استئناف العلاقات الأمريكية
الليبية بشكل معلن ورسمي ابتداء من يوم الاثنين 15 ماي 2006 لم يكن حدثا
عاديا بالمرة في تاريخ المنطقة العربية وذلك لعمق مايحمله من مغازي
ودلالات.
ولئن حاول روبرت زوليك مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى
أثناء تصريحات اعلامية أدلى بها من العاصمة التونسية هذا اليوم الجمعة
ارخاء شعرة معاوية واحتواء شيء من الصدمة التي أصابت
بعض قوى المعارضة الليبية ,الا أن خلفية قرار واشنطن دقت جرس تنبيه هام
للمعارضات العربية بأن المراهنة السياسية على الارادة الأمريكية في احداث
تغييرات جذرية بالمنطقة العربية من شأنه أن يكون محل نسبية الم نقل محل
تقويم واعادة نظر.
دلالات القرار في مركزيتها تؤكد مرة أخرى على أن العلاقات الدولية في
مرحلتها الحالية لاتخضع مطلقا لاعتبارات احترام الأنظمة لحقوق النسان أو
مدى مراعاتها لمسار الدمقرطة ,بقدر ماأن المصالح الاستراتيجية العسكرية
والمصالح الاقتصادية الكبرى علاوة على الاعتبارات الثقافية والدينية تشكل
العامل المحدد والرئيس في ترتيب دفئ هذه العلاقات من عدمه.
وعلى هذا الأساس فان بيت القصيد في تردي علاقات واشنطن مع كل من سوريا
وايران وبدرجة أقل كوريا الشمالية أو بعض أنظمة أمريكا اللاتينية لايعود في
حقيقته الى انتهاك هذه الأنظمة للمعايير العالمية لحقوق المواطنة والانسان
,بقدر ماأنه يعود الى تمايز وتضاد في المصالح الايديولوجية والعسكرية
والاقتصادية وهو ماتمثله بحدة في التغاير ايران وفينيزولا وكوبا وسوريا
والسودان كأمثلة...
حقوق الانسان لم تعد تشكل بعيد اسقاط نظام صدام وطالبان مرجعية روحية
وأخلاقية في خطاب ادارة المحافظين الجدد وذلك لاعتبارات تتعلق باحراجات
ترتبت عن ضريبة الاحتلال واستعمال أساليب القوة في تغيير أنظمة سياسية
مشاكسة ومغلقة.
حقوق الانسان مازالت في خطاب المعارضات العربية حجة ترددها مجهدة النفس من
أجل اقناع الدول النافذة بضرورة الضغط على الأنظمة وركوب قاطرة
الاصلاح,ولكن الأنظمة العربية فهمت أن دغدغة عواطف واشنطن عبر مغازلة
الدولة العبرية وتطوير العلاقات معها من شأنه أن يشكل رشوة سياسية من أجل
الاستمرار في الحكم بقبضة حديدية .
فزاعة نمو التيار الاسلامي في ظل مناخات الحرية باتت هي الأخرى حيلة
تستعملها أنظمة الحل الأمني والكرباج السياسي من أجل ابقاء الأوضاع على
حالتها السياسية المتردية ,ولعل أمثلة كل من تونس ومصر وربما ليبيا بشكل
غير معلن خير دليل على ذلك .
الرسالة التي حملها قرار واشنطن الأخير تجاه ليبيا أكثر دول المنطقة
انغلاقا سياسيا وعدم مواكبة لتحديات العصر السياسية والادارية ,من شأنها أن
تباعد بين المعارضات المرتكزة على خطاب أخلاقي وانساني وحقوقي وبين
الولايات المتحدة ,وذلك بحكم ماشكله هذا القرار من تخل عن ثابت معلن في
الخطاب الأمريكي تجاه الجماهيرية منذ سنة 1979.
ولعل مثل هذا القرار سيخرج المعارضة الليبية كما المعارضات العربية من
دائرة الصدمة الى دائرة المراهنة على الفعل الداخلي بعيدا عن تعليق الأحلام
على تدخل الباب الأمريكي العالي وربما معاودة النظر في التجارب السياسية
الداخلية بناء على الممكن والمتاح وليس المراهنات الخارجية,غير أنه يستثنى
من ذلك الوضع السوري وذلك بحكم تقاطع المصالح الأمريكية الانية مع مصالح
المعارضات السورية وتقاطع الموضوع مع ارادة أمريكية في احكام الطوق على
عناصر الممانعة في "التسوية" الاسرائيلية .
رسالة واشنطن لم تكن حمالة للأوجه والدلالات بقدر ماأنها كانت قطعية الورود
والافادات,فجهد المعارضات العربية ضيع وقتا غير يسير في التوسل والابتهال
والتقرب من عواصم غير عربية,ظنا من الكثير بأن طريق المعارضة العراقية
والأفغانية يمكن أن يكون سالكا نحو احداث تغييرات جذرية على مستوى أنظمة
المنطقة,غير أن الاشارات التي أعطاها مثل هذا القرار والتفاف أكثر من عاصمة
غربية على نتائج الانتخابات الفلسطينية بعد أن شهدت اللجنة الخماسية
الدولية بشفافية الانتخابات, من شأنه أن يدفع النخب الى اعادة التأمل في
أساليب عملها السياسي بناء هلى تجارب شعوب أمريكا اللاتينية وتنظيماتها
وتجارب الحركات الاسلامية الجماهيرية المعتدلة ومصابراتها ..
ان المطلوب في المرحلة القادمة ليس على وجه الاطلاق استعداء لواشنطن
والعواصم الغربية النافذة فمثل هذه الأطراف لابد من الحفاظ على علاقات
طبيعية وبراغماتية معها ولكن المطلوب بشكل أشد الحاحية هو التوجه الى
معاناة الجماهير وحمل همومها ومخاطبتها من داخل بلدانها وتحفيزها من أجل
الدفاع عن مصالحها ورفع روح الأمل في صفوفها مع مطاردة أسباب اليأس من بين
ظهرانيها ,كل ذلك مع حركة تأطيرية دائبة تعطي دفعا لأشكال العمل النضالي
الميداني مثلما هو حاصل هذه الأيام في مصر والقاهرة حيث تنذر ثورة القضاة
بثورة شعبية عارمة من شأنها أن تعيد الاعتبار للجماهير والنخب وهياكلهم في
تحديد مصائر الشعوب والبلدان.