|
12/01/2006
الكاتب الليبي: أحمـــد أ . بوعجـــيلة
شعبنا الليبي .. الاضحيــة .. والتضـحيــة
يتذكر الكثير منا في نهاية الخمسينات ومطلع الستينات كيف كان يتطلع شعبنا الليبي للاحتفال بعيد الاضحي المبارك ، وما يصاحب ذلك من زيارة الاباء بصحبة الاولاد الي سوق الغنم ، وكيف يساومون ، ويزنون الخروف ، ويفحصونة حتي تتم الصفقة ، ثم حملة بالكروسة في الغالب الي البيوت ، لتبدأ مسئولية الامهات الكريمات من رعاية للفدية الجديدة من اطعام وعلف ، وتنظيف فضلات الخرفان ، ورغم النقص في كل شئ لكن كانت الفرحة والسعادة تعم الجميع ، وهم يمقرسون الخرفان لاعادة سنة امام التوحيد العطرة ، قصة الابتلاء ، قصة التضحية بالابن الحبيب ، قصة الابن الصابر ، الواعي الملتزم، الفاهم ، لانفاد الامــر الرباني دون خوف او تـردد او حتي مناقشة ياباتي " ياأبتي " افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين " .
كان سيدنا ابراهيم خليل الرحمن ، تلكم المكانة السامية التي خصها الخبير العليم له ولنبينا الحبيب المصطفي و " الخلة " هي أعلي واسمي معاني ودرجات المحبة والحـب كما فسرها العلماء ، ولكن تخلل هذا الحب ، تطلع ابوانا ابراهيم بأن تكون له ذرية ، تحمل مشاعل التوحيد ، معاني حمل الميثاق والعهـد ، تطلع بشغف ، وشوية لابن بار يخلفه وهو حب الوالد للابناء او للذرية ، لكن الحبيب القدير العليم أراد شيئا أخر ، أراد لخليله ان يصفو القلب من الحب ، والتطلع غلا له وحده لحكمة يعلمها ، فكان الحــلم لابراهيم ، وكان الامر الرباني ، وكانت التحية ، وكان الفداء ، والصبر ، ثم الامتثال للامر بدون اي تردد من ذلكم الغلام ، فلما تجلي الصدق ، والاخلاد لتطبيق الامر ، كان الفداء بـتذبح عظيم " كبش سـمين .. لتبــداء هذة السنة الطاهرة ، وتبدأ الاجيال الموحده تمارس هذة الشعيرة ، مصحوبة بالمعاني العظيمة في فريضة الحج ، حتي طواف الــوداع ، ورمي الجمرات بمظاهرها المادية والمعنوية ، فوعت امة التوحيد الدروس ، ومارسته عمليا في صور رائعة من التضحيات .
كان عيد الاضحي في بلادنا الحبيبة علي بساطة مظاهرة ، لوحة إجتماعية ، روحية رائعة أخذة في الجمال ، والتعاون ، والمحبة ، كانت البساطة في كل شئ ، تذبح وتسلخ الكثير من الخرفان علي اعتاب البيوت في الشوارع والازقة ، لمن لا يستطيع الذهاب الي المسلخة " عادة واحدة في كل مدينة ، كان ابن عمتي عوض شابا يافعا مفعما بالقوة وحب مساعة الجيران ، فمباشرة بعد صلاة العيد ، يشمر علي امواسه ، وحباله ليبدأ بذبحته ثم القريب من اهله ، ثم نطوفا معا الي الجار الاول والاول الذي لا يعرف الذبح والسلخ ، او من لا معين قريب له ، يذبح لهم بكل بشاشة ومهارة عالية ، وتتقاطرا علينا تباشير الدعاء والشكر ، ورغم عدم وجود الوسائل المتوفرة اليوم ، فلا مجاري انذاك في زقاقنا العامر ، تسيل الدماء سيلا ، لكن لخلو النفس من الضغينة او الكراهية يتعاون الجميع في عملية التنظيف وما يحل المساء حتي ينتهي تنظيف الشوارع والازقة لتبدأ العمليات الاخري ، من الاعداد لتجفيف الذبيحة ، وطبيخة الكرعين " ارجل الخروف ، والرأس ، وكانت امي الحبيبة تعد لي " الدماغ " مثل الشكشوكة .. ثم عملية التجفيف ، والقــديد .
طبعا كانت هناك تجاوزات فقهية حول العيد والاضحية ، اعتقد ان شعبنا تجاوزها اليوم ، خاصة تذبح الذبيحة ، وتعلق لثلاثة أيام ، ولا يؤكل منها ، لتجفف ، وتقدد ويحفظ باغلبها في الزير . للشتاء واعداد وجبة " الحســـاء المشهور بالقديد ، أو " المقـــطع ، .. أما سـنة ثلت للاكل ، وثلت للهدية ، وثلت للصدقـة ، فقليل انذاك ، نتيجة لعدم المرحعية الفقهية أولا ، ثم للحاجة للتخزين والاستهلاك أوقات قلة اللحم ، والحاجة اليه .
وتمثل شعبنا في تاريخه الحافل بصور الفداء ، صور التضحية ، والامتثال والطاعة الربانية ، فجسدوا ذلك حقيقة ، ومارسوه عمليا تاريخيا ، في مقاومة الغزاة ، في مقارعة صور الباطـل ، خاصة الملاحم البطولية في التصدي للغزو الايطالي الصليبي الظالم لبلادنا الحبيبه ، فكانت التضحيات منطلقة من المفاهيم العطرة التي جسدتها الحركة السنوسية المباركة ، حركة الجهاد والاعـداد ، حركـة العطاء والتعاطف والتكافـل ، حركة العمـل وطلب العـلم ، عسي ان اتطرق الي مظاهرها قر يبا فادعو لنا .
ثم ... كما تعرفون تغيرت الاوضاع ، وطمست بعض العادات والاعراف الحميده ، وسـطرت صفحات اخري في مقارعـة الاستبداد ، والظلم والجـور ، والفساد الفكري والعقائدي ، وصور الاستبداد والقمع والتنكيل ، ومصادرة الحريات ، وإلغـاء كرامة الانسان ، وحتي أدميته التي صاحبت الصفحات والسنين المظلة للعقـود الثلاثـة الاخيرة .. وكان لــزاما التضحية ، والابـتلاء والصبر ، فتقدم الي الساحة رجالا عسكريين ومدنيين ومفكرين ومحاماة وطلبه وعمال ، نعرف الكثير منهم ، والكثير مجهولين يعلم العليم بمواقفهم البطولية ، وتضحياتهم الباهرة ، بالوقت ، والمال ، والاهل ، وبالتفس ودمائها الزكية .
هل يمكن أن يعيد شعبنا الكريم معاني صور التضحية والفـداء ، ويستلهم الدروس والعبر يوما بيوم ، ويدرك وعي عظمة القادم ، ودوامه ، واستمراره ، وحلاوته وجماله ، وسعادته أكثر من هذا الحاضر المتعب ؟
هل يمكن ان تتعالي أهات قلوبنا ، وتترفع عن حطامات الدنيا ومغر ياتها ، وتتطلع الي عظيم ، باقي ، أبدي ، سرمدي ، نعي ونتعلم دروس الفداء ، الوقوف في وجة الظـلم والعدوان ، وتكميم الافواة وقـتل وسلب الحرـات ، ونهب الاملاك وتبـديد الثروات ؟ ، هل يمكن ان نتطلع الي افاق الحــرية ، الي الكرامة ، الي العــزة ، الي حياة عادلـة شورية ديموقراطية ، لخير اجيــالنا القادمة ؟ هل يمكن ان نربي اطـفالنا علي معاني التضحية والبذل بالوقت ، والمال ، ومساعدة المحتاج ، نربي فلذات اكبادنا علي معــاني الجهـاد ، والتضحية ، والبحث ، والصبـر ، وطاعة الوالدين ، ونقـد ونـكران الذات ، وتعلم اداب الحـوار والاصـغاء ؟ و الغـيرة علي عقيدتهم ، والانتفاض والغضب لها ، خاصة بعد ان تهان ويشكك فيها ، ويطعن في رسولها ، ويتجـرأ بكل وقاحة ، وإدعاءات باطله علي ربها وخالقها ؟ !!!وهل وهل ؟؟ موقعكم ليبيا الجــديدة مــاضي في هذا الطــريق ، فشــمروا معنا ، وهيا الي التضحيات والفداء ، وكل عام وانتم بالخير ، والاصح المشهور " تقــبل الله منـا ومنــكم .
أحمـــد أ . بوعجـــيلة
|