|
|
||||
|
||||
رجع القذّافي من رحلته الأفريقيّة يجرجر أذيال الفشل والخيبة في تحقيق حلمه الطوباوي العبثي (تكوين الولايات المتحدة الأفريقيّة)، ليجد أمامه مزيدا من الضغوط من أساطين (المجتمع الدولي) الذي ارتمى أمام أقدامه، تؤكّد عليه ضرورة إطلاق سراح الممرّضات البلغاريّات، المتهمات بحقن أطفالنا الليبيين بوباء الأيدز. ووصل الضغط من رئيس الولايات المتحدة إلى درجة الأمر النهائي حملته إليه موظّفة كبيرة في الخارجيّة الأميريكيّة. وآخر هذه الضغوط زيارة زوجة رئيس فرنسا التي قابلت القذّافي مرّتين، بعد لقائها للمسجونات ولبعض عائلات الضحايا. وعلى الفور تسارعت تدابير طاغية ليبيا لتصل القضيّة إلى الفضل الأخير من المسرحيّة التي نُسجت حبكتها. وبقي أن يُصدر ما يسمّى بمجلس القضاء الأعلى قراره المتوقّع غدا 16 يوليو الجاري لتحقيق الرّغبة الأويرو - أميريكيّة. على أن ما لفت الإنتباه تهافت ممثّلي أسر الضحايا على أن يخوضوا في المعمعة، وكأنهم يملكون رأيا حاسما فيها..وكان آخر المستجدّات، صدور تصريحات متضاربة من قبل إدريس لاغا ورمضان الفيتوري الممثّلين لأسر الضحايا أدليا بها لصحيفة (ليبيا اليوم) الإليكتونيّة، فالأوّل أوضح أن الأسر "قبلت بمبدأ التسوية لدفع ضرر جسيم لاحق لامحالة بمسألة علاج الأطفال مدى الحياة بالدول المتقدمة، وللحفاظ على مصلحة الشعب الليبي ودرء خطر فرض أي نوع من أنواع الحصار عليه، وأقلّه الحصار العلمي الذي هدّد به 114 من حملة جائزة نوبيل، إذا لم يتم إيجاد حلّ لهذه الأزمة". أي أنه في تبريره لعمليّة الصفقة التي طالما نفاها في تصريحاته السّابقة، يتناسى أن الأطفال يتلقّون منذ مدّة طويلة هذا العلاج في مصحّات العواصم الأوربيّة. أمّا قوله "بدرء أخطار الحصار" على الشعب الليبي فهو تبجّح لا نعلم من أين استقاه، وزاد عليه "الحصار العلمي" الذي ادّعى أن العلماء هدّدوا به. وهذا محض إفتراء، إعتقادا منه أنه يستطيع تمريره على أبناء الشعب الليبي،معتمدا على شحّ المعلومات التي يسمح النظام بوصولها إليهم، لأن بيان العلماء المذكورين لم يرد فيه أيّ تهديد، بل إتهم طالبوا النظام الحاكم بمطلبين إثنين:السماح لمحامي المتهّمات بالإستماع إلى شهادات ممرّضي المستشفي، وكذلك الإستماع إلى شهادات خبراء دوليين في هذا الوباء.ثمّ جاء بعد ذلك تصريح الفيتوري الذي أنكر فيه وجود "أيّ تسوية بصفة نهائيّة" إنما مجرّد إتفاق مبدأي وفق اشتراطات.. وأن لاغا أو غيره لا يملك حقّ التنازل في هذه القضيّة منفردا... وحتى تدخل التسوية حيّز التنفيذ لابد من توقيع أولياء الدمّ جميعا والبالغ عددهم 460 كما تنصّ قواعد الشريعة الإسلاميّة... وستظلّ التسوية معلّقة مالم يتحصّلوا على حقوقهم كاملة بشقّيها المعنوي والمادّي". والوثيقة المعنيّة هي عبارة عن إلتماس بطلب إلغاء حكم الإعدام أو إستبداله، والتي سيوقّعها لاغا، وقد جاءت على لسان وزير خارجيّة بلغاريا. أي أننا دخلنا في حيص بيص من التصريحات المتعارضة بين لاغا والفيتوري، بعد أن كان يجري تبادلها بين مؤسّسة آل القذّافي و(المجتمع الدولي) المتحكّم في خناق العالم.ويبدو أن (طُعم) دفع مليون دولار كتعويض لكلّ أسرة هو السبب الذي فجّر الخلافات. ونقول (الطُعم) للأسباب التالية التي غُيّبت عن أبناء الشعب الليبي وأبرزها:• أن توقّع البلغاريات تعهّدا بعدم ملاحقة جماهيريّة آل القذّافي لتفادي إعادة فرض العقوبات عليها وتعويضهنّ. وهذا جهل أو تجاهل، لأن تعهّدا مثل هذا يجري في ظرف قهري لا يُعتدّ به قانونيّا.• أن سيف القذّافي اللآعب الرئيسي في الصفقة المشبوهة، كشف الخدعة لجريدة (الفيجارو) الفرنسيّة حين صرّح لها في عددها في 15 الجاري بأن مبلغ التعويض ومجموعه 290 مليون أيورو سيأتي من مستحقّات ديون على حكومته من كلّ من بلغاريا وسلوفاكيا وكرواتيا وتشيكيا (ديون ليبيا المتراكمة لصالحها وحدها تبلغ 300 مليون أيورو). وبذلك سيكون نصيب كل عائلة من الأربعمائة عائلة 730 ألف أيورو، أو مليون دولار بسعر صرف الدّولار الحالي، وهو في هبوط مستمرّ! وثمّة تصريح أكثر غرابة أدلت به إيمانويل أتيت أحد محامي العائلات ويقول: "هذا لا يعني أن العائلات ستحصل على أيّ مبلغ في نهاية المطاف"! كما أن مصادر في حكومتي تشيكيا وكرواتيا لم تؤكّد ما ورد في حديث إبن القذّافي. ومن المرجّح أنه وعد أّعطي لفتح الطريق أمام التسوية، أو مقابل عقود بتروليّة وتجاريّة ستكسب من ورائها أكثر ممّا تكسب من الديون المشكوك في استردادها..• لو تمّت التسوية الصفقة على هذا الأساس،فمعنى ذلك أن: مبلغ التعويض سيقيّم بالدينار الليبي (وربما بالقيمة الدفتريّة أي بتاريخ للديون تحدّده سلطة القذّافي!) - لن يسلّم أي مبلغ للعائلات، وعوضا عن ذلك تُمنح شهادات تملّك مثل تلك التي أعطيت القائد وأفراد عائلته لكونهم من المحرومين من الثروة.. أي لن تكون سندات خزانة قابلة للصرف، وإنما سندات تابعة لهيئة (مؤسّسة القذّافي مثلا). وهي ليست هيئة حكوميّة ويمكن حلّها بقرار سلطاني مثما تأسّست بقرار سلطاني. ويرجّح أن هذا ما عنته المحامية الفرنسيّة.
وبصرف النظر عن التعقيدات التي
ربّما تطرأ على المسألة فتطيل أو تؤجّل حسمها، فإن الصفقة بهذه المدخلات ستكون
وبالا على أسر الضحايا، ولن يجني منها إلاّ
القذّافي وإبناؤه، أيّ ترسيخ حكمهم وطلي وجوهم
البشعة في عيون الرأي العام الغافل أو الجاهل،
ولكن إلى حين، فالتداعيات الخفيّة لن تجعلهم يفلتون لا من الملاحقات
الدوليّة، ولا من غضبة الشعب الليبي المقموع، والتي
ستشمل كلّ من تواطأ وشارك في هذا التلاعب الإجرامي بهذه المأساة،
وهي مأساة
ستثبت التطوّرات قريبا أنها من صُنع القذّافي!
|
||||
|
تعليقات القراء: |
|
|