02/12/2003


     


عشرية الإختفاء القسري... رسالة الى منصور الكيخيا
 
بقلم: بقلم: السنوسي بلالة


 
بسم الله الرحمن الرحيم
أستاذنا العزيز منصور:
 
سلامٌ من الله عليك، أين ما كنت، ورحمةٌ منه وبركات... وبعد:
 
من المؤسف حقاً ألاَّ يكون في مستطاعنا، في ذكرى اختطافك المؤلمة، سوى اجترار ذكراك وذكرياتك معنا فقط لا غير. ...أجل، فعلى الرغم من كل المساعي الحميدة للِّجان (الطوعية) التي تكوَّنت تضامناً مع قضيتك وسعت من أجل فك طلاسمها، وعلى الرغم من كل الجهود (الفردية والجماعية) لمحبِّيك، ولمن يعتزُّون بك صديقاً ومناضلاً صلباً، وعلى الرغم من بذل معارفك، بمختلف انتماءاتهم وشرائحهم وفئاتهم وتوزعاتهم حول العالم، وتقديمهم لعظيم عطاءاتهم وجهودهم... إلاَّ أن القضية كانت وما تزال أكبر من كل تلك النوايا الكريمة والطيبة التي تظل، بكل أسف، صغيرة ومتواضعة في مواجهة الطرف الآخر الكبير الممثل في الحكومات المعنية بقضية إخفائك القسري، أي تلك ذات المصلحة وتلكم المتواطئة معها ...فأنت هنا بحق، ورغم إرادتك، رهين السلطتين (في ليبيا ومصر).
 
لقد كانت حركتك ومن ثمَّ مواقفك مبنيَّة وناتجة أصلاً عن خلفيَّة ثقافية معينة، هي مزيج من صبر وطول أناة ووعي قانوني وديبلوماسي وسياسي، وقبل ذلك كله، إنضباط تنظيمي، تطور وتبلور في صورة أخرى، عبر الزمن والتجربة، ليتجاوز جفاف المصطلح والكُنه التنظيمي، ليصبح مجسماً آخر جوهره وظاهره إلتزام أدبي وأخلاقي تجاه الآخر، أياً كان هذا الآخر، صديقاً أو خصماً. ...فأعطيت بهذا السلوك المثَل والقدوة، الذي كان في طبيعته وواقعه سهلاً ممتنعاً، حيث تسهل محاكاته نظرياً وتستعصي ممارسته عملياً. فالعفوية الصادقة الصادرة من القلب، وحسن النية والطوية النابعة من شغافه، ظلت دائماً هي الرقم الصعب والعصي في معادلة التقليد والمحاكاة.
 
عزيزنا الأستاذ منصور،،
 
حريٌ بنا في هذه المناسبة أن نُشير إلى بُعد النظر الذي تميزت به، وبخاصَّة في ما يتعلَّق بأمور ومتعلّقات السياسة، فعودة منا بذاكرتنا إلى الوراء قليلاً (1988م./1989م.) نلحظ خلالها مدى أهمية وقدرة تفكيرك المتقدِّم بشأن استدراك بعض التحرّكات على الساحة الليبية والتي من شأنها أن تفيد المواطن والقضية بعامّة. حيث ينبغي لنا هنا إسترجاع جهودك ومساعيك الطيِّبة، مع بعض الأصدقاء الآخرين، التي كانت تحثِّ الليبيين في المهاجر والمنافي على المساهمة في تأسيس وتكوين الرابطة الليبية لحقوق الإنسان، بعد نجاحك مع عددٍ من المثقَّفين والسياسيين والقانونيين العرب عام 1983م. في تأسيس المنظَّمة العربية لحقوق الإنسان. إضافة إلى عضويتك بـ (المكتب الدائم للحقوقيين العرب) و (اللجنة الدائمة للدفاع عن حقوق الإنسان والقوانين الرئيسية في الوطن العربي)، وكونك مندوباً بـ (إتحاد الحقوقيين واتحاد المحامين العرب) بالأمم المتحدة)، وعضويتك أيضاً بـ (مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية). حيث أصبحت الرابطة الليبية لحقوق الإنسان فيما بعد، جهة قانونية معتمدَة تعنى بالدفاع عن المواطن الليبي داخلاً وخارجاً في مواجهة طغيان السلطة، دون أن يعلم الكثير من الليبيين آنذاك أن هذا التوجُّه القانوني المتقدِّم (المعني بحقوق الإنسان) سيصبح أحد أهم الطروحات السياسية والفكرية للقرن الميلادي الجديد، السائدة في عالم اليوم، بل وأحد أهم بنوده التي تضم أيضاً التنمية الديموقراطية والرؤية (العولمية) للإقتصاد والثقافة... إلخ. وفي موازاة ذلك الإهتمام الجمّ بهذا الهمّ الإنساني، كانت هناك دعوتك الدائمة من أجل توحيد جهود العمل الوطني في مواجهة طغيان السلطة الحاكمة في ليبيا. ...حقاً لقد كنت دائماً تفي الجهود حقّها من التثمين والتقدير، وهو ما جعلك تُكْبِر دائماً جهود وعطاءات الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا على ساحة العمل الوطني، على الرغم من اختلافك الواضح (الأيديولوجي) معها، إلاَّ أن رؤيتك السياسية وتقويمك لنشاطاتها التظيمية وتحركاتها اللافتة، جعلك لا تتردد مراراً وتكراراً من أجل مناداتها ومطالبتها بأن تأخذ مبادرة ومسؤولية توحيد جهود العمل الوطني، لا بل وقولك أن يصبح دور الجبهة على صعيد العمل النضالي مماثل لدور ومقام حركة التحرر الوطني الفلسطيني (فتح) بالنسبة لبقية فصائل الكفاح الوطني، فوق أرض الرباط الفلسطينية. ...وكنت تعلم حقيقة الخلفيات التي أعاقت تحقيق مثل ذلك الطموح والأمل آنذاك، إلاَّ أنك تاريخياً، ظللت تسير على هدى ذلك المسعى والعمل لإنجاز ولو الحدِّ الأدنى منه، وهو ما تحقق نسبياً بعد سنوات، ممثَّلاً أولاً في قيام التحالف الوطني الليبي تحت قيادتك، ثم في التنسيق الرفيع المستوى مع الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا فيما بعد، الذي كانت السلطة أدركت مبكراً مدى خطورته وانعكاساته عليها بصور سلبية، سواء على الصعيد العربي أو الإقليمي أو الدولي، والذي كانت آخر تداعياته، وفقاً لتحسُّبات السلطة المُشار إليها، ممثَّلاً في قيامها بالتخطيط والتنفيذ لإخفائك جسدياً عن ساحة النضال الوطني ومسرح السياسة الليبية.
 
الأستاذ منصور،،
 
لعلَّ أهم محاور تحركك السياسي يظل بصورة أو بأخرى هو محور "الحوار"، ويظل قبولك بمبدأ "الحوار مع السلطة، متى توافرت شروطه" من العلامات الفارقة في تاريخ كفاحك السياسي. نعم لقد كان جزء كبير من قبولك بذلك المبدأ، في مراحل ومحطات معينة من تاريخ العمل الوطني، هو فقط لتقطع على السلطة خطَّ المحاجَّة والمزاودة والتأويل الذي اشتُهِرت بممارستها له بنزق، في حق الآخرين، ممن يخالفونها الرأي والتوجُّه. وكان دافعك إلى ذلك، بدايةً، هو قناعتك السياسية بهذا المبدأ وامكانية العمل به، متى توافرت شروطه، إضافة بالطبع إلى إيمانك العميق بالديموقراطية (والرأي الآخر)، وإلى ثقتك بنفسك وباسلوبك المميَّز في الكفاح السلمي وإيمانك بحرّيتك في التمسُّك بخياراتك السياسية، الذي جعلك في المجمل العام لا تمانع مطلقاً قبول الحوار مع السلطة الحاكمة، وفقاً للشرط الرئيس والأهم الذي أبلغته لهذه السلطة عبر مبعوثيها وموفديها -ليبيين وعرب وأجانب- والذي كان يتضمن باستمرار: إعتراف السلطة بالمعارَضة واحترامها لها، والقبول بأن ليبيا لكل الليبيين، وليست لفئة واحدة فقط (حاكمة أو معارِضة). وتأكيدك الدائم لهم بأن "... لا حَل للسلطة، ولا حل لمشاكل ليبيا، إلاَّ في العودة إلى الديموقراطية...".
 
لقد كانت فلسفتك في حوارك مع الآخر، تبحث دائماً عن نقاط الإلتقاء والتفاهم، وحتى عند غياب المشتَرَك السياسي في حوارات السياسة، فإنك كنت تعمل على إيجاد عوامل وقواسم مشتَرَكَة أخرى، كان أقلّها الهمّ الإنساني الذي يقرِّب المشاعر ويعمل على تهذيبها وتواصلها بين الناس، وينتهي بها في نهاية المطاف، وعلى أقل التقديرات أو أسوأ الظروف، إلى الإنصات واحترام وجهة النظر الأخرى والرأي الآخر، دون إزدراء أو إقصاء. وحتى في شأن قبولك بمبدأ الحوار مع السلطة، وعلى الرغم من رفض أغلبية فصائل المعارَضة لهذا الأمر، فقد كنت تقول بشجاعة دائماً أنه لا مانع، في سبيل مصلحة ليبيا، من الحوار معها بصورة علنية دون خوف أو تردد، ولكن فقط عندما تُظهِر هذه السلطة، في المقابل، حُسن نيتها واحترامها لخصومها ومعارضيها. وفي بعض حالات الإحباط السياسي التي كان يعانيها هذا التوجُّه، وفي نقدك الهادىء للخطاب السياسي للسلطة، كنت تكرر المعنى ذاته من خلال قولك المختصر "كيف لمعارضة أن تتأمَّل من سلطةٍ ما، تجاوباً واحتراماً وهي لا تنصت إليها؟ لا بل وتُصرّ على وصف خصومها ومعارضيها بأقذع الصفات والنعوت". وكيف -يا أستاذ منصور- أن بعض أطراف المعارَضة لم تستأنس بهذه الرؤية في منطلقاتها للتحاور مع السلطة، ولم تستفد من هذه الخبرة بعد. !!
 
لعل المفارقة الجديرة بالذكر في سياق الحديث عن معاناتك في مواجهة الواقع السياسي العربي البئيس، أن يكون الجزء الأهم في صُلب اسهاماتك ومداخلاتك، خلال الإجتماع الذي عُقِد بالقاهرة (ديسمبر 1993م.) في الذكرى العاشرة لتأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، والذي وافق بالمناسبة ذكرى عيد ميلادك أيضاً، ...أن يكون حديثك ونقاشك مُركَّزاً في مجمله حول الإنسحابات السلبية لذلك الواقع السياسي المريض على حركة وحياة المواطن العربي أينما كان. وأن ينصبّ كلامك حول قضية تسليم اللاجئين السياسيين في الوطن العربي إلى سلطات بلدانهم التي فرّوا منها طلباً للأمن والأمن وبحثاً عن الحرّية والعدل والإنصاف. فقد قلت -من ضمن ما قلت- ساخراً، آنذاك: "...إن هذا الأمر يُعدُّ حقيقة مفجعة ومفزعة ومخيفة. إذ أصبح التسليم شيئاً طبيعياً (!!) ويتم وفقاً لضغوط أو مصالح سياسية أو تحت ذريعة (...تطبيقاً لإتفاقيات تسليم اللاجئين) ...". !!! ...نقول من المفارقات أن تنبس وتتفاعل من داخلك مع هذه العبارات –شهادة للتاريخ- لتصبح، نفسك، عقب ذلك بساعات مُختطَفَاً وكأننا بك هنا تقوم ذاتك بضرب المثل (العملي) على صدق ما تقول، ولتصبح مع رفاقك من المناضلين الليبيين المُختَطَفين (السيَّد جاب الله حامد مطر والسيَّد عزّات يوسف المقريَّف) اللذين اختطفا في القاهرة أيضاً عام 1990م. ضحايا الإختطاف القسري لأنظمة قامعة، لا همَّ لها سوى خنق آمال وتطلّعات شعوبها.
 

2 ديسمبر 2003م.

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com