أصدر الرئيس
البلغاري جورجي بارفانوف عفوا رئاسيا على الممرضات
البلغاريات الخمس، وأشرف الحجوج الطبيب الفلسطيني الذي منحته
بلغاريا جنسيتها الشهر الماضي. وجاء القرار الرئاسي بعد وصول
المدانين الستة من طرف القضاء الليبي بحقن 438 طفلا بالفيروس
المسبب لمرض الإيدز إلى مطار صوفيا الدولي، حيث كان في
استقبالهن الرئيس البلغاري، وأعضاء في الحكومة البلغارية،
وعائلاتهن ووسائل الإعلام المختلفة، وكانت المحكمة العليا
الليبية قد ثبتت حكم الإعدام الصادر بحقهن، قبل أن يخفف مجلس
القضاء الأعلى الليبي الحكم الصادر ضدهن إلى السجن المؤبد.
التعويل على العلاقات الشخصية
وكانت الممرضات
والطبيب الفلسطيني الأصل، وطبيب بلغاري زوج إحدى الممرضات قد
وصلوا جميعا فجر اليوم الثلاثاء إلى مطار صوفيا على متن
طائرة رئاسية فرنسية، برفقة سيسيليا ساركوزي، التي نجحت في
زيارتها الثانية إلى ليبيا في الإفراج عن الممرضات قبل يوم
واحد من زيارة زوجها الرئيس الفرنسي إلى ليبيا في زيارة أعلن
عنها منذ الأسبوع الماضي، كما رافق الممرضات والطبيب
الفلسطيني مفوضة العلاقات الخارجية في الإتحاد الأوروبي
بينيتا فيريرو فالدنر، وكلود غيان.
قطر في كل وساطة
وكان مكتب الرئيس
الفرنسي أول من أعلن عن نبأ إطلاق سراح الممرضات والطبيب
الفلسطيني الأصل، حيث صدر بيان من قصر الأليزيه صباح اليوم
جاء فيه:" إن الطائرة التابعة للجمهورية الفرنسية أقلعت من
ليبيا باتجاه صوفيا وعلى متنها السيدة سيسيليا ساركوزي
والسيدة بينيتا فيريرو فالدنر وكلود غيان والممرضات والطبيب
الفلسطيني." وأضاف البيان أن: "يرحب كل من الرئيس ساركوزي
ورئيس المفوضية الأوروبية خوسيه مانويل باروسو بالاتفاق الذي
اتاح إطلاق سراح الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني بعد
ثماني سنوات قضوها في السجن." ومن الجدير ذكره أن البيان خص
بالشكر أمير دولة قطر حيث جاء في البيان الرئاسي: "إن رئيس
الجمهورية ورئيس المفوضية يرحبان بالمبادرة الإنسانية لليبيا
ولقائدها الأعلى ويتعهدان بعمل كل شيء من اجل مساعدة الأطفال
المصابين بالإيدز. كما يعبران عن عميق امتنانهما لأمير دولة
قطر الذي سمحت وساطته بهذه النهاية السعيدة". وهذه هي المرة
الأولى التي يتدخل فيها أمير قطر في هذه القضية، والذي تربطه
بالعقيد القذافي علاقة وثيقة، خاصة وأن أهم ما يجمعهما هو
السعي لمواجهة الدور السعودي في المنطقة.
النساء ينقذن النساء
كما شكر الإتحاد
الأوربي في بيان صدر اليوم الثلاثاء من بروكسيل السلطات
الليبية على "لفتتها الإنسانية"، حسب ما جاء في البيان الذي
وقعه كل من الرئيس الفرنسي، ورئيس المفوضية الأوروبية جوزيه
مانويل باروسو، حيث تعهد الاثنان بالعمل على مساعدة الأطفال
الليبيين المصابين بأخطر أمراض العصر. كما تعهد الرئيس
البلغاري بالعمل على تخفيف معاناة الأطفال وعائلاتهم، وكان
قد اتصل بالرئيس الفرنسي معربا عن: "شكره للدور الفعال الذي
لعبته سيسيليا ساركوزي والمفوضة بنيتا فيريرو فالدنر في حل
هذه القضية.".
لوكربي تحت الرماد
وبهذا يكون الستار
قد أسدل على واحدة من أطول القضايا الدولية، امتزجت فيها
العوامل السياسية بالعوامل الإنسانية، واستغرقت الأزمة ثماني
سنوات، مما يتيح المقارنة بالأزمة الدولية التي كانت ليبيا
طرفاً فيها أيضاً، أي أزمة لوكربي التي أدت إلى فرض عقوبات
دولية على ليبيا استمرت لمدة ثمان سنوات أيضاً. ويثير هذا
التناظر تساؤل بعض المراقبين ما إذا كان ذلك مجرد مصادفة، أم
أن ليبيا من خلال الممرضات البلغاريات كانت تسعى للثأر من
عواقب قضية لوكربي. ويذكر أنه من المنتظر أن يعاد النظر في
الأدلة التي وجهت إلى المدان في تفجير طائرة الركاب
الأمريكية في ديسمبر عام 1988 عبد الباسط المقرحي، الذي يقضي
عقوبة بالسجن المؤبد في اسكتلندا، وكانت لجنة مراجعة
اسكتلندية قد اكتشفت أخطاء في الأدلة التي استندت عليها
المحكمة في الحكم على المقرحي. فهل كانت محاكمة الممرضات
البلغاريات والطبيب الفلسطيني من باب الرد بالمثل؟ وإذا كان
الأمر كذلك فمن الذي حقن الأطفال؟، وتسبب في هذه المأساة
الإنسانية.
تطبيع كامل
بموجب الاتفاق
الذي أدى إلى الإفراج عن الممرضات تعهد الإتحاد الأوروبي
بتطبيع علاقته بشكل كامل مع ليبيا، حيث وقعت مفوضة العلاقات
الخارجية في الإتحاد الأوروبي على مذكرة تفاهم مع ليبيا
بالخصوص قبيل الإفراج عن الطاقم الطبي البلغاري، وتتضمن
المذكرة فتح الأسواق الأوروبية أبوابها للمنتجات الزراعية
والسمكية الليبية، وترميم الآثار الليبية، وتوفير منح دراسية
للطلبة الليبيين، بالإضافة إلى رعاية الأطفال المصابين،
وتوفير معدات متطورة للمستشفى الذي شهد الكارثة في مدينة
بنغازي.
الدفع باليمين وباليسار
يحيط الغموض
بمصدرالأموال التي تدفع كتعويضات لعائلات الضحايا. فقد نفى
الرئيس الفرنسي ساركوزي نفياً قاطعاً أن تكون فرنسا أو
الاتحاد الأوربي قد دفعت التعويضات المالية التي تزيد عن 400
مليون دولار. وهو ما سبق لمفوضية الاتحاد أن نفته أيضاً
وقالت أن التعويضات جاءت من صندوق دولي فتح خصيصاً عام 2005،
وكان الإتحاد الأوروبي قد ساهم فقط بحوالي 2.5 مليون دولار
في الصندوق، انفق منها على الأطفال أنفسهم عندما جاءوا إلى
أوروبا خلال العام الماضي. في الوقت نفسعه أكد وزير الخارجية
الليبي عبد الرحمن شلقم في تصريح صحفي أن صندوق التعويضات تم
تمويله من قبل الدول الأوربية بشكل كامل. والسؤال الذي يطرحه
الكثير من المراقبين الآن من الذي دفع كل هذه التعويضات؟
ولم يستبعد
مراقبون أن تكون ليبيا هي من دفع التعويضات للوصول إلى هذا
الاتفاق السياسي الذي ينهي عزلتها. ويقول أصحاب هذه النظرية
أن التكتم عن مصدر الأموال موجه للشعب الليبي، حيث تريد
الحكومة الليبية أن تبدو أمام مواطنيها وكأنها تمكنت من
استعادة المبالغ التي دفعتها إلى ضحايا طائرة لوكربي التي
بلغت عشرة مليون دولار عن كل ضحية، وضحايا الطائرة الفرنسية
بمعدل مليون دولار عن كل ضحية، وكذلك ضحايا ملهى لابيل في
برلين، وكان العقيد القذافي قد كرر عدة مرات بأن "ما دفعناه
باليمين استعدناه باليسار".
هل تلجأ البلغاريات إلى المحاكم
الأوروبية
من ناحية أخرى كان
العقيد القذافي قد أعلن أكثر من مرة بأن إحدى الدول تورطت في
جريمة حقن الأطفال بفيروس الإيدز، وهو ما لم تذكره وقائع
محاكمة المتهمات، وحتى الآن لم تعرف هذه الدولة، فهل جاء هذا
الاتفاق ليسدل الستار نهائيا عن المجرم الحقيقي؟ خاصة وأن
أهالي الأطفال بعد استلامهم للتعويضات، وتنازلهم عن حقهم في
المطالبة بإعدام الممرضات والطبيب الفلسطيني، لا يستطيعون
الاستمرار في المطالبة بمعرفة الحقيقة، ومجلس القضاء الأعلى
قد أقفل الملف نهائيا، كما إن الممرضات والطبيب الفلسطيني قد
وقعوا على تعهد بعدم ملاحقة الدولة الليبية، ورجال الشرطة
الليبيين الذين تدعي الممرضات أنهم مارسوا تعذيبهن، وأنهم
تمكنوا لهذا السبب من انتزاع اعتراف منهن بمسئوليتهن عن حقن
الأطفال.
ما انتزع بالإكراه لا يعتد به
يمكن القول أن
الستار أسدل على فصل من القضية، التي ستبعث من جديد إذا رفعت
الممرضات قضية ضد السلطات الليبية يطالبن فيها بتبرئتهن،
وتكفل كل المواثيق الدولية لهن هذا الحق، ويقول خبراء في
القانون الدولي أن التعهد الذي وقعت عليه الممرضات والطبيب
الفلسطيني بعدم ملاحقة الدولة الليبية لا يعتد به في أي
محكمة، فما انتزع بالإكراه لا معنى له أمام القانون. كما أن
هناك أحتمال بقيام عائلة أو أكثر من عوائل الضحايا الليبيين
برفض التعويض المقدم لها ورفعت قضية للمطالبة بإعادة
المحاكمة لمعرفة المسئول عن حقن الأطفال بالفيروس القاتل،
الذي أدى حتى الآن إلى وفاة 56 طفلا. وهذا هو ما مثلما حدث
مع بعض عائلات ضحايا طائرة لوكربي وفي مقدمتهم دكتور جيمس
سوايرز الذي لم يقتنع بإدانة المقرحي، وواصل استئناف القضية
وقد يستطيع بعد صبره الطويل من معرفة المتسبب الحقيقي في
مقتل ابنته على الطائرة المنكوبة.
عن موقع إذاعة
هولندا (العربية)
|