ونفشل مرة أخرى
بقلم: فضيل
الأمين
|

|
|
|
مرة أخرى يثبت العرب والمسلمين
أنهم لا يختلفون عن جلاديهم. أذ أنهم جميعا نتاج ثقافة واحدة مهما اختلفت
مدارسهم السياسية أو الفكرية أو الفقهية أو المذهبية. ولا يمكن للمرء أن يصف
هذه الثقافة إلا أنها عدمية وأن تخلفها ضارب اطنابه في التاريخ. ولقد أثبت
التاريخ حقيقة أن الصعوبة ليست في الوصول إلى سدة الحكم ولكن في الكيفية التي
تمارس بها السلطة عند استلام الحكم.
اعدام الدكتاتور صدام حسين
والطريقة التي تم بها اثبت أن المليشيات الشيعية الحاكمة في العراق هى
مليشيات ليس إلا. وأنها على الرغم من وصولها إلى الحكم عبر صندوق انتخابي لا
تختلف في شئ عن النظام الذي ورثته سواء في الاساليب أو الوسائل أو الممارسات.
قد يلبس بعض متصدري الحكم في بغداد
بدل فرتساتشي أو أرماني ولكن داخلهم وثقافتهم العدمية لا تختلف عن اجدادهم
الذين قالوا "انا وأخي على ابن عمي" وقولهم "ومن لا يظلِم الناس يُظلم".
لا شك أن الطاغية صدام طغى وتجبر
وقتل وشّرد وكان يجب أن يخضع للمحاسبة على جرائمه، ولكن كونه حاكما سياسيا في
بلد عانت من ويلاته كان لابد أن تخضع معاملته لا لمعيار التشفي والانتقام
ولكن لمعيار السياسة وما ينفع مستقبل البلاد ما يجمع لحمتها المهترئة
وطوائفها المتناحرة.
مرة أخرى فشل حكام العراق الجدد في
الدرس الاول في القيادة وهو الترفّع عن الدنايا والنأي عن الانتقام والتشفي.
ولست أرى مستقبلا للديموقراطية في العراق في ظل مثل هذه الثقافة مهما جرت من
انتخابات ومهما انتشرت صناديق الاقتراع في ظل نظام المحاصصة الطائفية.
الديموقراطية ليست تصويت ولا
صناديق اقتراع ولا تعدد في الطوائف والاحزاب ومشاجرات برلمانية وحرد سياسي،
وأن كان بعض ذلك من اساليبها ووسائلها. الديموقراطية ثقافة وطريقة حياة تتربى
عليها الأجيال. يتدافع فيها الناس بالتي هي أحسن بعيدا عن العنف والبغض
والانتقام. ويقبل المتعايشون بها حل خلافاتهم سلميا وبطرق حضارية. ويرتقي
فيها القادة فوق مستوى انفسهم ويجسدون القيم الانسانية والحضارية والمبادئ
التي ينادون بها. وهي حتما تختلف عن ديموقراطية المليشيات في العراق حيث يرقص
الحاكمون على جثة من يعدمونه في شكل متخلف ومشين وبطريقة لا تمارسها حتى
الحيوانات ضد بعضها البعض.
والغريب أن يتشدّق هؤلاء مثل
خصومهم الذين يقطعون الروؤس بأنهم يمثلون الإسلام في شكل شيعي أو سني والقيم
الاسلامية منهم براء.
لقد عشنا في الايام الماضية موت
الرئيس الأميركي السابق جيرالد فورد واعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين.
ولعل نظرة سريعة إلى كل منهما وكيف احتفت كل دوله برحيل رئيسها وماذا فعل كل
رئيس بما يتذكره به الناس دليل على تخلفنا نحن العرب.
لقد جاء جيرالد فورد إلى الحكم عقب
استقالة ريتشارد نيكسون الذي ارتكب جرائم "ووتر غيت" التي يعاقب عليها
القانون الامريكي واصبح بذلك عرضة للمحاكمة والسجن. وادت فضيحة ووتر غيت
والحرب في فيتنام إلى انقسام هائل داخل المجتمع الاميركي وإلى استقطاب اصبح
يهدد النسيج المجتمعي للدولة.
التحدي الدي كان أمام فورد هو
كيفية معالجة الازمة الاميركية والخروج بالمجتمع الاميركي من دائرة الخطر
الذي يهدده. ومن هنا قام باتخاذ قرار جرئ وحازم وصعب. لقد قرر أن يصدر عفو
رئاسي عن نيكسون ويتغاضى عن جرائمه ضد الدستور والمجتمع وقرر ان يغلق ملف حرب
فيتنام في نفس الوقت. لقد اراد ان يخرج بالمجتمع الاميركي من دائرة الازمة
إلى فضاءات المستقبل وأن يقدوه إلى بر الامان.
ليس هناك من شخص يمكن أن ينكر أن
نيكسون ارتكب جرائم يستحق عليها المحاكمة والسجن، ولكن القصاص من شخص واحد
مهما كان لا يمكن مقارنته بمصلحة الامة كلها.
لقد كلّف قرار العفو ذلك الرئيس فورد كرسي الرئاسة في الانتخابات الرئاسية
عام 1976. ولكنه استطاع بتضحيته تلك العبور بالامة الاميركية إلى بر الوحدة
والامان. وتلك هي القيادة حقاً وليس الرقص على الجثث.
إن القيادة تعني الارتفاع عن
الجراحات والغل والحقد الشخصي وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية أو
الطائفية أو الحزبية وهو أمر صعب لمن لا يملك مقومات القيادة اساسا ولمن كانت
كل ثقافته هي العيش في الماضي وآلامه ولمن كانت ثقافته تجعل من الثأر امر
تتوارثه الاجيال جيلا بعد جيل، وتلك للأسف الشديد ثقافتنا العربية.
فشل
بوش
ومما زاد الطين بله أن الولايات
المتحدة ابتليت اليوم برئيس ذو ثقافة متخلفة لا تختلف عن ثقافة صدام أو
المالكي. لقد فشل الرئيس بوش مرة أخرى في امتحان القيادة وجر الولايات
المتحدة إلى ممارسات متخلفة حضارياً ضيّغ عبرها كل القيم الانسانية الحضارية
الراقية التي جعلت من أميركا المجتمع والدولة التي يعتبرها العالم مثال يحتذى
به.
كان يمكن لبوش، لو كان يفقه، أن
يتدخل ويوجّه آلهة الحرب في بغداد للخروج من دائرة طائفتيهم الضيقة إلى فضاء
المستقبل ورحابته، يستخدم صدام كوسيلة لبناء الجسور ونشر فكر التغافر
والتجاوز والنظرة المستقبلية ولكن أنّى للاعمى ان يقود شلّة العميان، وإن حدث
وقادهم لكم ان تتخيلوا النتيجة.
الثقافة أولاً
نطالب بالتغيير الديموقراطي في
عالمنا العربي ولكن ما لم نطالب بالتغيير الثقافي ونعمل جاهدين للتخلص من
ثقافة التخلف والانحطاط. ثقافة القبيلة والعشيرة والطائفة والمذهب والحزب.
ثقافة الانتقام والموت والتشفي والدكتاتورية. هذه الثقافة التي جعلت في داخل
كل منا دكتاتور صغير يمارس دكتاتوريته حسب السلطة التي يتمع بها حتى تصل إلى
ذروتها بوصوله إلى الحكم ولا يختلف عندئذ عن صدام أو اخوانه المنتشرين في
عالمنا العربي.
قد يشير البعض إلى الشرق أو الغرب
أو إلى المريخ والكواكب الأخرى في محاولة لالقاء اللوم عن سبب حالنا السئ،
ولكن ما لم يتجه النقد إلى انفسنا وإلى ثقافتنا واسلوب حياتنا فلن يكون قرننا
الحادي والعشرين مختلفا عن قرن داحس والغبراء الغابر.
|
libyaalmostakbal@yahoo.com