|

إبراهيم عبد العزيز صهّد
عندما انقلبت المفاهيم
في بلادي
في بلادي ... لا يفصل بين المواطن والسجن سوى لحظات يتخذ
فيها قرار الاعتقال وساعات محدودة ينفذ فيها القرار.
قد
يكون الأمر نتيجة وشاية مغرضة.
وقد يكون نتيجة حقد شخصي.
وقد يكون مجرد تشابه أسماء.
قد يكون أيا من هذا أو ذاك، لكن ذلك لا يغير من الأمر
شيئا.
قرار الاعتقال يتخذ على عجل، ثم ينفذ بأقصى سرعة ممكنة. ثم
بعد أن يصبح المواطن خلف أسوار السجن تتوقف العجلة عن
الدوران، ولا يصبح هناك أية أهمية للوقت، بل لم يعد هناك
أية دواع للاستعجال. قد يقضي ذلك المواطن أشهرا طوالا دون
حتى أن يخطر عن السبب الذي من أجله زج به في السجن، بل
هناك من قضى فعلا أكثر من عقد من الزمن في السجن دون أن
توجه إليه أية تهمة. وقد لا يقدم إلى المحاكمة إطلاقا، أو
قد يمثل أمام محكمة ليس أمامها إلا "قوانين" مفصلة وجاهزة
لتطبيقها على المواطن. ولا نحتاج إلى إيضاح البدع التي
اختلقها حكم العقيد معمر القذافي، ليجعل من "القضاء" مهزلة
ووصمة عار، بما فيها إعادة المحاكمة بناء على مظاهرات
"عفوية"، وإصدار أوامر "للقضاة" بأحكام بعينها، أو إبقاء
محكوم عليهم رهن السجن بعد أن أتموا المدد المحكوم عليهم
بها، أو بعد صدور حكم ببراءتهم.
الاعتقال يتم دون شهود، فهو ـ في معظم الأحوال ـ يتم في
الظلام بمنأى عن العيون. وقد لا يعرف أحد أن هذا المواطن
قد بات رهن السجن في قبضة أجهزة لا تعرف هل هي أمنية أم
بوليسية أم ثورية، ولكنها حتما أجهزة تعتمد الهمجية
والعنف، ولا تحتكم إلى أية قوانين، ولا تخضع لأية شريعة،
ولا تعترف بأن المواطن بشر من بني آدم، وله لحم ودم، وله
مشاعر وأحاسيس، وأنه قد ترك وراءه أبا وأما لا يبتان
الليالي أرقا، ويذرفان الدمع قلقا وحزنا وألما، أو أنه قد
ترك زوجة وأطفالا تكويهم نيران فقد العائل والأب والزوج،
وهم يعيشون حياة بائسة قلقة، لا يعرفون معنى الراحة
والطمأنينة.
في بلادي، السجون ليست عقوبة للسجناء فقط ، ولكنها عقوبة
لذويهم أيضا، وهي وسيلة لمزيد من ترويع الليبيين وإخضاعهم.
ضاقت أرض ليبيا الواسعة، فلم يعد في
الإمكان إلا استخدام السجون في مدينة طرابلس، كأن السجن لا
بد أن يكون في العاصمة، بل إن العاصمة تغيرت مرات عديدة
وانتقلت أجهزة الدولة إلى الحمادة مرة وإلى سرت وإلى
غيرها، لكن السجون ظلت في طرابلس، واقتيد السجناء من كل
مكان في ليبيا، من "امساعد" شرقا إلى "راس اجدير" غربا،
ليسجنوا خلف أسوار "الحصان الأسود" أو "بو سليم" أو غيرها
شرط أن تكون في طرابلس.
يبقى السجين ممنوعا من الزيارة، ثم يسرب
أعوان النظام إشاعة بأن الزيارة قد سمح بها، فتتقاطر
العائلات من كل مكان، وتتكبد ما تنوء به من مصاريف
ومعاناة، أملا في لقاء الأحبة والاطمئنان عليهم، لكنهم
يفاجئون بأن الأمر لم يكن سوى فرية أريد بها مزيد من
التعذيب والإرهاق.
كم مرة وقف آباء وأمهات أمام أسوار السجون
يستجدون رؤية الحبيب الغالي، بل وربما يستجدون إجابة عن
سؤال واحد: هل هو في السجن؟
كم من مرة وقفت زوجة وأطفالها معها تستجدي
قلوبا لم تعد تعرف الرحمة، وآذانا صماء لم تعد تسمع إلا
أصوات التشنج والقهر التي أخضع لها دكتاتور همجي شعبا
بأكمله.
كم هي المرات التي قطع فيها مواطنون ليبيون
مئات الأميال، وتكبدوا عناء السفر، وصرفوا "مح أكبادهم"،
كي يتم ردهم خائبين، الحسرة في الصدور، والدمع في المحاجر.
سجناء قضوا سنين طويلة داخل الأسوار دون أن
يسمح لهم بزيارة من ذويهم، وأسر في خارج السجن، ولكن السجن
وأسواره حاضرة في الواقع الذي يعيشونه، تتراكم عليهم مشاعر
وأحاسيس تطحنهم طحنا لا هوادة فيه، ويواجهون شظف العيش
وحمى القلق ونار الشوق.
أما عندما يقرر العقيد معمر القذافي أن يطلق سراح سجناء
سياسيين – وهي مرات قليلة على أية حال- فالأمر يختلف.
الأمر
لا يتم بمعزل من الرقباء والعيون، كما تم الاعتقال.
والقرار يحتاج إلى سنوات، وليس إلى لحظات كما هو الحال عند
صدور قرار الاعتقال.
والتنفيذ يتطلب مددا طويلة، لا يحددها أحد إلا العقيد.
إطلاق سراح السجناء لا يتم إلا مع بهرجة إعلامية، ومع ثناء
وتقريظ للعقيد وابنه على هذه "المكرمة".
قد يحتاج الأمر إلى "بلدوزر"، وإلى شاعر
سوداني ألقى قصيدة في غير هذه المناسبة، وقد يهدم جزء من
السجن، وقد يتطلب الأمر تدخل "سيف" ولجنته التي أصبحت طرفا
في كل شيء.
هذه المرة، احتاج الأمر إلى إعلان بعد
الآخر، وإلى تحديد يوم ثم تأجيله مرة تلو الأخرى. والسجناء
في داخل السجن ينتظرون، والأسر القادمة من شتى أنحاء ليبيا
تنتظر على أحر من الجمر.
ولكن من يهتم؟ وماذا يهم؟ فالجمر لا يحس بحره إلا من يتلظى
به: السجناء وذووهم ومن ورائهم الشعب الليبي بأكمله.
لا يهم، لأن الأهم هو الإخراج المسرحي الذي يجب أن يخدم
نظام العقيد المهتري، بغض النظر عن تطاول محنة السجناء
وذويهم.
هذه المرة الأمر قيل بأن الأمر يتطلب حضور مندوبين عن
روابط حقوق الإنسان، هي نفس الروابط التي منعت مرات عديدة
من الدخول إلى السجون والإلمام بأحوال السجناء. لكن ضرورة
البهرجة الإعلامية تقتضي حضورهم الآن.
هذه المرة، كما في كل مرة، يتطلب الأمر مزيدا من الإذلال
والإرهاق، ومزيدا من الاستهتار بالمشاعر وبالكرامة، ومزيدا
من الاستخفاف بالعقول.
في بلادي، ينقلب الأمر، فيطالب الشعب بحمد المجرم، وتجريم
البريء، وهذا لا بد أن يتم في بهرجة إعلامية يعلم الله
وحده متى ستتم.
في بلادي، لم تعد تحسب الشهور والأعوام التي قضاها السجناء
خلف أسوار السجون، فكيف يتطاول أحد ويطالب بحساب مزيد من
أيام أخرى !!!!
في بلادي، وفي كل بقاع الكون ... هناك رب اسمه الكريم...
ظهر اللاجئين .. ومأمن الخائفين ...
في بلادي، وفي كل بقاع الكون ... هناك رب اسمه الكريم...
ظهر اللاجئين .. ومأمن الخائفين ...وقاهر الطغاة والمجرمين
..... يمهل ولا يهمل ... نعم الرب ربنا ... ونعم الحسب
حسبنا.
|