تصل وزيرة
الخارجية الأمريكية اليوم الأربعاء إلى القدس في زيارتها
السادسة إلى المنطقة خلال هذا العام. تهدف الزيارة التي
ستستمر يومين إلى التنسيق مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية
للإعداد للمؤتمر الدولي للسلام، الذي لم يحدد موعده بعد، وإن
كانت أغلب المصادر ترجح انعقاده في نوفمبر المقبل.
ستبدأ رايس
زيارتها بلقاء رئيس وزراء إسرائيل أيهود أولمرت وأركان
وزارته، بالإضافة إلى زعيم المعارضة بنيامين نتانياهو، الذي
عمل ككابح لسرعة أولمرت خلال لقاءته المتوالية مع محمود
عباس، الأمر الذي جعل رئيس الحكومة يصرح بأن تفاهماته مع
عباس تهدف إلى التوصل إلى تفاهم مشترك وغير ملزم لإسرائيل.
كما ستلتقي رايس مع محمود عباس الذي يتعرض لضغوط أقوى من تلك
التي يتعرض لها أولمرت، بالرغم من أن المعارضة الفلسطينية
الممثلة في حماس منشغلة عن المؤتمر الدولي بتنظيم شرطة
الآداب التي شكلتها أخيرا في غزة.
ولم يجد رئيس
السلطة الفلسطينية بسبب ضعف الصف العربي، إلا قارب منظمة
التحرير الفلسطينية، الذي لا يزال قادرا على الإبحار في مياه
الضفة الغربية، باعتباره هناك لا يزال الممثل الشرعي والوحيد
للشعب الفلسطيني، كما وجد مساندة من الأمين العام للجامعة
العربية، الذي تولى مهمة التصريح بما يتجنب رؤساء البعثات في
الجامعة العربية التصريح به، حيث استبق وصول رايس إلى
المنطقة بالقول إن التحضيرات الجدية للمؤتمر الدولي للسلام
غير موجودة، مضيفا "يجب ألا يكون المؤتمر واحدا من المؤتمرات
التي تتم فيها المصافحات والتعبير عن المواقف العامة وإصدار
البيانات الختامية، نريد قرارات محددة"، منبها إلى أن "الظرف
الراهن حرج وإذا كانت ستجري فيه عمليات تحايل فنحن غير
مهتمين". وحذر موسى من أن أطرافا عربية قد تتعامل مع المؤتمر
القادم "باستخفاف "، دون أن يحدد هذه الأطراف.
فتح تطلب من رئيسها تجاهل
المؤتمر
وبالرغم من أن
رئيس السلطة الفلسطينية قد استبعد منذ البداية أي مشاورات مع
حركة حماس حول المؤتمر، فقد جاءت الضغوط من حركة فتح التي
يترأسها التي طلبت من عباس عدم حضور المؤتمر بدون التأكد من
نتائجه مسبقا. ويخشى الفلسطينيون أن يتم الاستفراد بهم في
المؤتمر لإجبارهم على تسوية أقل من تلك التي عرضت على الرئيس
عرفات قبل سبع سنوات ورفضها، لذلك هم أحرص على حضور كل أطراف
مشكلة الشرق الأوسط، بما في ذلك سورية ولبنان.
هل الغارة لإبعاد سورية أم
لدفعها للحضور؟
الغارة
الإسرائيلية الغامضة التي شنها سلاح الجو الأسبوع الماضي على
سورية والتي يحاول الطرفان التكتم على تفاصيلها، لا تزال
أهدافها السياسية غامضة أيضا. فقد رفعت في إسرائيل بعض الشيء
من أسهم أولمرت التي كانت في أدنى مستوياتها، ولكنها حتى
الآن لم تتضح ما إذا كانت محاولة لدفع سورية لحضور مؤتمر
السلام، أم أنها كانت أفضل الوسائل لمنعها من الحضور. لهذا
لم يتردد عمرو موسى في تصريحاته الأخيرة من القول بأن الغارة
كانت ضربة لمساعي السلام.
يرجح في هذه
الزيارة أن تعقد رايس اجتماعا ثلاثيا مع أولمرت وعباس لحثهما
على مزيد من التقدم، وتضييق فجوات الخلاف بينهما قبل حضور
المؤتمر. ويبدو أن الولايات المتحدة تسعى هذه المرة ليس للعب
دور الوسيط بين الطرفين كما جرت عليه العادة في اللقاءات
السابقة، وإنما دفع الطرفين للتفاهم أولا، ثم حضور المؤتمر
للتصديق على هذه التفاهمات، والتدخل فقط عندما يعجز الطرفان
على تخطي إحدى العقبات. وربما تكون هذه مهمة رايس من خلال
جولتها التي تبدأ اليوم، والتي سبقتها بالتصريح، وكأنها ترد
على التصريحات السعودية الأسبوع الماضي، وتصريحات عمرو موسى
بقولها "لا احد يريد أن يحضر مؤتمرا لسماع الخطب بل نريد أن
نحقق السلام بين الطرفين.وفي نفس الوقت رفضت الإفصاح عن جدول
أعمال المؤتمر، والأطراف التي ستتم دعوتها لحضوره.
حتى الآن لم يتسرب
إلا القليل من نتائج لقاءات أولمرت وعباس، وما هي المواضيع
التي اتفقا عليها، والأخرى التي لا تزال موضع خلاف. ولكن
يمكن القول استناداً إلى ما سربته الصحف الإسرائيلية، وما
نقلته صحيفة "القدس العربي" اللندنية، أنهما اتفقا على
الصورة العامة للدولة الفلسطينية المرتقبة في معظم
لقاءاتهما. ويبدو أنهما اختلفا في إيجاد الحلول العملية
والتطبيقية لهذه التفاهمات، وكان الجانب الفلسطيني الملدوغ
من اتفاق أوسلو هو الذي أصر على التطرق لكافة التفصيلات
الدقيقة للوضع على الأرض، وحتى الآن ومن خلال التسريبات التي
نشرتها الصحف الإسرائيلية فإن الطرفين اتفقا على أن مدينة
القدس عاصمة للدولتين، على أن تخضع ثلاث مناطق من القدس
الشرقية للسيادة الفلسطينية بما في ذلك المسجد الأقصى،
وسيكون للمدينة مجلسان بلديان احدهما إسرائيلي والآخر
فلسطيني، ومجلس ثالث مشترك يجمع الاثنين يتولى التنسيق بين
المجلسين الأولين. كما اتفق الطرفان على إنشاء ممرات آمنة
يسلكها أتباع الديانات الثلاث للوصول إلى منطقة الأقصى
وغيرها من الأماكن المقدسة، ويبدو أن الخلاف بينهما لا يزال
قائما فيما يخص حي الأرمن في القدس الشرقية، ولم تعرف حتى
الآن طبيعة هذا الخلاف.
تفاصيل التفاصيل
على صعيد مبادلة
الأرض، اشارت التسريبات الإعلامية إلى موافقة إسرائيل على
الانسحاب من أراض تساوي في مساحتها الأراضي المحتلة عام
1967، على أن يتم تعويض الفلسطينيين بأراض أخرى غير تلك
المقامة عليها التجمعات الاستيطانية الكبرى، ويبدو أن الجانب
الفلسطيني وافق على المقترح من حيث المبدأ، ولكنه رفض فكرة
إسرائيل مبادلة الأراضي بأراض داخل إسرائيل يقيم عليها
العرب، مثل منطقة أم الفحم، وطالب الجانب الفلسطيني بأراض
خالية من السكان، بحجة أنه سيتم فيها توطين 100 ألف من
اللاجئين الفلسطينيين الذين وافقت إسرائيل على عودتهم،
والمقيمين في العراق ولبنان، كما وافقت إسرائيل على عودة عدد
آخر لم يحدد حتى الآن إلى داخل حدودها، بالإضافة إلى
الموافقة على مبدأ التعويض.
بقية المواضيع تم
الاتفاق عليها دون مشاكل مثل وجود ممر يربط بين الضفة وغزة،
وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، وانسحاب القوات الإسرائيلية
التدريجي من مناطق الضفة.
غموض الأهداف الأمريكية من
المؤتمر
هل تسعى الولايات
المتحدة بشكل جاد لحل إحدى أعقد المشاكل السياسية في العالم؟
وهل اكتشفت بعد تجارب عديدة أن هذه المشكلة هي مصدر معظم
الأزمات في الشرق الأوسط، وأن ظاهرة الإرهاب لن تنتهي من هذه
المنطقة ما لم تحل الأزمة التي تحولت إلى مبرر له، بعد أن
كانت مبررا لصعود معظم الدكتاتوريات في المنطقة، وانغلاقها
عن أي محاولة جادة للإصلاح؟ أم أن المساعي الأمريكية هي
مساعي إدارة خسرت كل شيء، وقبل أن تترك المسرح السياسي في
أواخر العام المقبل، تحاول أن تتكئ على أزمة الشرق الأوسط من
أجل الانطلاق إلى آخر مغامراتها غير مأمونة العواقب في
المنطقة، وهي ضرب إيران، مستغلة مخاوف جيران إيران الذين
أصبحوا يعتبرونها العدو الاستراتيجي بدلا من إسرائيل؟
تجعل هذه
التساؤلات المخاوف العربية من هذا المؤتمر تبدو حقيقية.
أحيانا بسبب عدم الثقة في إدارة بوش التي جعلت من العراق
بؤرة خطر على الأنظمة المجاورة أكثر من إسرائيل، وأيضا بسبب
الخوف من إيران النووية، التي لن تقف طموحاتها فقط عند جزيرة
طنب الصغرى. وفي كل الأحوال لا يستطيع العرب فرض وجهة نظرهم
على أحد، وقد تعمد الأمريكيون عدم استشارتهم بخصوص المؤتمر
الدولي، لذلك وجدوا أخيرا أهمية تذكر لجامعة الدول العربية
من خلال تصريحات أمينها العام.
عن موقع إذاعة
هولندا (العربية)
|