
محمد مهدي عاكف
|
ذكر القيادي
البارز في جماعة الإخوان المسلمين المصرية الدكتور عصام
العريان أن الجماعة:" في حال وصولهم إلى الحكم سيعترفون
بإسرائيل ويحترمون المعاهدات، لكن اتفاق كامب ديفيد سيطرأ
عليه تغيرات وفقاً لما يناسبنا". وبالرغم من نفي المرشد
العام للجماعة السيد مهدي عاكف في تصريح لصحيفة الحياة ما
ذكره العريان، وإصراره على أن الجماعة لن تعترف بإسرائيل،
مؤكدا أن جماعته:" لا يوجد في قاموسهم شيء اسمه إسرائيل"،
إلا أن ثمة مؤشرات تفيد بأن جماعة الإخوان المسلمين المحظورة
في مصر، رغم أن نوابها يحتلون 20 % من مقاعد مجلس الشعب
المصري، قد بدأت تعد العدة لمرحلة استلام السلطة، وذلك
بتغيير الكثير من ثوابتها منذ تأسيسها على يد حسن البنا في
أواخر عشرينات القرن الماضي.
اجتهدوا ثم أنصتوا للمرشد العام
في معرض تفسيره
للتناقض الواضح بين تصريحاته، وتصريحات عصام العريان، يقول
المرشد العام للجماعة إن:" التعبير عن الرأي متاح للجميع
داخل الجماعة، لكن القرار يصب في النهاية عند المرشد". ويفهم
من أقوال عاكف أن مناقشة الاعتراف بإسرائيل انتقلت من المحرم
الديني إلى الممكن السياسي، وأنه سمح لقواعد الجماعة
بالاجتهاد فيما كان من المحرمات التفكير فيه. لم يكتف
الإخوان بهذه النقلة النوعية، وإنما طرحوا برنامجا الشهر
الماضي يوضحون من خلاله تصورهم لشكل الدولة، والنظام السياسي
الذي سيحكمون من خلاله مصر إذا ما وصلوا إلى السلطة، وحتى
الآن لا يزال البرنامج مطروحا للنقاش، ولم يصل إلى شكله
المتكامل، ولكن من خلال ما طرح يلاحظ أن الإخوان يحاولون
المزاوجة بين المؤسسات الدستورية التي وجدوها أمامهم،
والمؤسسات التي عاشت في مخيلتهم والتي يعتقدون أنها إسلامية.
بالرغم من إقرارهم
بمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث إلا أنهم يقترحون وجود هيئة
لعلماء الدين تعتبر المرجع الأعلى لكل ما يصدر عن البرلمان.
"ويجب على السلطة التشريعية أن تطلب رأي هيئة من كبار علماء
الدين في الأمة على أن تكون منتخبة أيضًا انتخابًا حرًا
ومباشرًا من علماء الدين ومستقلة استقلالا تامًا وحقيقيًا عن
السلطة التنفيذية في كل شئونها الفنية والمالية والإدارية،
ويعاونها لجان ومستشارون من ذوي الخبرة وأهل العلم الأكفاء
في سائر التخصصات العلمية الدنيوية الموثوق بحيادتهم
وأمانتهم، ويسري ذلك على رئيس الجمهورية عند إصداره قرارات
بقوة القانون في غيبة السلطة التشريعية ورأي هذه الهيئة يمثل
الرأي الراجح المتفق مع المصلحة العامة في الظروف المحيطة
بالموضوع، ويكون للسلطة التشريعية في غير الأحكام الشرعية
القطعية المستندة إلى نصوص قطعية الثبوت والدلالة القرار
النهائي بالتصويت بالأغلبية المطلقة، ولها أن تراجع الهيئة
الدينية لإبداء وجهة نظرها فيما تراه أقرب إلى تحقيق المصلحة
العامة.
من تأجير الأحزاب إلى تأسيس حزب
وهكذا لا يكتفي
الإخوان باعتبار المرشد العام للجماعة هو الرأي الأخير فيما
يخص شئون الجماعة، حتى وإن سمحوا للقواعد بمناقشة كل
القضايا، بل إنهم يعتبرون أن هيئة علماء الدين هي أعلى مصدر
للقرار على الصعيد الوطني، حتى وإن سمحوا للبرلمان بمناقشة
القضايا العامة، باستثناء القضايا المحرمة شرعا " لا يجوز
للبرلمان أن يقترع على أمر محرم شرعاً بثبوت القطع والقطع
الدلالة".
من الواضح أن
جماعة الإخوان المسلمين تحاول بصعوبة، الانتقال من الخطاب
الأيديولوجي المصمت إلى الخطاب السياسي المفتوح على كل
الاحتمالات، ولكنها تحاول أن ترضي الأجنحة داخلها، بحيث لا
تفقد وهي تلغي تابواتها التاريخية جمهورها الذي نجحت في
استقطابه بسبب خطابها السابق. كما أن "الحرس القديم" لا يزال
يسيطر على مكتب الإرشاد، الأمر الذي يمنع شخصيات أكثر مرونة
وتمرسا بالخطاب السياسي من تحويل الجماعة من جماعة دينية إلى
تيار سياسي محدد الأبعاد.
هذه هي المرة
الأولى في تاريخ الجماعة التي يتقدمون فيها ببرنامج سياسي،
ففي العهد الملكي اكتفوا بالدعوة، والقيام بالأعمال الخيرية،
وبعد أن تعرضوا لضربة موجعة من نظام الرئيس عبد الناصر
اختفوا تحت الأرض حتى جاء الرئيس السادات وتأسست المنابر
والأحزاب، ولكنهم منعوا من تأسيس حزب مرخص له من طرف الدولة،
وعندها حاولوا استئجار مقاعد في البرلمان باسم أحزاب أخرى،
وانتهى بهم الأمر إلى محاولة تأسيس حزب بالوكالة، فكلفوا أبو
العلا ماضي بتأسيس حزب الوسط، وحتى يطمسوا أي أثر لهم في
الحزب الجديد، ضموا لعضوية الحزب الجديد كل من صادفوه بما في
ذلك بعض الشخصيات القبطية، قبل أن ينصرفوا عن الأمر بجملته،
ويتمكنوا من الفوز بحوالي 20 % من مقاعد مجلس الشعب في
الانتخابات الأخيرة، وعندها اكتشف النظام أن الإخوان هم أقوى
تيار منظم في البلاد، وبدأ بطريقة منهجية في ضرب مصادرهم
المالية والزج بكوادرهم في السجون.
إخوان تركيا المثل الأعلى
حتى الآن لا يميل
الإخوان كعادتهم إلى الوضوح في قضايا أساسية، مثل
الديمقراطية وتداول السلطة، والموقف من الأقباط والمرأة،
وحتى الشخصيات "المستنيرة" في الجماعة، مثل عاصم العريان
تفضل أن تصمت الجماعة بخصوص بعض القضايا، وأن لا تقول رأيها
خوفا من أن ينفرط الناس من حولها. حيث انتقد العريان بعض
النقاط التي جاءت في برنامج الجماعة السياسي، وخاصة فيما
يتعلق بالمرأة والأقباط قائلا:" كان من الأفضل أن نسكت عن
هذه المسألة، والشعب يختار طبقاً لقناعاته الفقهية". مضيفا:"
الاختيار يكون طبقاً للتصويت وليس طبقاً للنصوص". كما وجه
العريان نقدا واضحا لفقرة هيئة العلماء، مطالبا باستبعادها،
وإعادة صياغتها وضمها إلى الفقرة التي تتحدث عن إصلاح الأزهر
والمؤسسات الدينية، ومنبها أن البرنامج السياسي ليس أهم من
البرنامج الاقتصادي، ومقارنا جماعته بحزب العدالة والتنمية
التركي، الذي وصل إلى السلطة وفقا لبرنامجه الاقتصادي،
وأحتفظ بالسلطة بسبب نجاحاته الاقتصادية كما يرى العريان.
أمور كثيرة جعلت
جماعة الإخوان تبدأ في تغيير خطابها التقليدي، حتى ولو كانت
البداية بهذا السقف المنخفض، ولكن مقارنة عصام العريان
جماعته، بإنجازات حزب العدالة والتنمية التركي يدل على أن
الأخير أصبح نموذجا للجماعات الأحزاب الإسلامية المعتدلة،
ويدل على حجم الصراع والاختلاف داخل جماعة الإخوان المسلمين
نفسها، فحزب العدالة والتنمية لم يستطع أن يتقدم بالرغم من
الفيتو الآتاتوركي الذي تولى العسكر حراسته، إلا بعد أن
خرجوا من عباءة نجم الدين أربكان الذي يشبه أي مرشد عام
تقليدي لأكبر تنظيم سياسي معارض في مصر، وهو ما قد يلجأ إليه
شباب الإخوان إذا استمر المرشد العام والحرس القديم في خفض
سقف البرنامج السياسي للجماعة.
الأمريكان لا يضعون البيض في
سلة واحدة
ثمة سبب آخر لبعض
تحولات الإخوان، وخاصة في مسألة الاعتراف بإسرائيل، فإذا
تصرف إخوان تركيا استجابة لطموح تركيا بالانضمام إلى الإتحاد
الأوروبي فإن إخوان مصر يضعون في اعتبارهم حوارهم الطويل مع
الأمريكان. حيث يتبادل الدبلوماسيون الأمريكان زيارات مع
شخصيات قيادية في الجماعة، وخاصة الأعضاء في البرلمان
المصري، رغم استياء الحكومة، والحزب الحاكم. في البداية كان
الأمريكيون يبررون هذه المودة بأنهم إنما يقابلون نواب الشعب
المصري، ثم أخذوا يصرحون بما كانوا يخفونه، وخاصة بعد فشلهم
الذريع في العراق، واكتشافهم أن الإسلاميين لهم عدة وجوه،
وليس وجها واحدا اختصروه في ابن لادن والظواهري بعد هجمات
سبتمبر، حيث يقول أحد الدبلوماسيين الأمريكيين العاملين في
القاهرة في هذا الصدد:"أن المنطقة بكاملها تذهب باتجاه سيطرة
الإسلام، وهذا ما نشاهده في كل دول المنطقة. فإما أن ندرك
ذلك وننخرط معها، أو نجد أنفسنا خارج الصورة بالكامل ".
ما يطرحه العريان
بخصوص "التعامل بواقعية مع إسرائيل" هو محصلة الحوارات مع
الأمريكيين، والذي يضغطون منذ سنوات لتتبنى حماس نفس الموقف
الذي لم يجمع عليه إخوان مصر والأردن، وهما الدولتان
الوحيدتان اللتان لهما علاقة دبلوماسية مع إسرائيل، ويرجح أن
لا تنجح هذه الوثيقة في تحقيق الإجماع داخل الجماعة، بالرغم
من كل الحيل البلاغية التي حاول المرشد العام تسويقها، ويبدو
أن ما حدث بين أربكان وشباب الإخوان في تركيا، أمثال أردوغان
وعبد الله غل، قد يحدث بنفس السيناريو في مصر، خاصة وأن حزب
الرئيس مبارك الذي يهيمن على السلطة منذ عدة عقود، فشل في حل
كل المشاكل المتراكمة في مصر، وحتى لو نجح الحزب في تمرير
السلطة إلى أبن مبارك فإن ذلك لا يلغي دور جماعة كبيرة مثل
الإخوان المسلمين، في غياب التيارات السياسية الأخرى، وخاصة
العلمانية التي فقدت الكثير من شعبيتها بسبب تراكم المشاكل
المستعصية، والهوس الديني، وهو ما تؤكده السلطات المصرية
بحملتها المتواصلة على الإخوان، والتي لو تصاعدت في ظل خطاب
سياسي معتدل وناضج يقترب من هموم الناس في هذه الدنيا، وليس
من أحلامه في اليوم الآخر قد تصنع مفاجأة مذهلة.
عن موقع إذاعة
هولندا (العربية) - 19-10-2007
|