الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

24/06/05


 

 

الحبر  ..  والدم


تعودنا نحن سكان أحدى الحواري القديمة في مدينة طبرق الجلوس  على ناصية الشارع خلال الليالي للسهر، وكلمة شارع هنا تعبير مجازي فقط ، لأنه لا يوجد شارع بمعنى الكلمة ، فهي أزقة متعرجة عرفتها خلال ستينات القرن  الماضي ، وأنا طفل وعايشتها عام  بعام حتى الآن ، كان الكبار يجلسون متحلقين حول لعبتهم المفضلة ( الشيزة) أو يتبادلون الحكايات والذكريات عن  الحرب العالمية الثانية ، أو أخبار جمال عبد الناصر والاستعمار ، أما الآن فقد جاء دورنا نحن ، في حمل ميراث  الآباء  والأجداد ، جاء الدور لي ولجيلي للجلوس في نفس المنتديات مع الفارق ، فلم تعد ذكريات الحرب العالمية ولا  جمال عبد الناصر وثورته من اهتماماتنا ، كما أن الجالسين الآن لديهم قدر من المعرفة والثقافة ، فجلهم من المتعلمين  والموظفين ، ولهذا تجد لأحاديثهم ونقاشاتهم وآرائهم معاني واستنتاجات تخص الواقع المعاش ، ولقد حرصت على تلخيص وتدوين محاور بعض هذه النقاشات ، وإليك ما دونته أخيرا في أحدى هذه السهرات وكان النقاش بين أحد الصحفيين وهو ضيف (أقصد على المنتدى لا ضيف الغزال يرحمه الله ؛ فذاك قال كلمته ومضى ) ، وأحد المقيمين ويدعى المقهور .

 

بدأ الحديث عن الصحافة والصحفيين :


أحد الحضور ـ الصحافة هي السلطة الرابعة كما يقولون .
المقهور ـ ذلك عن الصحافة في العالم الخارجي أما عندنا فلا .
الصحفي ـ وعندنا أيضاً في النظام الجماهيري الصحفيون يقومون بواجبهم .
المقهور ـ هل يعرف الأخ شروط النقاش في هذا النادي ؟
الصحفي ـ أعرف وقد أخبرني عنها الحاج (الدايخ) لا غضب لا ( ابصاصة) وهذا يعني تحمل الرأي الآخر ومقارعة الحجة بالحجة ، بدل الغضب و تهديد الآخرين بالوشاية بهم ، وهذا جوهر ولب الديمقراطية .

ـ حسناً .  سمعتك تذكر قيام الصحفيين بواجبهم ، أسألك سؤالاً ، هل قرأت النظرية النسبية  لإنشتاين ؟
ـ نعم . ولكن ما دخلها فيما نحن فيه ؟
ـ سيدي .. إنما ترددونه في صحافتكم من حديث عن الحرية ، والديمقراطية ، واحترام  قيمة الإنسان  هو  صحيح  ولكن  من  جهتكم  أنتم  من  الزاوية  التي  تنظرون  منها  أنتم  .
ـ لم أفهم  قصدك  تماماً .    
ـ سأوضح  لك : عندما تتحدثون عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان فلن يكون  المقصود نحن ، حريتنا ، ديمقراطيتنا ، إنساننا ، وإنما تلوكون ألفاظاً وضعت على ألسنتكم  .
ـ الإنسان هو الإنسان والحقوق واحده  وبالعكس قد يتوفر لإنساننا الجماهيري ما يتمناه غيرنا تمنياً ، ولا يوجد إنسان على ظهر الأرض يمتلك السلطة ، والثروة ، والسلاح ، إلا في ليبيا .
ـ سيدي هذا بالضبط ما أقصده بسؤالك عن النظرية النسبية ، هذه وجهة نظرك أنت ، هذا ما عُلمته ولـُقنته أنت ، هذا ما يراه من تكتب لهم من خلال حراسهم والمحسوبين عليهم والمحيطين بهم ؛ فكل شيء يملكونه فعلاً أما بالنسبة للشعب الليبي فواقع الزمان والمكان والمآل كلها تناقض ما قلته الآن .
ـ  الزمان والمكان والمآل ... كيف ؟
ـ الزمان ستة وثلاثون عاماً . المكان لن نذهب بعيداً هذا الحي الذي نجلس به ، المآل سأتركه لك فقط أخلع النظارة لترى جيداً .
ـ أنت تظلمنا بهذا .. أغلب الزمن الذي ذكرته لم يكن لنا كنا محاصرين ؟
ـ هل أنتم تؤمنون بمحاسبة المخطئ والمتسبب في الأذى على أخطائه ..؟
ـ هذه من البديهيات ونؤمن أيضاً بمكافأة المحسن على إحسانه .
ـ حسناً .. لنسلم رغم معرفتنا بالحقيقة أنكم كنتم محاصرين .. لا أحد يحاصر أحداً هكذا .. و ما أظن مكافأتكم وعدالتكم  إلا وفق هوى الجاني .. على حساب ضحاياه .
ـ سأجيب فقط على الشق الأول من تساؤلك ..السبب هو التمسك بالقيم بالدفاع عن المبادئ  .  
ـ القيم والمبادئ كلام.. و إعلان عدم التخلي عنها  كلام  .. وتبرير التراجع عن الكلام  كلام .. ويبقى الفعل الوحيد المتجسد للعيان هو التخلف ، هو أنكم أصبحتم مضرب الأمثال في السوء ألا تتابعون ، ما يقال عنكم خارج خيمة الخيال التي تعيشون فيها .
ـ أنت تكرر كلمة كلام وكأنه لا فعل لنا أقصد من أدافع عنهم وأكتب لهم في صحفهم .
ـ  حسناً.. اعترافك أنك مجرد مدافع عن موكليك أو عن ما تتقاضاه من أجر أمر جيد ..أما تكراري لكلمة كلام ، فهو أني أرى أن من تدافع عنهم قد صنعوا دولة من كلمات من شعارات ، وأنهم أمعنوا في الكلام والأوهام ، فلا همَّ لديهم إلا الكلام . يقطعون علاقاتهم بالدول نتيجة الكلام ، و يصلونها أيضاً بسبب الكلام ، ألم ترهم ومنذ أيام يخصصون قرابة النصف مليار  460 مليون دولار، لإسكات الكلام ، أقصد القنوات الفضائية  ؟ ، حتى غدوا الممول الرئيسي لمعظم القنوات الإخبارية والصحف شراء لسكوتها . 
ـ ما تقوله الآن خطير وأحرص على ألا يسمعه أحد خارج ناديكم هذا !!.
ـ شكراً للنصيحة..ولابد أن أبادلك بالمثل ونصيحتي لصحافيينا هي أن هؤلاء الذين تدافعون عنهم لا يوجد فرد من الشعب الليبي ، لم يطله ظلمهم وعدوانهم وإراقتهم الدماء ، و لن يكون آخرهم زميلكم ضيف الغزال ، ولا تعتقدون أن الناس تنسى الدماء ، فلا تشاركوهم جرائمهم بتبريرها ، وحين تنمقون وتزوقون و تـُجِّيرون لهم ، فأنكم تريقون حبراً سفاحا ، فهل يَجْـبرُ الحبرُ المسفوحُ نفاقاً و هدرا ، الدمَ المسفوك َ ظلماً و غدرا  ؟؟ هل ؟. 
                                                                              
صقر بلال
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع