|


10/07/2007
|

|
|
|
|
|
قبل الوحدة الأفريقية...
النموذج الليبي أولاً
بقلم: فضيل الأمين |
 |
|
|
تناقلت
وكالات الانباء العربية والأفريقية والعالمية خبر سعي الزعيم الليبي معمر
القذافي إلى إعلان ميلاد "الولايات المتحدة الأفريقية" خلال مؤتمر القمة
الأفريقي الذي عقد بأكرا في غينيا.
وأود في
بداية حديثي القول بأن فكرة القذافي هذه جيدة في حد ذاتها، فقد أدرك أهمية أن
تتكتل الدول الصغيرة مع بعضها البعض في عالم تسوده التكتلات والدول الكبرى.
فعالم اليوم تتقاسم النفوذ فيه الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الموحدة
والصين وروسيا والهند. وهذه الكيانات أما دول عظمى مثل الولايات المتحدة
الأميركية أو تكتل لدول عظمي أصغر وكبرى مثل الإتحاد الأوروبي أو دول كانت
عظمى في يوم ما ولا تزال تملك مقومات الدول العظمى مثل روسيا، أو دول كبيرة
وضخمة سكانياً وجغرافيا واقتصادياً مثل الصين والهند.
ويمكن
أن نقول أن الدول والتكتلات التي ذكرنا يمكن أن يتكتل بعضها مع بعض في
المستقبل ويصبح العالم عبارة عن أربعة كتل أساسية على الأكثر. في عالم مثل
هذا، يضيع فيه الصغير ويذوب فيه الهزيل لابد أن تلجأ الدول الصغيرة إلى
الإنضمام إلى إحدى الكتل الموجودة أو تكوين كتلة جديدة. وتلعب الجغرافيا دور
كبير في بناء التكتلات الحقيقية وإن كان يمكن للدول أن تكوّن تحالفات مع
كيانات أخرى لا تتصل بها جغرافياً. وهناك فرق بين التكتل والتحالف.
فالأول
يعني اندماج يؤدي إلى ارتباط عضوي بالتراضي كما نشاهد اليوم في أوروبا
والتوسعة المستمرة للإتحاد الأوروبي. والثاني يعني التنسيق والبرمجة المشتركة
في قضايا محددة هي محور التحالف سواء كانت سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.
والأولى تتجه نحو صيرورة نهائية والثانية قد تستمر وتتوسع وقد تتفسخ وتنتهي.
وقبل
فكرة "الولايات المتحدة الأفريقية" هذه كانت هناك تجربة "الوحدة العربية" ثم
تلتها "الوحدة المشرقية بين مصر وسوريا" ثم "الوحدة المغاربية"، ولم تنجح تلك
التجارب السابقة.
والسؤال
المنطقي هو لماذا فشلت تلك المحاولات ؟ ولماذا يتوقع المنادون بالوحدة
الأفريقية نجاحاً لم يُكتب لما سبق ؟
نظرياً،
مقومات نجاح تجربة الوحدة العربية هي أفضل من مقومات نجاح الوحدة الأفريقية.
بل مقومات نجاح الوحدة المغاربية يفوق كلاهما.
ففي
حالة الوحدة العربية نجد أن العوامل الجغرافية واللغوية والثقافية
والاجتماعية كلها تصب في صالح مشروع الوحدة، ويبقى العامل السياسي والذي يشمل
الإرادة السياسية والنظم (طبيعة النظم) والنخب الحاكمة من جهة والعامل
السياسي الدولي من جهة أخرى وعدد الكيانات (عدد الدول العربية) من جهة ثالثة،
من المعوقات التي أدت إلى فشل المشروع.
مشروع
الوحدة المغاربية كان يملك حظاً أوفر للنجاح. فالعوامل الجغرافية واللغوية
والثقافية والإجتماعية والدينية أكثر قوة والتصاقاً من سابقتها بل أن العدد
المحدود للدول ذات الشأن، خمس دول على الأكثر، كان يشكّل عامل نجاح آخر. ومع
هذا تعثرت التجربة وفشلت. فلم تثمر عملياً أية ثمرات حقيقة ولو محدودة بعد
مضي كل هذه السنين والاجتماعات والحوارات.
وهذا
يعيدني إلى فكرة مشروع "الولايات المتحدة الأفريقية". كيف يمكن ان نتوقع من
هذه القارة التي تشمل 53 دولة وتعاني من مشاكل سياسية واقتصادية وقبلية وحروب
وعنف وأمراض سارية وفقر ومجاعات، وفساد، وتموج باللغات العربية والفرنسية
والإنكليزية والسواحلية غيرها من عشرات بل مئات اللغات واللهجات المحلية أن
تتوحد في كيان واحد وتصبح تكتلاً واحداً قبل أن تتغلّب على المشاكل الأساسية
والآنية التي تئن تحتها على الأقل.
أولاً،
قبل أي توحّد محتمل لابد أن يثبت حكام أفريقيا اليوم أنهم قادرون على التصدي
والتعامل ومعالجة عدد من الملفات الأساسية التي تعاني منها القارة مثل وباء
الأيدز والملاريا والمجاعات القاتلة والحروب الأهلية والحروب بين الجيران
والحروب بالنيابة المدمرة التي تنتج ملايين اللاجئين والنازحين. قبل أن يثبت
هؤلاء الحكام قدرتهم على حل ولو عدد محدود من مشاكل هذه القائمة لن يقوموا
ولن يستطيعوا ولو حاولوا أن يبنوا تكتلاً ناجحاً ناهيك عن "ولايات متحدة
أفريقية".
ثانياً،
بناء تكتل يحتاح إلى عدد ولو محدود من الدول القوية والناجحة التي تشكّل
القطب والمحور والمغناطيس الجاذب للآخرين للإلتفاف حولها والإنضمام إليها.
هذه
الدول أو الدولة (في حالة عدد قليل من الدول مثل الإتحاد المغاربي) لابد أن
تكون نموذج ناجح على عدة أصعدة، نموذج ناجح سياسياً واقتصادياً وعلمياً
وشعبياً. نموذج يتمنى الآخرون أن يكونوا مثله ويتمنوّن أن يكونوا على صلة به
وأن يرتبطوا به. بمعنى آخر نموذج يتطلّعون إليه.
كان هذا
هو الحال في بداية مشروع الوحدة الأوروبية، فكانت بريطانيا وفرنسا وألمانيا
هي دول التي تمحور حولها المشروع. فكانت قائدة له ونموذجاً عملياً يستقطب
الآخرين. فهي دول ذات ثقل سكاني وتاريخي واقتصادي وسياسي وعسكري وعلمي وثقافي.
إذا
نظرنا إلى افريقيا اليوم، ماهي يا ترى الدول التي يمكن أن القائدة والنموذج ؟
دعنا
نبدأ بالدول ذات الثقل السكاني أو الجغرافي مثل نيجيريا (135 مليون) وجنوب
افريقيا (44 مليون ) ومصر (80 مليون) وكينيا (32 مليون) والجزائر (33.5 مليون)
وجمهورية الكونغو الديموقراطية (65.7 مليون) والسودان (39 مليون) وليبيا (6
مليون) والمغرب (33.7 مليون) وتنزانيا(39.3 مليون).
لكي
تنجح فكرة التكتل ومن ثم فكرة الولايات المتحدة الأفريقية، لأبد أن تكون من
بين تلك الدول التي ذكرنا، دول يمكن أن تكون المحور والنموذج والمثال الجاذب،
دول متقدمة نسبياً على مثيلاتها اقتصاديا وسياسياً وعلمياً، دول تملك مقومات
القيادة والريادة للمشروع. دول يتمنى بقية سكان القارة الأفريقية أن يكونوا
من مواطنيها أو ينعموا بحياة مثل التي ينعم بها مواطنيها. دول يرغب المواطن
الأفريقي أن يكون جزءاً منها، صديقاً وحليفاً لها. دول يعني القرب منها
والاندماج معها قوة ورفاهية وتقدم وأمن يضاف إلى حياة ذلك المواطن.
فيا ترى،
من من هذه الدول تمثّل ذلك ؟ نيجيريا التي ترزح تحت الفساد والتخلّف والجريمة
والفقر مع كل الخيرات النفطية وغير النفطية التي تحتويها أراضيها ؟ أم
السودان، ولا اريد أن افصل ؟ أم جمهورية جنوب أفريقيا التي
وإن تعتبر أكثر الدول الأفريقية تقدما، إلا أنها
تعاني من الفقر والمرض ومخلفات النظام العنصري البائد ؟
أم مصر التي نعلم جميعاً حالها ؟ أم الكونغو التي تعصف بها الحروب
والصراعات؟ أم الجزائر التي تعاني من التخلف والفساد والعنف والفقر على الرغم
من ثروتها النفطية والغازية الكبيرة ؟ أم ليبيا التي تمتلك مساحة ضخمة وموقع
وسطي وعائدات نفطية كبرى وعدد محدود من السكان ولكنها تعيش في عالم ما قبل
القرن التاسع عشر ما بين التخلف والفساد والفوضى السياسية والإقتصادية ؟
إن
التكتلات والوحدات والاتحادات هي أمور لا تنبع من فراغ ولا تستنبت في الهواء.
إنها تنبع من احتياجات عملية وظروف موضوعية، وتأتي استجابة لعوامل جذب واعجاب
وتطلّع. إنها تُستلهم ولا تُفرض. إنها مطالبة تطالب بها الشعوب بعد أن تفهم
وتدرك وترى فوائد وثمرات تحقيقها. أنها ليست شعارات نظرية جوفاء تصرخ بها
الحناجر وتلوح بها قبضات المتحمسين في الهواء. وفي غياب الدول النموذج وغياب
الديموقراطية في الدول الراغبة في الوحدة والتكتل لن ينجح أي مشروع تكتل أو
توحّد أياً كان. فوحدها فقط الدول التي تمارس الديموقراطية والتي تقدم مصلحة
البلد على مصلحة الحاكم أو العشيرة أو النخبة المتحكمة هي التي يمكن أن تتحد
وتتكتل وتندمج.
ومن هنا
نقول للحاكم الليبي، فكرتك جيدة وفهمك لعالم التكتلات ومستقبل العالم في محله،
ولكن أين النموذج وأين الدولة المثال. فلابد أنك سألت نفسك يوماً، بعد كل
التجارب السابقة، لماذا لا يريد أحد أن يتوحد معي ؟
الجواب
بسيط، ما الذي تتميز به ليبيا مما يجعل الآخرين يرغبون في الانضمام إليها
والارتباط معها ؟ كل من زار ليبيا في السابق ويزورها حاليا جاؤوا لجباية
المال والاستمتاع بالإعطيات. لا تتميز ليبيا بشئ سوى أنها كانت ولا تزال، وإن
كان بدرجة أقل، للعرب والافارقة وغيرهم البقرة الحلوب والبنك المفتوح
والخزينة التي لا باب لها.
وبدلاً
من محاولة تحقيق وحدات هي في حقيقتها (تحالفات بين أنظمة لخدمة مصالحها وضد
مصالج شعوبها في بعض الأحيان). هل يمكن أن نجعل من ليبيا دولة من الدول
الجاذبة، دولة من الدول المحورية التي تجتذب الآخرين لا بالرشوة وشراء الذمم
وإنما بالمثال العصري الحديث. دولة نموذج، دولة قانون، دولة مؤسسات، دولة
حرية وديموقراطية، دولة متقدمة اقتصادياً وعلمياً وثقافياً وعمرانياً، دولة
يفتخر المواطن الليبي بأنه من رعاياها ومواطينيها.
إذا
نجحت سيادة العقيد في ذلك فسيكون ذلك بداية الطريق لقيادة الآخرين، القيادة
بالنموذج وليس بالشعارات. عندئد عندما تتحدث ينصت لك الناس، وعندما تقترح
يوافق معك الآخرون. فلا يمكن أن تصلح بيوت الآخرين وبيتك متهالك منهار وشعبك
منهك جائع محروم ومكتوم الأنفاس.
ليبيا
اليوم ليست جنة الله في الأرض وأن كانت تملك من المقومات ما يجعلها إحدى تلك
الجنان.
فقبل "الولايات
المتحدة الأفريقية" نريد الولايات المتحدة الليبية الحرة والديموقراطية
والمتقدمة والقائدة والنموذج العملي لما يجب أن تكون عليه دولة في القرن
الواحد والعشرين.
فهل
يمكن أن يتحقق ذلك ؟
* كاتب صحفي ليبي من واشنطن
أرشيف الكاتب
|
|
|
libyaalmostakbal@yahoo.com