19/06/2008

دور العراق فى استقلال ليبيا
 
بقلم: عمر بن محمد المجذوب (موقع العرب أونلاين)
 
تردد عليّ بعض طلبة التعليم العالى من بعض الجامعات يسألوننى عن بداية حركة السياسة الوطنية، بتوجيه من بعض مدرّسى مرحلة تحصيلهم العلمي، وألح عليّ بعضهم أن أنشر حديثا عن دور العراق فى استقلال الوطن، فكانت وجهتى بهذا الحديث باب صحيفة الـ"عرب" فطرقته.
 
هنا أقدّم تبيانا عن حلقة مفقودة من سلسلة التاريخ الوطنى بعد الحرب العالمية الثانية، أقدمها كشاهد لبداية نشأة هذا الدور بمدينة طرابلس أواخر سنة 1945 حتى أواخر سنة 1946.
 
ليبيا فى غضون تلك الفترة طائر مهيض الجناح يسير حيث يلتقط حبة يكسر بها جوعه، وإلى مضان بقية ماء تطفئ حرّ عطشه، هذا تشبيه لا يصدّقه إلا من عاشه، يُستثنى من هذا الوضع الموظفون والإداريون، الذين أصبحوا إرثا للإدارة العسكرية البريطانية من سابقتها الايطالية، هؤلاء الذين صار بعض الكتّاب الشبان يسمونهم بالنخب أو النخبة.
 
كنت خلال هذه الفترة تجاوزت العشرين من العمر وطالبا يدرس علم اللغة العربية والشريعة الاسلامية بالمؤسسات الأهلية بمدينتى زليتن وطرابلس الغرب، ومن معارفى ببرقة الأستاذ محمد بشير المغيربي، العائد حديثا من الأزهر بمصر، مع عدد من زملائه ببرقة وطرابلس الغرب.
 
هؤلاء الدراسون بالداخل والخارج والرجال الذين أفرج عنهم الجيش البريطانى من السجون الإيطالية، وكانوا مجاهدين عددهم بالإقليم كثير وانتشارهم فى مناطقه واسع والمهاجرون الذين عادوا ومعهم الزعماء زمن الجهاد، هذه الشريحة وحدها التى صارت تقدم الحركة من أجل الاستقلال على غيرها من مطالب الحياة.
 
منذ شهر أغسطس 1944 أسس ثلاثة رجال خلية سرية بعد أن رفضت الإدارة العسكرية طلبهم تأسيس بل إعادة الحزب الوطنى الذى أسسه المجاهدون يوم 30/9/1919 باسم حزب الإصلاح الوطني.
 
هؤلاء الثلاثة: منصور بك بن قدارة، عبد الرحمن بك زبيدة، الطاهر بك المريض. وصارت الخلية 4 بعد عودة عون بك سوف من المهجر بمصر.
 
الأول كان أمينا عاما لهيئة الإصلاح المركزية ومقرها بغريان سنة 20 وحتى 23 ، ثم أمينا لجمعية الدفاع البرقاوى الطرابلسى بدمشق.
 
الثانى كان محكوما بالإعدام ثم استبدل بعشرين عاما خرج من السجن يوم 24/1/1943 على يد قوة الاحتلال البريطانى ثم أعادته هذه السلطات بعد ثلاثة أشهر الى السجن وأخرجته منه أول يوليو 1944.
 
والثالث كان مهاجرا بمصر مع والده المرحوم أحمد المريض رئيس حكومة الهيئة الوطنية 1920-1923. على هذه الصورة المصغرة جدا كان الوضع العام على جانبه السياسى الوطنى فى ليبيا.
 
علاقة القضية الوطنية بالوضع الدولي
 
فى مؤتمر بوتسدام بألمانيا الذى عقده 3 رؤساء من دول الحلفاء، تورمان وستالين وإيتلى يوم 17 يوليو 1945 تقرر إنشاء مجلس وزراء خارجية الدول الكبرى من أجل أن يضع هذا المجلس معاهادت الصلح مع إيطالبا والنمسا والدول التى كانت تحارب ألمانيا.
 
وقد اشترك فى هذا المؤتمر 21 دولة مدعوة رسميا إلى الاشتراك فى بحث شروط الصلح مع إيطاليا فكانت حكومة المملكة العراقية عضوا فى مباحثات الصلح مع إيطاليا وكان الدكتور محمد فاضل الجمالى وزير خارجية العراق هو الممثل لدولته فى هذه المهمة.
 
دعت الهيئة البريطانية الجمالى إلى أن يلقى كلمة عن مهمته، فدوت كلمته فى مدينة طرابلس وكان الرجل من أصدقاء منصور بن قدارة، فاستبشر مع زملائه المتّخذين سطح أحد المنازل بالفندقية مقرا يتسامرون به فى بحث مهمتهم، واستطاع منصور أن يؤمّن وسيلة اتّصال عن طريق المصرف الجزائرى أو الفرنسى بمدينة طرابلس، كما كان يسمى. وصار الصديقان يتبادلان استلام حاجة كل منهما إلى معلومة تتصل بقضية إخراج ليبيا من مستعمرة إيطالية إلى قضية استقلال وطن افتُدى بعشرات الآلاف من الضحايا على مدى 20 سنة.
 
كان ذلك قبل تنازل إيطاليا عن مستعمراتها. وحتى بعد هذا التنازل فالقضية تنتظرها عوائق لا يسهل إزالتها، منها أن إيطاليا استطاعت أن تظفر بوعد الحلفاء، فقرر مؤتمر بوتسدام انه ينبغى إبرام "صلح عادل مع إيطاليا" وعهدوا بهذه المهمة إلى مجلس وزراء الخارجية لأن إيطاليا أعلنت الحرب على ألمانيا حليفتها السابقة يوم 8 سبتمبر 1943 فصارت من دول الحلفاء. وكان لها فى إقليم طرابلس خمسون ألف مواطن يملكون الأرض الزراعية المنتجة بالإقليم، وكانت كل دول أوروبا معهم فى طلب عودتها بأى صورة الى إدارة طرابلس.
 
بمجهود د.محمد فاضل الجمالى وباستمرار صلته بصديقه منصور بن قدارة، واستلامه المعلومات اللازمة للدفاع عن قضية الاستقلال، تحولت إلى هيئة الأمم المتحدة قضية مستقلة عن علاقتها بموضوع المستعمرات الأوروبية السابقة التى أراد ديجول أن يدمج إقليم فزان إلى منطقة الكفرة وغدامس.
 
تعددت زيارات وفود ليبيا الى هيئة الأمم المتحدة، وأخطرها على مستقبل قضية الاستقلال كان وجود 3 وفود عن وطن واحد؛ وفدين من طرابلس ووفد من برقة سنة 1949 فى شهر سبتمبر منه لأن وفد برقة جاء عن إمارة مستقلة ذاتيا ووفدا طرابلس كانا مختلفين على شكل الحكم.
 
كان منصور بن قدارة قد جاء مرات سابقة إلى الهيئة، ولكنّه لم يكن مع أى من هؤلاء هذه المرة فى الحضور. وصل الخلاف إلى داخل مناقشات اللجنة السياسية بالهيئة فانتاب الرجل خوف على قضية عاشها 4 سنوات حسبما قرأته فى تصريح له نشر فى مجلة تاريخ العرب وما سمعته من منصور بن قدارة شخصيا بعد ذلك.
 
دعا د.محمد الفاضل الجمالى الوفود الثلاثة إلى مقر إقامته وأعد مأدبة عشاء دعا إليها فيمن دعا مندوب بريطانيا فى هيئة الأمم المتحدة وفاجأ الوفد بأن أعلن المدعوون أن هؤلاء "وفود ليبيا وحّدوا كلمتهم على استقلال ووحدة بلادهم" ودعا أيضا أمام الحاضرين فى تلك المناسبة ان يتصافحوا، وأعد المذكرة باسم الوفد الذى توحد فى تلك الليلة وقدمها لهم فوقّعوها أمام الحاضرين وكلهم يشترك بمناقشات القضية باللجنة السياسية بالهيئة. فكتب لهم فى تلك الليلة فى مقر مندوب حكومة المملكة العراقية ما أعده الله لمجاهدى وطنهم على مدى 20 عاما من النضال المسلح.
 
وفى مساء يوم 21 نوفمبر صدر قرار هيئة الأمم المتحدة رقم 289 - 4 باستقلال ليبيا وفيه تقرير إشراف هيئة الأمم المتحدة على إعداد قيام الدولة المستقلة، فكان جميع عناصر المركب المادى والمعنوى لشخصية دولة الاستقلال قد اكتسب شرعيته الدولية من هيئة الأمم المتحدة وكان للعراق فضل وضع أساس هذه الشرعية فى عالم الدولة الحديثة..
 
الجمالى "1903-1997": محمد بن عباس بن محمد بن جواد، يرجع نسبه إلى بنى شيبة المشرفين على الكعبة قديما. كان علما فى السياسة والديبلوماسية، وفى الإيمان بقدسية العمل من أجل الحرية، وبقيمة معنى الإنسانية فى قضايا شرعية الإسلام. وأوسع من هذا، وبمنطقية الحق، فإن الدكتور محمد فاضل الجمالى هو علم من أعلام العصر لأمة العرب والإسلام فيجب على شباب جامعات العرب أن يدرسوا حياته الفكرية والعلمية، فالعناوين التى استوقفتنى فى حياته كل عنوان يشير إلى جدوى إعداد بحوث فيه.. حسبى فقد أطنبت.
 
نقلا عن موقع (العرب أونلاين)
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com