20/07/2008

 
من محطات صغيره في حياة إنسان عادي
المحطة 18:  2- ثلاث سنوات في ليبيا
بقلم: مهندس/ هشام نجار
 
* الثوره الشعبيه في ليبيا عمقت الإنشقاقات في المجتمع... * حرب رمضان عام ١٩٧٣ بدأت بصوره عسكريه منسقه ولكنها إنتهت بصوره سياسيه... * الحرب الأهليه في لبنان عام١٩٧٥ كانت حرب الكبار على أرض الصغار...

 

أحببت عملي كثيرآ،وكنت أفضل دائمآ حل المشاكل الفنيه في الموقع على متابعة المشاريع من المكتب .إلا أن مواضيع اللقاءات مع أصدقائنا من مهندسين وفنيين في الإداره كانت تدور حول الأوضاع المتوتره مع إسرائيل بصوره عامه، فالرئيس أنور السادات كان يمتاز بقدره تمثيليه هائله فحين تسمع إلى خطاباته حول الحرب مع إسرائيل وتبريراته بتأجيلها مثل قراره في شن الحرب عام ١٩٧٢ إلا أن الضباب في ذلك اليوم قد منعه من ذلك أو أنه قد قرر الحرب لكن الحرب الهنديه الباكستانيه قد فاجأته. الكثير كان يضحك من تبريراته وأعتقد أن هذا التكتيك كان مقصودآ منه لإعطاء إنطباع بأنه يكذب على شعبه،وإعطاء العدو نوعآ من الإسترخاء،إلا أن ماحصل فعلآ في يوم ٦ تشرين الأول١٩٧٣{الموافق للعاشر من رمضان}وفي يوم كيبور" احد أكبر واهم الاعياد الدينية الاسرائيلية، حيث يكون جميع اليهود غارقين في صلاوتهم وفي الساعه الثانيه وخمس دقائق ظهرآ كان مفاجأه للشعوب العربيه وإسرائيل. في ذلك اليوم عدت إلى البيت بعد إنقضاء عملي، وبعد وصولي بدقائق قرع علي الباب جاري المهندس جواد ليخبرني بأن الجيشين المصري والسوري قاما بهجوم منسق وفي ساعة واحده وأن الجيش السوري قد عبر الخنادق الناريه وان دباباته تتقدم بالعمق، كما أن سلاح المهندسين والقوات الخاصه قاما بتفكيك أكبر رادار في المنطقه والمنصوب في جبل الشيخ وذلك بوقت قياسي، أما القوات المصريه فقد تمكنت من فتح ثغرات في الساترالترابي والمسمى بخط بارليف وذلك على إمتداد الشاطئ الشرقي لقناة السويس مستعملين مضخات عالية الضغط لتفتيت وفتح ثغرات في الحاجز الرملي لمرور الآليات والدبابات إلى سيناء، الفرحه كانت غامره حتى أننا نسينا تناول طعام الإفطار عند المغرب ونسينا جوعنا وظمأنا.كان الإسبوع الأول من الحرب جيد النتائج وخسائر إسرائيل كانت فادحه على الجبهتين ، إلا أن مجريات الأحداث بدأت تأخذ اوضاعآ أخرى بعد حوالي عشرة أيام من القتال ، قرأت كثيرآ عن هذه الحرب الغير محسومه باللغه الأنجليزيه والعربيه وفي مقدمتها مذكرات الفريق أول سعد الدين الشاذلي ومذكرات الفريق الجمصي هل لعبت السياسه دورها لعمل نوع من التوازن في نتيجة الحرب على طريقة لاغالب ولامغلوب؟ وبالتالي الوصول إلى سلام مصري إسرائيلي وفق ماحصل في كامب دافيد؟ كل شيئ معقول في حسابات السياسه. بدأت الضغوط السياسيه وتم تثبيت وقف إطلاق النار على الجبهه المصريه بعد إستفزازات كثيره من جانب إسرائيل ،أما على الجبهه السوريه فقد قامت حرب إستنزاف طيلة٨٢ يوماً كبدت فيها الجيش الاسرائيلي خسائر كبيرة إنتهت بعد تدخل كيسينجر وزير خارجية أمريكا وكانت نتيجة هذه المداخلات إعادة مدينة القنيطره إلى سوريا على أن تكون خاليه من السلاح.
 
أيها الإخوه والأخوات عدنا إلى حياتنا العاديه بعد إنتهاء الحرب حيث أخذ حديث السياسه يأخذ مكان حديث الحرب، آه من السياسه فقد قيل فيها الكثير ومما قيل: لايستوي على السياسة مبدأ.. إن السياسة زئبق رجراج.
 
في يوم ١٤ آب /أغسطس١٩٧٤ إحتفلنا بولادة إبننا البكر لؤي الذي ملأ علينا البيت كما يقال.. خلال هذا العام حصلت تطورات في ليبيا فقد أشعل العقيد القذافي ثوره شعبيه جديده صنف من خلالها شعبه إلى صنفين جديدين، منتج وغير منتج, فالحلاق والمعلم الإبتدائي ومنظف البلديه ومذيع أخبار التلفزيون وغيرهم... هم من فئة الغير منتجين فعليك أن تحلق لنفسك ولأولادك وتعلمهم إن كانوا في مرحلة الدراسه الإبتدائيه وتنظف حارتك. فصارت الطرقات ممتلئه بالأوساخ وملعبآ للجرذان، وإن كنت أخي القارئ وسيمآ وقراءتك العربيه جيده وصادف مرورك أمام مبنى التلفزيون أثناء فترة نشرة الأخبار فإحتمال أن تكون مذيعآ لنشرة الأخبار في تلك الليله فقط هو أمر قائم،وبذلك قسم العقيد شعبه إلى أربع أقسام رجعي وتقدمي وهي التصنيفات الروتينيه القديمه والتي تعودنا سماعها،ومنتج وغير منتج وهو إختراع جديد ، وفوق ذلك كتاب أخضر من تأليف العقيد يجبر الطلاب على حفظه،وبعد كل هذا وذاك نطرح على أنفسنا سؤالآ يقول: ياترى لماذا لانتقدم ونراوح في مكاننا؟؟
 
أما المؤتمرات الشعبيه فكانت البديل لرؤساء الدوائر الحكوميه فالموظفين في كل دائره عليها أن تنتخب رئيسها، وحيث أن طبقة الموظفين الأقل ثقافة وخبره هم الأكثريه دائمآ في دوائر الدوله فكان بمقدورها أن تفرض مديرها, فكنت ترى العجب العجاب، سائق سياره المدير أو موظف صغير في الديوان هم رؤساء الإدارات الجديده وكان يصاحب هذا التصعيد الأغاني الوطنيه التي تملآ الشوارع عبر مكبرات الصوت مثل:دوس عالرجعي والخاين واللي ماعندو مبادئ وأغاني تمجد الثوره والثوار وغيرها من تلك التي كانت تملأ ارشيف إذاعاتنا وهي بمثابة خط الدفاع الأول عن الثورات والزعامات . في أحد أيام شتاء ١٩٧٥ كانت حافلة تنقل مجموعة من الفلسطينين المشاركين في أحد فعاليات منظمة التحرير الفلسطينية وبالتحديد في ذكرى إستشهاد أحد كوادر المنظمة...
 
في طريق عودة الحافلة، وبالتحديد عند مرورها بمنطقة عين الرمانة ذات الأغلبية المسيحية، شاهد قائد الحافلة ٣ رجال مقنعين ومدججين بالأسلحة على جانب الطريق. لم تمض لحظات ومن دون سابق إنذار حتى بدأ المسلحون بأطلاق الرصاص بإتجاه الحافلة. وكانت أول رصاصات الحرب الأهليه في لبنان...كانت هذه بمثابة لحظة إعلان مسلسل الموت الطويل. قتل أكثر من عشرين فلسطيني أعزل في هذه الحادثة.....توشحت بيروت بالسواد، تلبدت السماء بالغيوم، ساد العاصمة صمت رهيب، ذلك الصمت الذي ينبئ بإعصار من الدماء.....وسمع قرع طبول الحرب.
 
أيها الإخوه والأخوات هذه الحرب كانت صراعآ بين دول كبرى ولكن بأيدي أبناء الوطن الإتحاد السوفيتي وحلفاءه المسلمين والفلسطينيين والمضحك أن وليد جنبلاط كان أحدهم من جهه وبين الولايات المتحده وإسرائيل وحلفائهما من بعض المسيحيين من جهة أخرى هذه الحرب أكلت الأخضر واليابس ودامت حوالي خمسه عشر سنه, الآمها سكن في كل بيت من بيوت لبنان إلى متى سنظل نحن العرب آداة بيد الآخرين؟
 
في نهاية عام ١٩٧٥ قررت إنهاء عقدي في ليبيا والعوده إلى وطني سوريا وتأسيس مكتبي الهندسي والدخول في مجال العمل الحر ودعني مديري وأصدقائي وأثنوا علي في حفلة الوداع فقد كنت والحمد لله في موضع تقدير الجميع. وإلى اللقاءمع المحطه الأخيره في ليبيا وفيها تقرأ: التصعيد الثوري يطال إدارتنا.
 
عدنا عن طريق بيروت في عز القتل على الهويه يوم كانت بعض القوانين الإقتصاديه تأتينا مترجمة من الإتحاد السوفيتي.
 
مع تحياتي
 
مهندس/ هشام نجار
 
إضغط هنا لقراءة كامل المحطات {واحد وعشرون محطه}
 

مساهمات سابقة:
 
  باركوا للأخ العقيد بمنصب الإفتاء الجديد
  من محطات صغيره في حياة إنسان عادي (17) 1- ثلاث سنوات في ليبيا
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com