوم 28 نوفمبر 1993 مع أنه قدم طلب التأشيرة قبل شهرمن ذلك التاريخ إلى السفارة المصرية في باريس ؟ ولماذا لم تقم الجهة المانحة للتأشيرة بتبليغ السلطات الأمنية في المطار ؟
 
يمكن أن تؤدي الاجابة الجادة عن جميع هذه الأسئلة وعن غيرها إلى اعطاء دفعة جديدة للتحقيق في اختفاء الكيخيا وتجنيب الحكومة المصرية المزيد من عمليات الاحراج.
 
فمن الممكن جدا تفسير التأخير غير المعتاد في منح التأشيرة بوجود قرار أولي بعدم منح الكيخيا تأشيرة دخول وانه تم إلغاء هذا القرار في آخر لحظة من جانب سلطة أعلى سمحت مباشرة للسفارة المصرية في باريس بمنح تأشيرة على وجه الاستعجال للسيد الكيخيا ، ولكن دون إخطار السلطات الأمنية بالمطار حسبما يقتضيه الإجراء الطبيعي . فهذه الثغرة هي الأمر الوحيد الذي يفسر الاستجواب والاهانات التي تعرض لها السيد الكيخيا في المطار ، غير أن السؤال الذي ظل دون اجابة هو : من هي الجهة التي أصدرت قرارا بمنحه التأشيرة في آخر لحظة ؟ ولماذا تأخرت في منحها إلى هذا الحد ؟ هل كان ذلك للسماح للكيخيا بحضور اجتماعات منظمته ؟ أم لإحضار الكيخيا (استدراج) إلى مصر ؟ على المحققين المصريين أن يجدوا إجابات مقنعة على مثل هذه الأسئلة ويقوموا بنشرها على الملأ .
 
بين قضية بن بركة وقضية الكيخيا :
 
غير أن هناك أسئلة أخرى يمكن استخلاصها من المحققين الفرنسيين في قضية اختطاف واختفاء المناضل المغربى المهدى بن بركة في باريس فى أكتوبر1965 والمماثلة تماما لقضية السيد الكيخيا، فوقتها لم تنظر الحكومة الفرنسية في هذا الصدد انتهاء التحقيق لكي تحاكم رجال الأمن المغاربة والفرنسيين المتورطين تورطا مباشرا أو غير مباشر في اختطاف زعيم المعارضة المغربية في ذلك الحين السيد بن بركة ولم تنتظر كذلك انتهاء التحقيق لكي تجمد علاقات فرنسا مع المغرب وهو البلد الذي يفترض انه الوحيد الذى لديه مصلحة في أمر القضاء على السيد بن بركة. فلقد تم اتهام المغرب مباشرة بانتهاك السيادة الفرنسية انتهاكا متعمدا وتعريض أمن الشعب الفرنسي للخطر وصدرت مذكرات دولية بالقبض على الجنرال محمد أوفقير الذي كان وزيرا للداخلية والعقيد احمد الدليمي رئيس أجهزة المخابرات المغربية .
 
أما بالنسبة لقضية الكيخيا فإن حكومة الرئيس حسني مبارك لاترى أن هناك فائدة من القبض على اي شخص كان أوحتى السماح لقاضي التحقيق باستجواب الشهود المزعومين مثل السيد حجازي وزير الداخلية الليبي والسيد عبد الله السنوسي رئيس جهاز المخابرات الليبية اللذين تواجدا في القاهرة يوم اختطاف الكيخيا وكأن الأمر محض صدفة، بل حتى استجواب يوسف نجم آخر شخص قابل الكيخيا لم يحدث نتيجة تعاون السلطات المصرية .
 
(محامي الكيخيا) : الحكومة المصرية لاترغب في نشر الحقيقة
 
يبدو أن الجمود الذي يلف قضية الكيخيا قد وصل إلى درجة جعلت محامي الكيخيا السيد عادل الأمين لايتورع عن الاعلان بعد التعليق على رد الحكومة المصرية على فريق العمل بالاختفاء القسري التابع للجنة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة بأن " هناك مؤشرات جلية بأن السلطات المصرية لاترغب في نشر الحقيقة بشأن اختفاء الكيخيا "
 
العلاقات (المصرية الليبية) بعد الاختطاف :
 
إن العلاقات المتميزة التي أخذت تربط بين الحكومتين المصرية والليبية منذ اختطاف الكيخيا وربما بسببه تثبت النتيجة التي توصل إليها المحامي عادل أمين عندما قال : " المنطق البسيط لايمكن أن يفهم هذا التقارب السريع بين ليبيا ومصر الذي تلا الخطف إلا إذا سلمنا بأن مصر كانت طرفا مباشرا او غير مباشر في عملية الخطف"، فقد كان المنطق بفترض حدوث العكس خاصة في ظل التباين السياسي الواضح والمواقف المتضاربة والمعلنة اتجاه قضايا عديدة وعلى رأسها القضية الفلسطينية .
 
ولقد أبرم البلدان منذ اختفاء الكيخيا اتفاقات تعاون عديدة تشمل استثمار ملايين الدولارات في مصر ويمكننا أن نذكر من بين المشروعات العديدة مشروع بناء مطار مرسى مطروح وخط السكك الحديدية بين طبرق ومطروح وشق طريق بين سيوة والجغبوب واستجلاب مليوني عامل مصري إلى ليبيا ، ولقد وصلت الاستثمارات الليبية في مصر وفقا لما أعلنه السيد محمد الحويج في 1 يوليو 1996 بالقاهرة وهو نائب رئيس الشركة الدولية للاستثمارات الليبية في الخارج إلى 440 مليون دولار منذ 1993 !! على حد تعبيره وهي السنة التي اختطف فيها منصور الكيخيا، وأضاف قائلا : " تعليمات العقيد القذافي تنص على مضاعفة هذا المبلغ أثناء السنوات الثلاث المقبلة أي عن طريق جلب أموال ليبية من أوروبا تقدر بمبلغ 290 مليون دولار واستطرد قائلا : " إن رؤوس الأموال الليبية ستستثمر في شركات القطاع العام المصرية ".
 
إن الموقف يقتضي توتر العلاقات الليبية المصرية اثر اختطاف الكيخيا بل وتجميد العلاقات على غرار ماحدث بين باريس والرباط في قضية بن بركة . لقد وصل التقارب بين القيادتين المصرية والليبية بعد اختطاف الكيخيا إلى درجة تعيين وزير (خاص) غير وزير الخارجية في كل بلد مكلف بشؤون العلاقات الخاصة جدا بين البلدين. ففي مصر على سبيل المثال تم تكليف السيد صفوت الشريف وزير الاعلام والمقرب من العقيد القذافي بهذه المهمة في حين جرى تكليف السيد جمعة الفزاني ( ليبي من أصل أوغندي ) بالملف المصري وهذا الوزير هو الليبي الوحيد الذي اعلن غداة اختفاء الكيخيا بأن "الكيخيا ليس ليبيا وانه ينتمي إلى عائلة اقطاعية تاريخها أسود ليست لها اي علاقة بالشعب الليبي " !! وطرح جانبا كلا من : عمرو موسى وزير الخارجية المصرية في تلك الفترة - صديق المختطف منصور الكيخيا - ووزير الخارجية الليبي السيد عمر المنتصر - من أقارب الكيخيا - لكي لا يتناولا ملف اختفاء الكيخيا .
 
نتائج عشر سنوات من التحقيق : (تمخض الجمل فولد فأرا)
 
يبدو مما تقدم ذكره أن اختفاء الكيخيا حدث على الأرجح بناءً على قرار سياسي للتخلص من الكيخيا والقضاء عليه إذا لم تنجح مساعي اقناعه وديا عن طريق الحوار والتحاور أو حتى بالتهديد والقوة بوقف نشاطه السياسي التي اعتبرتها السلطات الليبية تحديا. ومن الجلي أيضا أن ليبيا لايمكن أن تجرؤ على اختطاف السيد الكيخيا بدون الحصول على موافقة أعلى سلطة في مصر خصوصا إذا علمنا بأن ليبيا كانت في تلك الفترة تخضع لحظر طيران دولي فرضه عليها مجلس الأمن وأن مصر بالنسبة لها تشكل منفدا بريا رئيسيا يستلزم من النظام الليبي التعقل الكامل والحفاظ عليه وعدم المجازفة أو المغامرة بمصالح مصر وسيادتها.
 
ومن المنطقي القول بان أجهزة المخابرات الليبية قد خططت لعملية الاختطاف في ليبيا ونفذتها في مصر.إلا ان العملية ماكانت لتنفذ دون تعاون الأجهزة المصرية ومساعدتها الفنية واللوجستية. ، فالجميع في مصر وحتى الرئيس القذافي لايتركون فرصة تمر دون الاعلان عن أنهم لايعرفون ماذا حدث للكيخيا الذي لم يره أحد منذ أن غادر باب الفندق قبل عشر سنوات مضت !! ولقد تم اتباع نفس النهج الذي استخدم في قضية المعارضين الليبيين عزات المقريف وجاب الله مطر اللذين لم يرهما أحد منذ أن اقتادهم رجال الأمن المصريين من منزليهما واقتيدا إلى المكتب المركزي للأمن الوطني بالقاهرة فى مارس 1990.
 
إن الدليل على التواطؤ المصري ثابت في منح تأشيرة دخول للسيد الكيخيا وفي تاريخ إصدارها ولدى الجهة التي سمحت بمنحها ووفقا للمؤشرات الراهنة يبدوا أنه قد تم اختيار تاريخ منح التأشيرة لإعطاء الكيخيا أقل وقت ممكن في مصر قبل عقد الجمعية العمومية لكي لايتمكن من زيارة عمه بالإسكندرية وأقاربه وأصدقائه العديدين إلا بعد انتهاء الاجتماع فمن السهل وقتها وبكل تأكيد تنفيذ عملية الاختطاف بعد عودة المشاركين إلى بلدانهم حيث أن اختطاف الكيخيا قبل الاجتماع كان سيترك آثارا مباشرة وسلبية عديدة على صورة البلد بما في ذلك احتمال إلغاء الجمعية العمومية وقيام المشاركين بتنظيم عمليات احتجاج في القاهرة
 
إذن فاختيار توقيت الإختطاف لم يكن محض صدفة وانما يدل على على المعلومات الدقيقة المتوفرة لدى المختطفين الذين انتظروا حتى آخر لحظة قبل تنفيذ خطتهم .
 
حيث كان من المنتظر أن يصل السيد الكيخيا إلى باريس بعد ستة وثلاثين ساعة من لحظة اختطافه قبل عشر سنوات عندما كان العالم يطلق زغاريد الفرحة ابتهاجا بإقرار الاعلان العالمي لحقوق الانسان وكانت أرض الكنانة تتشح بالسواد وترتدي القاهرة ثوبا من الحداد على اختفاء رجل السلام الليبي ورمز الحرية والديمقراطية وداعية حقوق الانسان العربي : منصور رشيد الكيخيا .
 
10 ديسمبر 1996
 

(نشرالنص الأصلى باللغة الإنجليزية لهذا المقال فى 10 ديسمبر 1996 بمناسبة الذكرى الثالثة لاختطاف السيد الكيخيا.). كما سبق نشر النص العربي بموقع ليبيا المنارة
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com