|
"فهؤلاء
الطلبة "الغاضبون والشجعان" كما وصفهم نيلسون مانديلا لم يغيروا الواقع
في بلادهم بحسب بل في الخارج أيضا حيث كان لصور القمع الوحشي و الأعمى
لنظام التمييز العنصري تأثير هائل." (1) |
وهنا نتحدث عن ثورة الطلاب في سويتو في 1976 والتي شكلت منعطف
حاسم في النضال ضد الفصل العنصري.
((وفي مذكراته كتب مانديلا لاحقا إن "حوادث ذلك اليوم ترددت
أصداؤها في كافة معازل جنوب إفريقيا و أصبحت جنازات ضحايا أعمال العنف التي
مارستها الدولة نقاط التقاء وطنية. فجأة التهبت مشاعر الشبان في جنوب أفريقيا
بروح الثورة والتمرد".)) (2)
لقد ذكرني هؤلاء الثوار المتظاهرين في سويتو في 1976 بجماعة
المناضلين أصحاب المبادئ الحرة ( الدكتور الصديق إدريس بو فايد، السيد فتحي
الجهمي، الكاتب جمال الحاجي، الأخ الكريم عبدالرزاق المنصوري، الصحفي الشهيد
ضيف الغزال، وغيرهم) المقاومين الشرفاء، والمجاهدين الحق.. الناطق الرسمي
باسم الشعب الليبي، والممثل الحقيقي عنهم..
رأيتهم في لقاء المبادئ الحرة حول الطاولة المستديرة.. لم
يبدلوا أو يغيروا، رأوا طريقهم واضحاً جلياً.. طريق النضال السلمي المفتوح..
وهم في ذلك ليسوا بدعا من المناضلين، أو حالة مستحدثة من حالات المقاومة
الصادقة الخالصة.
فقد عرف نضال المناضل الكوبي خوسيه مارتي (أب الثورة الكوبية)
ودوره في مقاومة الأسبان الغزاة بأنه ((التبشير بالحرب السخية المنزهة عن كل
عمل عنيف خالية من كراهية الأسبان))
(3)
رغم أنه أسس للثورة المسلحة ورتب لها ؟ بل و نظّر لها سنوات
طويلة ؟! و لكنه هو هو صاحب هذه الكلمات، وكان يردد دائمًا قوله: ((إن شغفي
بالعدالة ومقتي للرذيلة مهما كانت بسيطة هما رسالتي في الحياة)).
(3)
وانظروا يا سادة كيف ينظّر للثورة والتمرد على الحالة التي
كانت سائدة حين يقول: ((لم يعد ممكنًا أن نظل شعبًا شبيهًا بأوراق حياتها في
الهواء، فيما الأفنان مكللة بالزهور، أوراق تتطاير أو تتهادى كما تريد لها
الريح، وتتهشم أو تبلل كما تشاء لها العواصف، لا بد للأشجار من الاصطفاف
لتحول دون مرور المارد.. لقد آن أوان الجد)).
(3)
((وبالفعل تم ذلك في 1892 حين أسس الحزب الثوري الكوبي، الذي
جعل فلسفته أن التحرير سيأتي حين نتنازل جميعًا عن مصالحنا الشخصية؛ حتى إنه
رفض أن يسمى رئيسًا أو زعيما للحزب، واختار تسمية مندوب، وأصدر جريدة "باتريا"
(الوطن)؛ لتكون لسان حال الحزب، وبدأ في جمع التبرعات لشراء السلاح)).
(3)
وانظروا يا سادة لخطابه إلى تلميذه المخلص "كيسادا" في الأول
من أبريل 1895 حول الثورة القادمة يقول فيه: ((وفيما يختص بكوبا؛ ما الذي
يمكن أن أكتبه عنها ؟ أراني لا أجد صفحة واحدة جديرة بها، إنما العمل الذي
سنقوم به هو ما تستحقه)). (3)
وحين حانة ساعات الجد وأيام العمل الحقيقي واقتربت لحظات
العودة الحبيبة إلى نفوس كل صاحب مبدأ حر قال: ((لَمْ أحس بأني رجل إلى أن
جاء هذا اليوم! لقد عشت حياتي خجلاً من نفسي، أجر الأغلال التي تكبل وطني،
استعدادي للتضحية خفّف عني عبء الجسد، أحس بروحي وقد غدت نقية غير مثقلة،
وأشعر بشيء أشبه ما يكون براحة الطفل؛ فهل للسماء شرفات، ومن إحداها يُطل
أولئك الأشخاص القريبون من قلبي؟))
(3) .. ((بهذه الكلمات الرقيقة الهادئة استقبل خوسيه
ما كان ينتظره، وكأنه يريد أن يبعد الشكوك عن نفسه، تلك التي تحيط المناضلين
إذا وصلوا إلى سدة الحكم، فها هو مارتي يقف مع المحاربين في سن الثانية
والأربعين، لا يقف في صفوف خلفية، ولا يكتفي بدوره السياسي ولا رئاسته للحزب،
ولا حتى بكونه أديبًا وفنانًا عظيمًا، بل يقف ممسكًا السلاح، وهو لم يعرف في
حياته سوى القلم والألم إلى جانب الأمل الذي تمسك به دومًا… ومات خوسيه في
أول معركة له ضد المستعمر بعد رحلة قصيرة لم تتعدَّ الثانية والأربعين.))
(3) ..؟!!
ماذا يا سادة؟ ما رأيكم فيما سمعنا ورأينا ؟! هذا هو الدرس
الواضح.. والذي لا تشوبه الشبهات.. أو تحوم حوله الشكوك.. الكلمات والتي ستظل
((عرائس من الشمع فإذا بذلنا دمائنا من أجلها، دبة فيها الروح))
(4).. هل فهمنا الدرس
وحفظناه ؟ كما فهمه أصحاب طاولتنا المستديرة ؟! أم أننا سنحتاج للمهاتما
غاندي حين ((يوضح أن اللاعنف لا يعتبر عجزا أو ضعفا، ذلك لأن "الامتناع عن
المعاقبة لا يعتبر غفرانا إلا عندما تكون القدرة على المعاقبة قائمة فعليا")).
(5)
ومن أساليب سياسة اللاعنف لتحقيق أهدافها "الصيام، المقاطعة،
الاعتصام، العصيان المدني، القبول بالسجن" والأهم من هذا كله عدم الخوف من أن
تقود هذه الأساليب إلى الموت.
ولهذا لا أرى ضيرا من أن أذكر لكم قول الشهيد (الزنجي
الأمريكي) مارتن لوثر كينغ: ((اللاعنف لا يعني تجنب العنف المادي مع الآخرين،
بل أيضاً العنف الروحي الداخلي. إنك لا ترفض إطلاق الرصاص على شخص آخر فقط،
بل ترفض أن تكرهه أيضاً))؟!6 ولهذا نحب أن نقول لمن يتهمنا بأننا لا نملك
المنهج أو الوسائل لمواجهة المغتصبين لحق شعبي ؟!! أو أننا ننادي لحرب داخلية
وحمل السلاح والإرهاب ؟!!! لا يا سادة.. لا هذه ولا تلك.. و لكن الوسائل
المشروعة للإعادة الحقوق يقرها المناضلون في وقتها و حسبما تقتضي الحاجة و
الظروف..
ولهذا فإن إستراتيجية العمل اللاعنفي ينقسم إلى ثلاثة أصناف
رئيسية وهي:
أولها: هو التظاهر
والإقناع، وهو يشمل تسيير المظاهرات والتجمعات العامة، وله أدوات مثل
اللافتات، الشموع، الزهور.
الصنف الثاني: هو
العصيان، أو الامتناع عن التعاون أو عدم الطاعة، وهو سلوك استراتيجي متعمد
يرفض التعاون مع الظلم.
الصنف الثالث: هو التدخل
اللاعنفي وهو سلوك لاعنفي متعمد يستخدم غالباً التدخل المادي لمواجهة موقف أو
حدث ظالم. مثل الاعتصام، احتلال المواقع، المرابطة حول الأشجار.
ويشمل أيضاً الإضراب عن الطعام، الإضرابات، والتجمعات
والعرائض والتواقيع، الامتناع عن دفع الضرائب، العرقلة، الحصار، الامتناع عن
الخدمة العسكرية، والمظاهرات العامة هي بعض الوسائل التي تم اعتمادها في
الحركات اللاعنفية.
ولن أنسى هنا مقالة مالكوم أكس (أحد أكبر نقاد سياسة اللاعنف)
حين قال: (("إن من الإجرام أن تعلم الرجل ألا يدافع عن نفسه، وهو يتعرض لهجوم
متوحش ومستمر". ويعتبر جيل جديد من المؤرخين بأن الدفاع المسلح عن النفس الذي
مارسه السود، والعنف الأهلي ساهم في الإصلاحات المتعلقة بالحقوق المدنية أكثر
مما ساهمت أخلاقيات والمناشدات اللاعنفية.)).
(6)
وهنا يا سادة أصل بكم إلى ما أريد التأكيد عليه
؟!
يا سادة يا كرام يجب أن لا نخلط الأمور حتى لا نضيع.. و
تأخذنا الأمواج بعيدا فنضل المنارة - لا أقصد بأي حال موقع المنارة على النت
..
يا سادة.. الإصلاح كنهج وهدف هو ما عرف من قديم نهج الأنبياء
والرسل والمصلحون.. ولأنه هدف و ليس ولا و لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة
نستخدمها متى احتجنا إليها و واتت الظروف ؟!
ومن هنا، وبما أنه هدف نسعى لتحقيقه فستضل الوسائل باب مفتوح لأنه وكما
تعلمنا (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)..
ولهذا فرض الله علينا فريضة الجهاد، و جعلها وسيلة لتحقيق
أمرين أساسيين: (أولهما حماية الحق، وثانيهما إزالة العوائق والتي تحول بين
الشعوب و بين الإصلاح الأعظم ؟ وهو نشر دين الحق).. ولهذا فإن سياسة أللاعنف
((لا تعني كذلك عدم اللجوء إلى العنف مطلقا "إنني قد ألجأ إلى العنف ألف مرة
إذا كان البديل إقصاء عرق بشري بأكمله"))
(5)
فالهدف من سياسة اللاعنف عند غاندي هي إبراز للمظالم من جهة
وتأجيج الرأي العام على هذا الظلم من جهة أخرى تمهيدا لإنهاء حالة الظلم هذه
أو على الأقل تطويقها والحيلولة دون انتشارها.
علي عبدالنبي العبار
1 و 2 . ثورة الطلاب في سويتو
في 1976 منعطف حاسم في النضال ضد الفصل العنصري – موقع أخبار- 15.06.2006
(http://www.akhbar.ma/_i2043_7.html)
3. المناضل الكوبي الراحل "مارتي": العرب.. هم الأكثر نبلاً - أحمد زين-
27.08.2001
(http://embacubalebanon.info/martijosear.html)
4. كلمات للأستاذ الشهيد سيد
قطب – رحمه الله -.
5. مهاتما غاندي، من ويكيبيديا ، الموسوعة الحرة.
6. لاعنف، من ويكيبيديا ، الموسوعة الحرة
مقالات سابقة
للكاتب:
أصحاب المبادئ الحرة (4): ليس السيد حسين مازق من يبكيه
أهله
أصحاب المبادئ الحرة (5): ولكن الله يعرفهم
أصحاب المبادئ الحرة (6): مقولة أحترمها إكبارا وإجلالً
أصحاب المبادئ الحرة (7) من علّم السباع مواء القططً (الجزء
الأول)
أصحاب المبادئ الحرة (7)
من علّم السباع مواء القططً (الجزء الثاني)
|