19/06/2008

محمود نبيل «مهاجر غير شرعي» وعائد من رحلة الموت:
 ٥١ يومًا من العذاب بين البحر والسجون.. ولا مانع من تكرارها لتحقيق الحلم

 

 
نقلاً عن جريدة "المصري اليوم"
 
شهر كامل قضيته في انتظار لقاء محمود العائد من سجن مالطة بعد رحلة غير شرعية استمرت ٥١ يومًا، هذا اللقاء الذي طالما تمنيت أن أجد فيه إجابات كثيرة لعدد من الأسئلة حول الآلاف ممن يسعون يوميا إلي الهجرة غير الشرعية سواء من مصر أو من أي دولة أخري رغم المخاطر التي قد تؤدي بحياتهم، وبأيديهم وباختيار عقولهم، وبالرغم من رفض محمود إجراء الحوار خوفًا علي سلامته أثناء محاولته الثانية التي يسعي أن تكون قريبة ليسافر إلي إصدقائه الذين نجحوا في الوصول إلي إيطاليا، فإنه أخيرًا وافق بعد إلحاح، وقال: «٥١ يوما من العذاب لا مانع من تكرارها في سبيل تحقيق حلم حياتي بالسفر إلي إيطاليا علي ألا أدفع تكلفة الرحلة إلا بعد الوصول إلي أرض الأحلام».
 
ثم بدأ محمود في سرد أحداث الرحلة قائلا: اتفقت أنا و٧ من أصدقائي وجيراني علي السفر إلي إيطاليا عن طريق البحر، وكان بالقرية أحد المسؤولين عن تلك المهمة، والذي يحصل علي ٢٠ ألف جنيه مقابل كل فرد يأخذ منهم ٨ آلاف جنيه مقدم والباقي بعد الوصول.
 
بعد أسبوعين تقريبًا من دفع المقدم، أخبرنا المسؤول عن ميعاد السفر وبالفعل توجهنا في الوقت المطلوب إلي مكان التجمع الذي كان بأحد شوارع مدينة بنها، ووجدنا فيه عددًا كبيرًا، ركبنا سيارة ميكروباص واتجهنا بها إلي ليبيا وقد استمرت الرحلة ثلاثة أيام كاملة في الصحراء.
 
ويضيف محمود بمجرد وصولنا إلي ليبيا كنا نشعر أننا جزء من فيلم أجنبي يتحدث عن المافيا، حيث وجدنا سيارة قابلتنا واوصلتنا إلي سيارة أخري نصف نقل سارت بنا عبر الصحراء، واستمرت رحلتها طوال ٣ ساعات كاملة، ثم توقفت في مزرعة كان بها فيلا مكونة من ٤ حجرات وصل فيها عددنا إلي ١١٠ أفراد، عشنا فيها أسوء أيام حياتنا، حيث قابلنا صاحب الفيلا وهو عقيد ليبي يدعي «ناصر»، قال إن هذا المكان سيكون سجنا لنا حتي ميعاد السفر وأنه ممنوع علينا أن نخرج منه.
 
ويستكمل محمود حديثه قائلاً عشت ٢٣ يوما علي مرتبة من الإسفنج لا تزيد مساحتها علي ٢*٣ متر مربع، كان مجرد الكلام فيها بالأشارة وبعيدًا عن العيون ولا تزيد الكلمات علي سؤال عبارة عن «معاك شوية ملح» فيرد الآخر «معاك كبريت»، كان الأكل سيئا جدًا ولا نحصل إلا علي وجبة واحدة في اليوم.
 
ويضيف محمود بعد ٢٣ يومًا من الذل جاءنا الخبر السعيد بأن السفر قد تقرر بعد ساعات قليلة، وأنه علي كل منا أن يرتدي أفضل ثياب لديه، وجاءت السيارات كي تقلنا من الفيلا، بعد أن ركبنا السيارة فوجئنا بأنها تأخذنا إلي مخزن آخر في حين سارت السيارة الأخيرة إلي مخزن ثان ثم انتقلت السياراة التي توقفت في المخزن الأول إلي المخزن الثاني وانتقلت الأخيرة إلي مكان «التجمع»، وتبعتها باقي السيارات، والتي كانت تتعامل بالاشارات الضوئية والرد بإشارات أخري، وفي هذا المكان اخبرنا العقيد بأننا علينا أن نجري حتي نقابل من سيأخذنا إلي السفينة، فوجئنا بعد السير لمدة بعدد من العساكر يضعونا في مكان رملي أوطي من الأماكن المجاورة والذي انتظرنا به ساعتين كاملتين لحين قدوم باقي المسافرين من المغاربة والمصريين، ومن هذا المكان قادنا العساكر إلي مكان اللانش الذي يبعد ١٠ كيلو في الصحراء والمسؤول عن نقلنا إلي السفينة، وقد استغرقت عملية نقلنا ساعتين أخريين.
 
ويشير محمود إلي السفينة التي جاءت لتقلهم إلي بلد الأحلام أنها كانت عبارة عن سفينة قديمة متهالكة - أقل تماسكا من السفن المسؤولة عن الذهاب إلي القناطر الخيرية، لأن رحلة هذه السفينة «ون واي»، إما يتم إلقاء القبض عليها أو تغرق في الطريق _ وبدأ الجميع في التكالب علي الدخول حتي امتلأ بطن السفينة وظهرها وجلس البعض علي «التاندة»، حيث وصل أعداد المسافرين عليها ١٨٠، وقد تحركت في الساعة الخامسة فجرًا، ومع حلول الليل بدأ المركب ويدخله المياه من الجوانب ومن بين الخشب المتهالك حتي أن الجميع أخذ ينطقون الشهادة ولم ينقذهم إلا طلوع الشمس وهدوء الريح ومعه الأمواج، وبدأ الجميع يرمي المياه التي عبأت السفينة من الداخل وكادت تغرقها، بدأ اليوم الثاني عادي حتي الساعة الرابعة عصرًا، حيث عادت الأمواج في الارتفاع وفي الوقت نفسه شاهدنا لانش غفر السواحل من بعيد فرمينا كل ما معنا من طعام، وعندما اقتربوا منا حدثهم أحد المسافرين ممن يتقن الإنجليزية، وقال لهم أننا مغاربة جئنا من تركيا، وأنه لا يوجد معنا طعام أو مياه، وأن السفينة تغرق، خاصة أننا اطفأنا المحركات، وبدأت المياه تدخل مجددًا إلي السفينة، ذهب حرس السواحل وعادوا بعد ٤ ساعات ومعهم لانش ملئ بالغذاء والماء، فإن المتحدث باسم المسافرين أخبرهم بأنهم لا يريدون طعاما وإنما يريدون الذهاب معهم إلي جزيرة تشيلي الإيطالية، فأخبروهم بأنهم لن يخرجوا واحدًا من السفينة إلا علي الشاطئ.
 
وعند الشاطئ الذي اكتشفوا فيه الصدمة الكبيرة «أنها جزيرة مالطة» وتبعد ٦ ساعات عن جزيرة تشيلي بأيطاليا، والسفينة التي جاءوا بها متهالكة ولا تصلح للسفر كيلو متر واحد زيادة، كما أنهم أصبحوا محتجزين داخل أراضي الجزيرة، التي استقبلتهم بعدسات المصورين ومروحيات الشرطة ورجالها الذين تعجبوا من العدد الكبير للرحلة، وبدأوا في استقبالهم علي مجموعات.
 
السجن في مالطا، كان عبارة عن مساحة كبيرة من الأرض بها مبني كبير وارتصت حولها عدد من الخيم، يوجد في كل خيمة ٥ أسرة ذات دورين، ويختلف تمامًا عن سجن ليبيا غير الحقيقي، فالطعام كان فاخرًا، وهو الأمر الذي لم يستطعمه الكثيرون بعد أيام الجوع الذي أغلق المعدة، وجعلها غير قادرة علي الهضم، وبعد يوم واحد اتفقنا علي ضرورة إيجاد حل لازمتنا، خاصة أن حلمنا أوشك علي التحول إلي كابوس بالعودة من جديد إلي مصر، فقررنا الإضراب عن الطعام، وبالفعل نفذنا ما قررناه وطالبنا بضرورة إستدعاء مجالس حقوق الإنسان، كي تحقق لنا رغبتنا في الخروج من مالطة والسفر إلي ايطاليا، وهو الأمر الذي رفضته الحكومة وأرسلت في طلب السفير المصري بعد أن علمت بلد كل مسجون من خلال اتصالاته بأهله، والذي أباحته فكان الاتصال بـ ١٥ يورو في حين استقبال المكالمة بـ ٥ يورو، ولكن الجميع حاول البحث عن طريقة جديدة وهي الهروب، فحاول أحد المصريين الهرب من علي سور السجن فتركه الضباط حتي أوشك علي الخروج، وتركوا عليه الكلاب كي تمسك به، وأعادوه إلي السجن، وبالرغم من اعتقاله بمفرده ومنعه من الخروج إلي فناء السجن فإن المحاولات لم تقف، حيث تكررت خلال الـ ٢٣ يوما هي فترة المكوث بالسجن إلي ٧ مرات، وطوال هذه الفترة زادت الخلافات بين المسجونين، خاصة مع الأفارقة الذين كان التعامل فيما بينهم وبين المصرين أشبة بحرب العصابات، ومع سفر المجموعة الأولي من المصريين وقله عدد الباقين بدأ الخوف منهم يتزايد، ووصل إلي قمته مع رحيل الفوج الثاني والذي لم يتبق بعده سوي ٧ تم ترحيلهم إلي سجن آخر يشتمل علي عدد كبير من المصريين الذين عادوا إلي مصر بمجرد اكتمال عدد ركاب الرحلة.
 
العودة إلي مصر لم تكن نهاية غير سعيدة لحلم عشرات من المصريين بل كابوسا تمني الكثيرون أن يصحوا منه علي استكمال رحلتهم إلي إيطاليا بعد أن نجح كثيرون من أصدقائهم في الهروب إليها وتحقيق المال والاحترام داخل بلدهم وبين أصدقائهم.
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com