أمّ أنّ الديكتاتور القذافي كان مؤمنا إلى النخاع بالفكر الوحدوي العربي وعندما
لم يجد الأرضية المناسبة لتفعيل هذا الفكر وخصوصا بعد توالي النكسات والخيبات و
الإنهيارات في كل الواقع العربي راح يبحث عن ملاذ إيديولوجي آخر فرارا من
الأوجاع السرمديّة في الواقع العربي !
و بالإستناد إلى علم نفس تحليل الكاريزما والشخصيّات نستنبط أنّ العقيد القذافي
كان مصابا بداء تقديس الآنا من جهة وكان مولعا بالفكر الوحدوي العربي من جهة
أخرى بل إنّ هناك ملازمة طرديّة بين الأمرين في ماهيّة شخصية الطاغوت معمّر
القذافي , وعندما لم يؤدّ الفكر الوحدوي إلى تحقيق ذات العربيد معمّر القذافي
راح يبحث عن حيّز فكري وجغرافي آخر لتحقيق هذه الذات التي لها من الطموح الشيئ
الكثير خصوصا وأنّها ذات عسكرية ووصلت إلى دوائر القرار في سنّ مبكرّة للغاية .
ومن العوربة و إلى الأفرقة حاول القذافي أن يتحرّك في مواقع جغرافية لا تؤمن
بالإيديولوجيا بتاتا بحكم الجوع السائد فيها و الفقر المدقع الذي يلف حالتها
العامة رغم غزارة الثروات الباطنيّة و الظاهرة فيها , وهنا بذل القذافي الكثير
من الدولارات لتطويع إفريقيا المضطربة بين الأمركة والفرنسة والأنجلزة والصهينة
ونجح مع بعض الزعماء الأفارقة في خلق الإتحّاد الإفريقي خلفا لمنظمّة الوحدة
الإفريقية , غير أنّ تغيير عنوان منظمة الوحدة الإفريقية لم يغيّر من واقع
إفريقيا في شيئ , و الأعباء السياسية و الإجتماعية و الأمنية والعسكرية و
الثقافية و صراعات الحدود فيها لا يقدر القذافي على مجابهتها أو تطويقها خصوصا
مع كثرة اللاعبين الكبار في الساحة الإفريقية وتعدد الصغار الإقليميين الباحثين
عن أدوار في القارة الجائعة , وهنا بدأت بعض آمال القذافي تخيب في إفريقيا
خصوصا إذا علمنا أنّ بعض الحكّام الأفارقة الذين إستلموا مساعدات مادية من
ليبيا كانوا يأكلون من مائدة القذّافي ويصلّون في محراب الرئيس الأمريكي جورج
بوش .
وبعد نجاح أمريكا في الإطاحة بالرئيس العراقي السابق صدام حسين و إذلاله على
مرآى من العالمين , شعر العقيد معمّر القذافي أنّ الرسالة موجهّة إليه وإلى
أقرانه من حكّام العرب وهنا إستشعر القذافي أيضا أن ذاته في خطر فقلب ظهر
المجنّ للعوربة والأفرقة للحفاظ على الذات .
والضامن الأساس لإستمرار هذه الذات الحاكمة المتنفذّة راهنا هي أمريكا بحكم
الأمر الواقع وهنا قررّ العقيد معمّر القذافي وبسرعة البرق القضاء على كل
مسببات التوتر بين ليبيا والولايات المتحدة الأمريكية إلى درجة أنّ أمريكا رضيت
عن ليبيا في ظرف وجيز وقياسي لم يحدث من ذي قبل في أي علاقة متوترّة بين أمريكا
وأي دولة أخرى .
و نجح العقيد القذافي في الحفاظ على ذاته وحكمه ما دامت الذات هي الأصل والفكر
هو الفرع , وبهذا الشكل أيضا ينتقل العقيد معمّر القذافي من موقع التنظير
والتأصيل إلى موقع التأثّر والتلقي ومن شخصية يبانيّة متأمركة هي فرانسيس
فوكوياما الذي أكدّ في كتابه نهاية التاريخ أنّ النموذج الليبيرالي الغربي هو
المنتصر والفائز و له طويت الوسادة في قرننا المنصرم و قرننا الراهن وقرننا
المقبل .
و فوكوياما المفكّر الأمريكي الذي كان في عرف الدجال القذافي مفكرّا أمبرياليّا
إستعماريا رجعيا ظلاميا يصبح ملهما وواقعيا وبراغماتيا ومقبولا . ويؤكّد العقيد
القذافي بما أقدم عليه وبسرعة البرق صحّة نظرية فوكوياما فيما فوكوياما ودولته
أمريكا تعتبر الكتاب الأخضر والنظرية الثالثة من ترهّات أحلام اليقظة.
وأخطر ما في الموضوع
في الزمن الأمريكي الراهن أننا وفي ظرف ثواني تخلينا عن ثوابتنا ومنطلقاتنا
وفكرنا و مبادئنا وخططنا وإستراتيجيتنا , وفي الوقت الذي يسجّل فيه الغرب
الإنتصار تلو الإنتصار نسجّل نحن التراجع تلو التراجع , فمن قال أنّ العولمة
الأمريكية لم تخرجنا من جلودنا !!