13/07/2008

 


عبدالمنعم حريشة / اخترت لكم:  جيل فريد
 
أتى شابّان إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان في المجلس وهما يقودان رجلاً من البادية فأوقفوه أمامه ‏قال عمر: ما هذا ؟
 
‏قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا قتل أبانا
 
‏قال: أقتلت أباهم ؟
 
‏قال: نعم قتلته !
 
‏قال: كيف قتلتَه ؟
 
‏قال: دخل بجمله في أرضي، فزجرته، فلم ينزجر، فأرسلت عليه ‏حجراً، وقع على رأسه فمات...
 
‏قال عمر: القصاص...
 
‏الإعدام.. قرار لم يكتب... وحكم سديد لا يحتاج مناقشة، لم يسأل عمر عن أسرة هذا الرجل، هل هو من قبيلة شريفة ؟ هل هو من أسرة قوية ؟ ‏ما مركزه في المجتمع ؟ كل هذا لا يهم عمر - رضي الله عنه - لأنه لا ‏يحابي ‏أحداً في دين الله، ولا يجامل أحدا ًعلى حساب شرع الله، ولو كان ‏ابنه ‏القاتل، لاقتص منه..
 
‏قال الرجل: يا أمير المؤمنين.... أسألك بالذي قامت به السماوات والأرض ‏أن تتركني ليلة، لأذهب إلى زوجتي وأطفالي في البادية، فأُخبِرُهم ‏بأنك ‏سوف تقتلني ، ثم أعود إليك، والله ليس لهم عائل إلا الله ثم أنا.
 
قال عمر: من يكفلك أن تذهب إلى البادية، ثم تعود إليَّ ؟
 
‏فسكت الناس جميعا ً، إنهم لا يعرفون اسمه، ولا خيمته، ولا داره ‏ولا قبيلته ولا منزله، فكيف يكفلونه، وهي كفالة ليست على عشرة دنانير، ولا على ‏أرض، ولا على ناقة، إنها كفالة على الرقبة أن تُقطع بالسيف.. ‏ومن يعترض على عمر في تطبيق شرع الله ؟ ومن يشفع عنده ؟ ومن ‏يمكن أن يُفكر في وساطة لديه ؟ فسكت الصحابة، وعمر مُتأثر، لأنه ‏وقع في حيرة، هل يُقدم فيقتل هذا الرجل، وأطفاله يموتون جوعاً هناك أو يتركه فيذهب بلا كفالة، فيضيع دم المقتول، وسكت الناس، ونكّس عمر ‏رأسه ، والتفت إلى الشابين:
 
أتعفوان عنه ؟
 
‏قالا : لا، من قتل أبانا لا بد أن يُقتل يا أمير المؤمنين..
 
‏قال عمر: من يكفل هذا أيها الناس ؟!!
 
‏فقام أبو ذر الغفاريّ بشيبته وزهده، وصدقه،  وقال:
 
‏يا أمير المؤمنين، أنا أكفله
 
‏قال عمر: هو قَتْل.
 
قال: ولو كان قاتلا!
 
‏قال: أتعرفه ؟
 
‏قال: ما أعرفه.
 
قال: كيف تكفله ؟
 
‏قال: رأيت فيه سِمات المؤمنين، فعلمت أنه لا يكذب، وسيأتي إن شاء‏الله
 
‏قال عمر: يا أبا ذرّ ، أتظن أنه لو تأخر بعد ثلاث أني تاركك!
 
‏قال: الله المستعان يا أمير المؤمنين..
 
‏فذهب الرجل، وأعطاه عمر ثلاث ليال ٍ، يُهيئ فيها نفسه، ويُودع ‏أطفاله وأهله، وينظر في أمرهم بعده، ثم يأتي، ليقتص منه لأنه قتل... ‏وبعد ثلاث ليالٍ لم ينس عمر الموعد، يَعُدّ الأيام عداً، وفي العصر‏نادى ‏في المدينة: الصلاة جامعة، فجاء الشابان، واجتمع الناس، وأتى أبو ‏ذر ‏وجلس أمام عمر، قال عمر: أين الرجل ؟
 
قال: ما أدري يا أمير المؤمنين!
 
‏وتلفَّت أبو ذر إلى الشمس، وكأنها تمر سريعة على غير عادتها، وسكت‏ الصحابة واجمين، عليهم من التأثر مالا يعلمه إلا الله.
 
‏صحيح أن أبا ذرّ يسكن في قلب عمر، وأنه يقطع له من جسمه إذا أراد ‏لكن هذه شريعة، لكن هذا منهج، لكن هذه أحكام ربانية، لا يلعب بها ‏اللاعبون ‏ولا تدخل في الأدراج لتُناقش صلاحيتها، ولا تنفذ في ظروف دون ظروف ‏وعلى أناس دون أناس، وفي مكان دون مكان...
 
‏وقبل الغروب بلحظات، وإذا بالرجل يأتي، فكبّر عمر، وكبّر المسلمون‏ معه...
 
‏فقال عمر: أيها الرجل أما إنك لو بقيت في باديتك، ما شعرنا بك ‏وما عرفنا مكانك !!
 
‏قال: يا أمير المؤمنين، والله ما عليَّ منك ولكن عليَّ من الذي يعلم السرَّ وأخفى !! ها أنا يا أمير المؤمنين، تركت أطفالي كفراخ‏ الطير لا ماء ولا شجر في البادية، وجئتُ لأُقتل.. وخشيت أن يقال لقد ذهب الوفاء بالعهد من الناس..
 
فسأل عمر بن الخطاب أبو ذر لماذا ضمنته ؟؟؟

فقال أبو ذر: خشيت أن يقال لقد ذهب الخير من الناس
 
‏فوقف عمر وقال للشابين: ماذا تريان ؟
 
‏قالا وهما يبكيان: عفونا عنه يا أمير المؤمنين لصدقه.. وقالوا نخشى أن يقال لقد ذهب العفو من الناس !
 
‏قال عمر: الله أكبر، ودموعه تسيل على لحيته...
 
جزاكما الله خيراً أيها الشابان على عفوكما، وجزاك الله خيراً يا أبا ‏ذرّ ‏يوم فرّجت عن هذا الرجل كربته، وجزاك الله خيراً أيها الرجل ‏لصدقك ووفائك... ‏وجزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين لعدلك و رحمتك.....
 
‏قال أحد المحدثين:
 
والذي نفسي بيده، لقد دُفِنت سعادة الإيمان ‏والإسلام في أكفان عمر!!.
 
‏وجزى الله خيرا للذين نقلوا لنا هذا البريد ‏وجزى الله خيرا للذين ينقلونه للآخرين
 
مع تحياتي
 
عبدالمنعم حريشة
لندن - بريطانيا
a.hresha@mwht.org.uk

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com