من محطات صغيره في حياة إنسان عادي
المحطة 19: ثلاث سنوات في ليبيا
(3 وأخيرة)
بقلم: مهندس/ هشام
نجار
 |
*
التصعيد الثوري يطال إدارتنا ...
*
حعدنا عن طريق بيروت في عز القتل على الهويه ...
*
يوم كانت بعض القوانين الإقتصاديه تأتينا مترجمة من الإتحاد السوفيتي...
|
العوده إلى سوريا

كلما رحبت بنا الروض
... قلنا حلب قصدنا وأنت السبيل
شاعر
الفخر: أبو الطيب المتنبي
أيها الإخوه والأخوات قبل أن أتوجه
مع العائله إلى سوريا, لابد من التوقف عند التصعيد الشعبي الثوري الذي جرى في
إدارتنا والذي أشرت إليه في المحطه السابقه. في ذلك اليوم كنت عائدآ مع
المهندس جواد من جوله لتفقد أحد المشاريع في بلدة رأس جدير على الحدود
التونسيه،عدنا إلى الإداره بعد إنتهاء الدوام لم يكن فيها سوى إثنين من صغار
موظفي الإداره في البهو الرئيسي.
سلمنا عليهم ودخل كل منا إلى مكتبه
لوضع أغراضه سبقني صديقي جواد بالخروج ثم لحقت به، وفي البهو قدم لي الموظفان
ورقة مذيله بتواقيع وطلبا مني أن أوقعها، لم يكن هذا المعروض سوى طلبآ لتغير
المدير العام والتوصيه بشخص آخر بدلآ عنه لم يكن سوى موظفآ صغيرآ يعمل كاتبآ
في ديوان الإداره، قلت لهم يا جماعه هذا أمر يخصكم وعملي هنا فني فقط، قالوا:
ولكن الأخ العقيد القذافي طلب مشاركة الإخوه العرب المتعاقدين فى التغيير
الثوري, أجبتهم على رأسي الأخ العقيد ولكنكم يا إخوان أدروا بأمور دنياكم
وانتم على علم بمصالحكم أكثر مني, وتخلصت منهم بصعوبه. قابلت صديقي جواد خارج
الإداره قلت له هل وقعت على تغيير المدير؟ قال نعم، قلت له لقد أخطأت ياجواد،
وكنت على صواب، فلم يمض على جلوس الموظف الصغير على مقعد المدير الوثير
إسبوعآ حتى نقض مجلس الثوره قراره وأعادوا المدير السابق إلى مكانه، وماهي
إلا إسبوع آخر حتى أصدر المدير قرارآ بإنهاء عقد المهندس جواد وإخراجه من
ليبيا. قلت لصديق ليبي في الإداره أثق به بلهجة ساخره تنم عن الألم: هذا جزاء
من يسمع كلام العقيد فإبتسم إبتسامه ذات معنى ولم يعلق. أيها الإخوه والأخوات
في تلك الفتره كانت القوانين الإقتصاديه في سوريا مقتبسه من الأنظمه الشيوعيه
والإشتراكيه، وقد تم إلغاء بعضها مثل قانون العقوبات الإقتصاديه والمترجم
حرفيآ من قوانين الإتحاد السوفيتي كل ما فيه يمنع تمنيت أن أقرأ فيه كلمة
يسمح فلم أجد، مثل هذه القوانين والتي عاشت بعض السنين في بلادنا قبل أن تلغى
أرجعتنا أعوامآ إلى الوراء،وأحد هذ القوانين الإقتصاديه كانت تمنع المغترب أن
يحضر معه إلى وطنه بعض التجهيزات التي إقتناها أثناء غربته، أو تفرض على بعض
هذه المقتنيات جمارك لا يقدر عليها علية القوم, فما بالك بشخص قضى ثلاث سنوات
في الغربه أمثالي ولم يكن أمامك من حل سوى أن تبيعها بسعر التراب في بلد
الغربه ثم تعود لبلدك لتؤسس من جديد. كل قوانين العالم تفترض حسن النيه
بالمواطن وعلى هذا الأساس تبني الدوله قوانينها،أما في بلادنا العربيه فتفترض
العكس، أصحاب سوء النيه موجودون في كل دول العالم وهم يحاولون دائمآ
الإستفاده من ثغرات القانون فمنهم من ينجح ومنهم من يضبط متلبسآ، لذلك كانت
القوانين الزجريه قاسيه للمخالفين أو للمرتشين الذين يساعدون على خرق
القانون. هذه القوانين إنتهت ولكن أثرت سلبآ على المواطن العربي.
أيها الإخوه والأخوات خططنا أن
نعود إلى سوريا عن طريق مصر حيث تلقينا دعوه من أخت زوجتي المقيمه في القاهره
مع إسرتها لقضاء عدة أيام عندهم، إستقبلونا الجماعه بحفاوه مكثنا عندهم عدة
أيام كانت القاهره في ذلك الزمان أقل سكانآ وأكثر نظافة، زرنا معالم القاهره
الجميله والأثريه، وكان ختامها أن نشاهد إحدى المسرحيات المعروضه في ذلك
الوقت، فاخترنا مسرحية سك على بناتك لفؤاد المهندس، دخلنا المسرح أخذنا معنا
لؤي وكان عمره آنذاك أقل من سنه, كل شيئ كان طبيعيآ في العشر دقائق الأولى من
المسرحيه، بعدها لم يتوقف بكاءه فحملته وذهبت به إلى صالة الإستراحه،ولكنه لم
يهدأ وتأخذه غفله من النوم إلا بعد إنقضاء وقت طويل، عدت بعدها إلى الصاله
لأجد الممثلين مجتمعين على المسرح ممسكين آيادي بعضهم إيذانآ بإنتهاء
المسرحيه وسط تصفيق الحضور، قصفقت معهم وغادرنا المسرح، حاولت زوجتي أن تقص
علي قصة المسرحيه لتخفف عني غيظي المكتوم ،فشكرتها على معروفها.
بعد إنتهاء إجازتنا في مصر، حاولنا
أن نجد حجزآ لدمشق فلم نستطع فجميع الرحلات محجوزه مسبقآ لعدة أشهر، أصبنا
بخيبة أمل عندما قالوا لنا ليس لكم ألا ان تحجزوا عن طريق بيروت وما أدراك ما
بيروت في تلك الأيام فالقتل على الهويه كان مألوفآ فإن كنت مسلمآ وصادفك حاجز
مسيحي فستكون نهايتك وكذلك العكس، آه ثم آه من حيل الكبار كيف يحركون الصغار
من أجل حماية مصالحهم، فهذه الحرب لم تكن سوى لعبة الكبار على أرض الصغار مع
الأسف. قالت لي موظفة الحجز: لاتخافوا يوجد هدنه في لبنان ولكن من يضمن هذا
الهدوء المريب فكم هدنة أقرت ثم نقضت عشرات المرات في يوم واحد،يكفي أن يأتي
أحد الزعران ويولعها بعدة طلقات من رشاشه بالفضاء لتشتعل الجبهات من جديد.
توكلنا على الله وقلنا: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. وصلنا بيروت مساءآ
وبدأنا نفتش على سيارة إجره تنقلنا إلى حلب, وجدنا غايتنا بعد عدة ساعات
ظننتها أيامآ وأنطلقنا سريعآ بإتجاه طرابلس وفي غضون ساعتين كنا داخل سوريا
فتنفسنا الصعداء وبدأت شهيتنا مفتوحه للطعام لأول مره منذ أن غادرنا القاهره.
وصلنا حلب في ساعة متأخره من الليل وأستقبلتنا الوالده في بيتها والذي كان
ملعب طفولتي ودراستي وشقاوتي ثم أستأجرنا بيتآ متواضعآ لتبدأ بعدها رحلة
جديده.
فإلى اللقاء مع تحياتي
مهندس/ هشام نجار
مساهمات سابقة:
|