15/11/1995


     


حقوق الانسان .. بين السكين والحبل
 
بقلم: بقلم: السنوسي بلالة


 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
تناقلت وكالات الأنباء العالمية بداية الأسبوع الثاني من شهر نوفمبر لعام 1995م. خبرين هامين ـفي يوم واحدـ يتعلقان بقضايا حقوق الانسان في دولتين أفريقيتين هما اثيوبيا ونيجيريا. الا أن فارق الكيل الاعلامي (الأمريكي والأوروبي) بين الخبرين كان واضحا بالرغم من اشتراكهما في وحدة الموضوع، وتقاربهما في الهدف.
 
يقول فحوى الخبر الأول ـ حيث نقص الكيل ـ " ان الشرطة اليونانية أحبطت يوم 9 نوفمبر1995م. ‏محاولة خطف طائرة، تابعة لشركة أولمبيك، قام بها مواطن اثيوبي ـ من اديس أبابا ـ يدعى ميلاكو ميكيبيبي "34 عاما". وهو صحافي معارض وصل الى اليونان قادما من استراليا، بواسطة جواز سفر مزور باسم سامسون غابريه. واعترف الصحافي بانه اودع السجن لمدة 6 أشهر في اثيوبيا بتهمة كتابة مقالات معارضة للحكومة. وكان الخاطف قد أفرج عن المضيفة اليونانية التي كان يهددها كرهينة، والتي يبدو أنه كان يتخذها درعا بشريا يفاوض من خلاله بشأن قضيته التي خاطر من أجلها، والتي تتلخص ـ كما ذكر هو شخصيا ـ في لفت انتباه الرأي العام والضمير العالمي الى مأساة مئات الصحافيين الأثيوبيين المعتقلين داخل سجون النظام الحاكم في أديس ابابا منذ عدة سنوات، في ظروف بالغة السوء والقسوة. وقد ركز ذلك الصحافي "الخاطف “ في معرض حديثه ـالسريع والمحدد ـ حول أسباب اعتقال اولئك الصحافيين، على بعض المعاني التي من أهمها ان أولئك المعتقلين هم من دعاة الديمقراطية واللاعنف "... وانهم لم يشتركوا في أية أعمال من شأنها اثارة الشغب أو القلاقل أو حتى الحض على التظاهر داخل البلاد، ولا ذنب لهم ـ في رأيه ـ سوى تمسكهم بمبدأ حرية الرأي والتعبير من خلال كتابة المقالات التي تنتقد تجاوزات الحكومة، وتدعو الى الديموقراطية واحترام حقوق الانسان ... ".
 
ويقول فحوى الخبر الثاني ـ حيث ازداد الكيل ـ "... ان الرئيس الزيمبابوي روبرت موغابي أثار يوم 9 نوفمبر 1995م. ـ خلال انعقاد قمة دول الكومنولث بمدينة أوكلاند النيوزيلاندية ـ احتمال تعليق عضوية نيجيريا في الكومنولث اذا رفض النظام العسكري النيجيري الرأفة بتسعةأشخاص صدرت في حقهم أحكام اعدام (...) وقد أصدر سفراء كل من الدنمارك وفنلندا والنرويج والسويد لدى نيجيريا، نداء ناشدوا فيه لاغوس العفو عن المظلومين". كما ذكرت وكالات الأنباء بعد ذلك "... ان تصديق القادة العسكريين في نيجيريا بسرعة على تلك الأحكام ضد المعارضين، أثار انتقادات دولية. واتجهت الأنظار نحو قمة الكومنولث، حيث يقوم المطالبون بالديموقراطية في نيجيريا والمدافعون عن حقوق الانسان بنشاط كبير، لتتخذ القمة اجراءات ضد حكومتهم العسكرية. (...) وكانت احدى المحاكم النيجيرية أصدرت حكمها بالاعدام (في اليوم الحادي والثلاثين من شهر اكتوبر لعام 1995م.) على الكاتب والمدافع النشط عن حقوق الانسان كين سارو ويوا زعيم حركة بقاء الشعب الأوغوني وثمانية آخرين بتهمة قتل أربعة من الزعماء المعتدلين في منطقة أوغوني لاند الغنية بالنفط ".
 
وفي يوم 10 نوفمبر1995م. دانت أمريكا عبر مندوبتها في الأمم المتحدة ـ أولبرايت ـ هذا السلوك الشاذ الذي قامت به السلطات النيجيرية في حق التسعة أشخاص، وطالبت المندوبة الأمريكية مجلس الأمن باتخاذ اجراءات تأديبية فورية صارمة ضد الحكومة النيجيرية. كما دانت ذلك الفعل أيضا كل من جنوب افريقيا والدول الأعضاء في الكومنولث البريطاني.
 
وبالرغم من تقارب وتشابه ملامح الهدف المعني في الخبرين ـ مع اختلاف وسائل التعبير عنه ـ وهو المتمثل في ادانة النظام الاثيوبي ـ بواسطة الصحافي الاثيوبي ـ وادانة النظام النيجيري ـ بواسطة امريكا ودول الكومنولث، والدعوة ـ عبر الواسطتين ـ الى الديموقراطية والدفاع عن حقوق الانسان في الدولتين. إلا ان نقصان كيل الاهتمام الاعلامي بتحرك الصحافي الاثيوبي وصرخات احتجاجه ـ التي اتخذت طابعا انفعاليا متمردا أكثر مما ينبغي ـ أسدل ستار التجاهل والتعتيم علىالكثير من خلفيات وأبعاد تلك المأساة الانسانية، وأسقط حق ذلك الصحافي المخاطر في نيل نصيب معقول من الاهتمام العالمي بقضية ابناء وطنه عامة، واولئك المئات من الصحافيين المعتقلين منذ سنوات داخل سجون النظام الحاكم في اثيوبيا خاصة. وتلخصت القضية عقب ذلك بشكل ما في معنى المثل السائر "جزاء سنمار" لتختزل قضية الدفاع عن قضية حقوق الانسان في اثيوبيا ـ بسبب التأويل "الكيل" الاعلامي الحكومي ـ الى قضية شخص متهم باثارة الشغب وتهديد أمن وسلامة الآخري، ثم ـ وبشكل ما أيضا ـ يمعن في اختزال القضية مجددا لتصبح قضية شخص يبحث عن حق لجؤ سياسي فقط، ربما سينظر في أمره لاحقا . !!!
 
ان التعامل مع قضايا حقوق الانسان لا يجب أن يخضعها باية حال من الأحوال الى تصنيفات قوائم أولويات المصلحة، الذي تلجأ اليه الدول الكبرى أحيانا، فهذه القضايا بالذات هي دائما الأكثر أهمية والحاحاً دون غيرها من القضايا الأخرى. وهي التي تتطلب ـ دون ارجاء ـ معالجة موضوعية ومنطقية ، ولا يجب أن تخضع في تقويمها لاية حسابات أو مصالح سياسية. وبما ان قضايا حقوق الانسان لا تخضع أصلا لما يعرف بـ "دراسة جدوى". فمن تحصيل الحاصل اذن ان "مبدأ " تغليب أو ترجيح المصالح لا يسري ـ أو لا ينبغي أن يسري ـ مفعوله مطلقا على كل ما يمكن أن يتعلق بقضايا حقوق الانسان، وخاصة اذا ما كانت مهددة بالقمع أو بالافناء.
 
ومن المؤسف بعد كل ما سلفت اليه الاشارة بشأن قضايا حقوق الانسان في تلك البلدان، أن يشير مضمون خواتيم الخبرين المذكورين أعلاه الى ضياع الانسان ذاته ـ وليس حقوقه فقط ـ ما بين المفارقات والمواقف المتباينة، فلا التجاهل والتعتيم أفاد قضية الصحافيين المعتقلين في اثيوبيا، ولا الادانة والتنديد كان سبيلا لايقاف تنفيذ حكم الاعدام في حق دعاة حركة حقوق الانسان التسعة في نيجيريا.
 
لقد كانت موضوعة حقوق الانسان منذ القدم مثار اهتمام الرأي العام العالمي والضمير الانساني بصفة عامة، وقد تعضد شعور الاهتمام بها والدعوة الى مساندة ودعم حركتها، عبر بعض المحطات التاريخية التي مرت بها البشرية في طور نموها، والتي ارتبطت بوجه خاص بالتطور الدستوري والقانوني في العالم، ثم بقيام الهيئات والمنظمات ـ المحلية والاقليمية والدولية ـ وتناميها، ثم بصدور بعض المواثيق التاريخية التي أثرت في مجرى التاريخ الانساني عموما. ولعله من أهم الاصدارات والطروحات التي جاءت على تماس مباشر بحركة حقوق الانسان هي وثيقة الاعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948م. ثم ما برز أخيرا واطلق عليه اطروحة النظام العالمي الجديد، الذي تعتبر موضوعة حقوق الانسان من ضمن أهم أفكاره ومكوناته.
 
وبالرغم من الأهمية ـ النظرية ـ التي تبديها كثير من دول العالم لوجود مثل هذه الأفكار والطروحات، إلا ان التجاوزات ـ الفعلية ـ التي تمارسها بعض هذه الدول نفسها، في المقابل، يعد أمرا معيبا يعيق تصور امكانية أو احتمال تحقيق الفوائد التي كانت مرجوة عند بداية عرض هذه الأمور أصلا.
 
وعلى صعيد طروحة النظام العالمي الجديد مثلا، نجد انه حتى تلك الدول التي مررت أو ساهمت في تمرير بعض أفكارها وتصوراتها أو روجت لها، تعمد في كثير من المواضع الى سياسة غض النظر ازاء أمور كان ينبغي فيها الحزم والحسم، لا بل انها تتعمد أحيانا افتعال الأزمات التي تخدم أغراضها بطرف خفي، أو تصب في خانة مصالحها بصورة علنية مباشرة، دون النظر الى انعكاسات مثل هذه السلوكيات المنحرفة على صعيد العلاقات الدولية بوجه عام، وعلى صعيد العمل المتناغم مع ايقاع النظام العالمي الجديد بوجه خاص، ودون أى شعور بالمسئولية حيال معنى الالتزام والتفاعل مع أي عنصر من عناصر تركيبة النظام العالمي الجديد التي أوضحها مثالا بالنسبة لمادة هذه المقالة عنصري الديموقراطية (المقموعة) وحقوق الانسان (المهضومة)، حيث غاب عنهما ذلك التفاعل العضوي المطلوب ـ سواء بالحض عليها أو بمتابعة آلية ممارستها ـ . وأدل مثل، آخر، على ملهاة اخفاق الدفع والمتابعة في هذا الشأن، هي مأساة اختطاف داعية حقوق الانسان، الحقوقي المؤسس للمنظمة العربية لحقوق الانسان وعضو لجنتها التنفيذية منصور رشيد الكيخيا (وزير خارجية ليبيا الأسبق).
 
وبحكم تأطر مقولة النظام العالمي الجديد حول بعض المفاهيم والقضايا التي من بينها ما يتعلق بحقوق الانسان فقد أعقبت محنة الاستاذ الكيخيا طفرة من الاهتمام الدولي، سرعان ما فترت حرارتها بفتور عوامل الدفع والمتابعة، وبغيرها من العوامل الأخرى التي لا ترى بالعين المجردة، وخاصة تلك القصيرة النظر. !!!
 
وهكذا تظل حال حركة حقوق الانسان عموما، في تذبذب أو تأرجح مستمر ما بين تهديد بسكين لاثارتها ولفت الاهتمام اليها، واعدام بحبل مشنقة لاسكاتها الى الأبـد. ويزداد عدد المظلومين طرا، بازدياد الكيل أو بنقصانه، على حساب هذا أو ذاك، ولمصلحة هذه أو تلك.
 
15 نوفمبر 1995م.
 

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com