
بعد أن تم
إعلان الدولة الليبية منذ اكثر من نصف قرن , بدأ أكثر رجال السياسة الليبية
منذ ذلك اليوم في التسويق لبعض الأفكار الخاطئة ,ومحاولة جعلها تبدو
كأنها من تراثنا الفكري , واهم هذه الأفكار هي:
1-جعل كل من
يجلسون على كراسي الدولة الليبية يتمتعون بصفة القداسة .
2- جعل ما تقوم
به الدولة الليبية من أعمال يبدو كأنة من المعجزات .
وقد كانت تلك
الأفكار الخاطئة هي السبب الرئيسي لهذه الحالة الاجتماعية والفكرية السيئة
التي اصبح يعيشها إنسان ليبيا اليوم .
ونحن نعلم أن
هذه الأفكار قد تم الإعجاب بها منذ بداية تسويقها , من بعض فئات
المجتمع الليبي المريضة , وأصبحت تلك الأفكار تتسلل لمواقع أخرى من
المجتمع , وبدلا من أن يكون رجال الدولة هم فقط المقدسين وأعمالهم من
المعجزات , أصبح رب الأسرة , وكبار السن , وشيخ القبيلة , والشخصيات
المشهورة , ورجال الأعمال , هم أيضا مقدسين وأعمالهم من المعجزات أيضا ,
وشخصيات أخرى تضاف لهذه القائمة كل مرة حسب ما يطلبه سوق تلك الفئات
المريضة.
ونحن نعلم أن
صفة القداسة عندما تلتصق بشخصية معينة من المجتمع , تجعل الإعجاب بأفكار
وأعمال تلك الشخصية مهما كانت تلك الأفكار والأعمال خاطئة يصبح هو الشيء
الصحيح بالمجتمع , وتجعل محاولة نقد الأعمال الخاطئة لتلك الشخصية المقدسة
يصبح هو الشيء الخاطئ بالمجتمع , بل يصبح من المحرمات .
ومع مرور
الزمن وازدياد عدد المعجبين بتلك الأفكار الخاطئة , أصبح المجتمع الليبي
يبدو كمثل مجموعة من الناس المقدسين الذين يعيشون بمدن هذا الوطن , تكون
بينهم عقد اجتماعي جديد , وهو لا تنقدني ولا أنقدك , حتى تسير حياتنا
هكذا وأن نكون جميعا مقدسين , مثلما أراد الأباء المؤسسين لهذه الدولة
العظيمة المقدسة .
وأصبح الإنسان
الليبي الذي يعيش في أزمة حقيقية منذ طفولته , فمنذ ولادته يجب علية
ان يتعايش مع تلك الشخصيات الليبية المقدسة ابتداء من الأب إلى كبار السن
والمدرسين ودكاترة الجامعات الليبية , شيخ قبيلته و و...من الشخصيات الليبية
الأخرى المقدسة , ويبدأ في التعليم منذ بداية حياته أنه من العيب أن
تقوم بنقد شخص آخر مهما كانت أعماله خاطئة وخطرة.
ونحن نعرف أن
الإنسان الذي يفقد صفة النقد لأعمال الآخرين الخاطئة , ولا يجد أحد
يقوم بنقد أعماله هو الخاطئة تصبح حياته بدون هدف وأمل , يفقد الإحساس
بالمسؤولية تجاه مجتمعه , حتى أنه قد يخرج في الصباح من المنزل ويرى
عملا خاطئا ويعرف أنة قد تسبب بضرر الناس ولا يعمل شيئا من أجل حماية
الآخرين , وما يفعله بعد أن يسمع أن ذلك العمل الخاطئ قد قتل أحد
الرجال , هو الجلوس على أحد الكراسي البيضاء , والتحدث بدون خجل
للآخرين عن رؤيته لذلك العمل الخاطئ وأنه كان يعرف أن ذلك العمل سيقتل
أحد الناس قبل أن يقتل ذاك الرجل , ولا يقوم أحد الجالسين بجانبه بنقده
وإفهامه أنه قد أصبح مسؤولا عن موت ذلك الرجل .
وفقدان الإنسان
الليبي الإحساس بمسئوليته تجاه الآخرين , هي التي جعلت هذه الدولة تسير
إلى الخلف منذ بدايتها , وذك نتيجة لتلك الأفكار الخاطئة , والتي جعلتنا
نظن أن عدم نقدنا لأعمال رجال الدولة هو الذي سيجعلنا نسير للأمام .
ولكن من المؤسف
أنه حتى يومنا هذا أن اكثر رجال السياسة والفكر الليبية لازالوا يظنون
أن مجرد تغيير من يجلسون على كراسي الدولة هو فقط الحل الصحيح والنهائي
لمشاكل ليبيا , وهم ينسون أن المادة الخام لقيام كل دولة هو الإنسان
مهما كان بعيدا عن كراسي الحكم , وأن إنجازات كل دولة ما هو بكل
بساطة إلا المجموع لإنجازات أفراد تلك الدولة , وأن رجال الفكر
الليبي يجب أن يعملوا على تغيير أفكارهم أولا وبعد ذلك يقوموا
بمساعدة إنسان ليبيا للتخلص من أمراضه , حتى نستطيع أن نقيم دولة
صحيحة تسير إلى الأمام , إلا إذا كان رجال الفكر الليبي لا زالوا
هم أيضا رجالا مقدسين وأفكارهم الخاطئة لا زالت هي كذلك من المعجزات
.
والى اللقاء ..
عبد الرازق المنصورى
طبرق - ليبيا
2003/6/20