الحبر .. والدم
تعودنا نحن سكان أحدى الحواري القديمة في مدينة طبرق الجلوس على ناصية
الشارع خلال الليالي للسهر، وكلمة شارع هنا تعبير مجازي فقط ، لأنه لا يوجد
شارع بمعنى الكلمة ، فهي أزقة متعرجة عرفتها خلال ستينات القرن الماضي ،
وأنا طفل وعايشتها عام بعام حتى الآن ، كان الكبار يجلسون متحلقين حول
لعبتهم المفضلة ( الشيزة) أو يتبادلون الحكايات والذكريات عن الحرب
العالمية الثانية ، أو أخبار جمال عبد الناصر والاستعمار ، أما الآن فقد جاء
دورنا نحن ، في حمل ميراث الآباء والأجداد ، جاء الدور لي ولجيلي
للجلوس في نفس المنتديات مع الفارق ، فلم تعد ذكريات الحرب العالمية ولا
جمال عبد الناصر وثورته من اهتماماتنا ، كما أن الجالسين الآن لديهم قدر من
المعرفة والثقافة ، فجلهم من المتعلمين والموظفين ، ولهذا تجد لأحاديثهم
ونقاشاتهم وآرائهم معاني واستنتاجات تخص الواقع المعاش ، ولقد حرصت على تلخيص
وتدوين محاور بعض هذه النقاشات ، وإليك ما دونته أخيرا في أحدى هذه السهرات
وكان النقاش بين أحد الصحفيين وهو ضيف (أقصد على المنتدى لا ضيف الغزال يرحمه
الله ؛ فذاك قال كلمته ومضى ) ، وأحد المقيمين ويدعى المقهور .
بدأ الحديث عن الصحافة والصحفيين :
أحد الحضور ـ الصحافة هي السلطة الرابعة كما يقولون .
المقهور ـ ذلك عن الصحافة في العالم الخارجي أما عندنا فلا .
الصحفي ـ وعندنا أيضاً في النظام الجماهيري الصحفيون يقومون بواجبهم .
المقهور ـ هل يعرف الأخ شروط النقاش في هذا النادي ؟
الصحفي ـ أعرف وقد أخبرني عنها الحاج (الدايخ) لا غضب لا ( ابصاصة) وهذا يعني
تحمل الرأي الآخر ومقارعة الحجة بالحجة ، بدل الغضب و تهديد الآخرين بالوشاية
بهم ، وهذا جوهر ولب الديمقراطية .
ـ حسناً . سمعتك تذكر قيام
الصحفيين بواجبهم ، أسألك سؤالاً ، هل قرأت النظرية النسبية لإنشتاين ؟
ـ نعم . ولكن ما دخلها فيما نحن فيه ؟
ـ سيدي .. إنما ترددونه في صحافتكم من حديث عن الحرية ، والديمقراطية ، واحترام
قيمة الإنسان هو صحيح ولكن من جهتكم أنتم
من الزاوية التي تنظرون منها أنتم .
ـ لم أفهم قصدك تماماً .
ـ سأوضح لك : عندما تتحدثون عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان فلن
يكون المقصود نحن ، حريتنا ، ديمقراطيتنا ، إنساننا ، وإنما تلوكون
ألفاظاً وضعت على ألسنتكم .
ـ الإنسان هو الإنسان والحقوق واحده وبالعكس قد يتوفر لإنساننا الجماهيري
ما يتمناه غيرنا تمنياً ، ولا يوجد إنسان على ظهر الأرض يمتلك السلطة ، والثروة
، والسلاح ، إلا في ليبيا .
ـ سيدي هذا بالضبط ما أقصده بسؤالك عن النظرية النسبية ، هذه وجهة نظرك أنت ،
هذا ما عُلمته ولـُقنته أنت ، هذا ما يراه من تكتب لهم من خلال حراسهم
والمحسوبين عليهم والمحيطين بهم ؛ فكل شيء يملكونه فعلاً أما بالنسبة للشعب
الليبي فواقع الزمان والمكان والمآل كلها تناقض ما قلته الآن .
ـ الزمان والمكان والمآل ... كيف ؟
ـ الزمان ستة وثلاثون عاماً . المكان لن نذهب بعيداً هذا الحي الذي نجلس به ،
المآل سأتركه لك فقط أخلع النظارة لترى جيداً .
ـ أنت تظلمنا بهذا .. أغلب الزمن الذي ذكرته لم يكن لنا كنا محاصرين ؟
ـ هل أنتم تؤمنون بمحاسبة المخطئ والمتسبب في الأذى على أخطائه ..؟
ـ هذه من البديهيات ونؤمن أيضاً بمكافأة المحسن على إحسانه .
ـ حسناً .. لنسلم رغم معرفتنا بالحقيقة أنكم كنتم محاصرين .. لا أحد يحاصر
أحداً هكذا .. و ما أظن مكافأتكم وعدالتكم إلا وفق هوى الجاني .. على
حساب ضحاياه .
ـ سأجيب فقط على الشق الأول من تساؤلك ..السبب هو التمسك بالقيم بالدفاع عن
المبادئ .
ـ القيم والمبادئ كلام.. و إعلان عدم التخلي عنها كلام .. وتبرير
التراجع عن الكلام كلام .. ويبقى الفعل الوحيد المتجسد للعيان هو التخلف
، هو أنكم أصبحتم مضرب الأمثال في السوء ألا تتابعون ، ما يقال عنكم خارج خيمة
الخيال التي تعيشون فيها .
ـ أنت تكرر كلمة كلام وكأنه لا فعل لنا أقصد من أدافع عنهم وأكتب لهم في صحفهم
.
ـ حسناً.. اعترافك أنك مجرد مدافع عن موكليك أو عن ما تتقاضاه من أجر أمر
جيد ..أما تكراري لكلمة كلام ، فهو أني أرى أن من تدافع عنهم قد صنعوا دولة من
كلمات من شعارات ، وأنهم أمعنوا في الكلام والأوهام ، فلا همَّ لديهم إلا
الكلام . يقطعون علاقاتهم بالدول نتيجة الكلام ، و يصلونها أيضاً بسبب الكلام ،
ألم ترهم ومنذ أيام يخصصون قرابة النصف مليار 460 مليون دولار، لإسكات
الكلام ، أقصد القنوات الفضائية ؟ ، حتى غدوا الممول الرئيسي لمعظم
القنوات الإخبارية والصحف شراء لسكوتها .
ـ ما تقوله الآن خطير وأحرص على ألا يسمعه أحد خارج ناديكم هذا !!.
ـ شكراً للنصيحة..ولابد أن أبادلك بالمثل ونصيحتي لصحافيينا هي أن هؤلاء الذين
تدافعون عنهم لا يوجد فرد من الشعب الليبي ، لم يطله ظلمهم وعدوانهم وإراقتهم
الدماء ، و لن يكون آخرهم زميلكم ضيف الغزال ، ولا تعتقدون أن الناس تنسى
الدماء ، فلا تشاركوهم جرائمهم بتبريرها ، وحين تنمقون وتزوقون و تـُجِّيرون
لهم ، فأنكم تريقون حبراً سفاحا ، فهل يَجْـبرُ الحبرُ المسفوحُ نفاقاً و هدرا
، الدمَ المسفوك َ ظلماً و غدرا ؟؟ هل ؟.
صقر بلال