08/07/2008
 

تداخل الثقافة الأمازيغية والعربية في مهرجان بفاس

 

 
ملصق الإحتفالية في فاس
 

 
جانب من إحدى ندوات المهرجان
 
حميد الأبيض: يضرب التلاقح الثقافي العربي الأمازيغي بمعناه الواسع في جذور التاريخ المغربي من خلال المصاهرة منذ وصول المولى إدريس باني فاس إلى وليلي وزواجه بكنزة ذات الأصول الأمازيغية من قبيلة أوربة، وزواج الحسن الداخل بأمازيغية من تافيلالت أثناء حلولها بها، وتمزغ قبائل عربية وتعرب أخرى أمازيغية في تلاقح دموي ولغوي بين الوافدين والمحليين من سكان عدة مناطق مغربية.
 
تلك أهم خلاصات واستنتاجات ندوة "تداخل الثقافة الأمازيغية والعربية" التي نظمت على هامش المهرجان الرابع للثقافة الأمازيغية الذي احتضنته مدينة فاس بين 3 و6 يوليو 2008 تخليدا لذكرى مرور 12 قرنا على تأسيس مدينة فاس، بمشاركة مفكرين وأساتذة جامعيين ومهتمين باللغتين وفنانين أمازيغ من الجزائر وليبيا وإيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة ومختلف جهات المغرب.
 
هوية ثقافية صامدة
 
يجعل البناء الحضاري المتين الهوية المغربية "قادرة على الصمود في الزمان وبناء الإنسان المغربي المنفتح على غيره والمتعاون مع غيره من بني الإنسان" برأي محمد رفيع أستاذ بجامعة محمد بن عبد الله بفاس الذي تحدث عن مسلكين لذلك؛ هما: "استقصاء دون إقصاء لكل المكونات الثقافية الأصيلة، وصياغة علاقة حضارية مع الآخر الكوني مبنية على التعاون والتكامل".
 
وأوضح أن المكونات التي يزخر بها المجتمع المغربي "يجب أن تتخذ ركائز ثقافية في بناء الهوية الوطنية على أساس من العدل والإنصاف وسيادة روح ثقافة الاختلاف عبر حركة ثقافية تربوية تسري في المجتمع وتمتد في الزمان"، داعيا إلى الإسهام في فتح آفاق واسعة جديدة من التبادل الثقافي والتواصل الحضاري بين مختلف المجتمعات بعيدا عن ثقافة الحقد والكراهية واحتقار الشعوب.
 
واعتبر محمد ألحيان -من المعهد الملكي المغربي للثقافة الأمازيغية- أن الوعي بالتنوع الثقافي يأتي "نتيجة لإرادة الانفتاح على الآخر الذي أصبح في الوقت الراهن ثروة، بل وضرورة حيوية للمجتمع الإنساني"، محاولا الإجابة عن أسئلة تتعلق بمعنى التنوع الثقافي ومميزاته عن التعددية الثقافية ودوافع الأمم الحديثة للقطع مع مفهوم الأمة الوحيدة وغير القابلة للتقسيم.
 
وحاول المتدخلون -في الندوة الهادفة لتباحث وسائل عقد مقاربة مندمجة لدور التعدد الثقافي في التنمية وتدعيم الحداثة- "تبيان الأسس المرجعية لهذا التعدد ووظائفه وضوابط تدبير الاختلاف مع الآخر الثقافي، وفتح ميادين جديدة للتفكير وأبعاد الانتقال إلى مرحلة متقدمة من التباحث في الاختلاف الرامي إلى ربط التوجه السياسي القائم على الاختلاف الثقافي بسياسة ديمقراطية للعدالة الاجتماعية".
 
امتزاج لغوي بالجزائر
 
عرف المجتمع الجزائري على غرار المجتمعات المغاربية توترات تاريخية خاضعة بطريقة دورية لأوضاع الاستعمار، أفرزت امتزاجا لغويا كان من نتائجه "خلق لغة دارجة يدخل في تكوينها ترسبات الوجود الاستعماري، مع الإبقاء على ما عرفه الجزائريون في تاريخهم اللغوي الذي بدأ منذ أن فرضت اللغة العربية وجودها في شمال إفريقيا"، مما لا يمكن تعميمه على كل البلدان المغاربية.
 
وأكدت دادوا حضرية نبية من جامعة وهران في مداخلة حول "الهوية والتسمية في الجزائر: دراسة لتأثير التدخل الفرنسي في تغيير المشهد الأنوماستيكي في الجزائر"، أن الدراسات اللغوية والتاريخية لأصل الأسماء في الجزائر "أثبتت أن تدخل السلطات الفرنسية في نسخ أسماء الجزائريين أنتج حالة مدنية مغايرة لتقاليد المشهد الأنوماستيكي الذي ألفه الجزائريون الذين عانوا كثيرا من ذلك".
 
وتحدث بلقاسم بومديني أستاذ بذات الجامعة، عن قيام إشكالية الوضعية اللغوية في الجزائر المتميزة بوجود 4 لغات (العربية الفصيحة والجزائرية والأمازيغية والفرنسية)، مؤكدا تأثر السياسات اللغوية في هذا البلد بالعديد من التيارات الأيديولوجية الوافدة، دون أن ينكر أن "المسألة اللغوية هي من صميم الهوية في الجزائر بمزيج من الطابع الأمازيغي الأصيل ومؤثرات الاتصال الثقافي".
 
ورأى ألفونسو دو طورو من جامعة لبزيك أن الشتات "يعتبر قناة للثقافات والهويات؛ حيث تحديد الفرد من خلال التجربة المشتركة للأعضاء الآخرين المنتمين للجماعة ذاتها أو جماعات أخرى، مشيرا إلى مساهمة مفكرين مغاربيين في تطوير تصورات بخصوص الثقافة المهاجرة والمغتربة والكونية والشتاتية، واعتبر الشتات المغاربي "يعمد لفتح حوار بين الثقافات العربية والشرقية".
 
تشابه بين اللسانين
 
لم ينكر علي واحدي (باحث بجامعة فاس) -في مداخلته حول "الجذور التاريخية للتداخل الثقافي العربي الأمازيغي" المقدمة في الندوة الممتدة على 3 أيام في 8 جلسات- وجود تشابه بين اللسانين العربي والأمازيغي في صيغة المؤنث، موردا أمثلة على ذلك من قبيل "تريت" (بنت) و"تتبيرت" (حمامة)، ومتحدثا عن أن طارق بن زياد "تدل خطبته على تضلعه في اللسان العربي الرصين".
 
واختار موحى الناجي مدير مهرجان فاس للثقافة الأمازيغية وهو أستاذ جامعي بجامعة روتجرز الأمريكية، عرض الوضعية الحالية للغة الأمازيغية في البلدان المغاربية الثلاث (المغرب والجزائر وتونس)، وتدارس نظام اللغة الأمازيغية وخصائصها اللغوية والوظيفية وتطورها وعلاقتها بالعربية العامية، مع الحرص على سرد أمثلة من الكلمات العربية ذات الأصل الأمازيغي.
 
وتناولت عزيزة بوشريط أستاذة بجامعة جسيو، بالدرس والتحليل أوجه التداخل بين العربية والأمازيغية في مفردات اللغة الأمازيغية؛ انطلاقا من مدونة قوامها حوالي 700 عبارة جمعت في جهة القصيبة (لهجة آيت ويرا في الأطلس المتوسط المغربي)، من لدن الباحثة مليكة شكيري، ساعية إلى فحص الكلمات المقترضة في هذه العبارات من العربية، مبرزة الصيغ المعنية والحقول الدلالية.
 
"تقدم التعبيرات الدينية عند النساء الأمازيغيات 3 خصائص رئيسية تتحدث عن تاريخ الأسلاف الموغل في القدم مما لا نعرف عنه إلا القليل، وتعبر عن ثراء روحي يتجاوز حدود المؤسسة للإفصاح بحرية كاملة عن هوية نسائية عميقة".تقول فاطمة الصديقي أستاذة جامعية، مشيرة إلى أن هذه التعبيرات "نقلت بعض القيم الرمزية التي أصبحت تشكل أساس الحركة النسائية بالمغرب".
 
تلاقح الإبداع العربي الأمازيغي
 
يعتبر المغرب فضاء ثقافيا غنيا في ميدان التعبيرات الفنية التي تعتبر "ثمرة التلاقح بين الثقافة الأمازيغية والعربية" برأي فاطمة بوخريس عن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية التي استدلت بفن العيطة كشكل من أشكال الغناء التقليدي الذي نما وتطور في مناطق التماس، للبرهنة على هذا التلاقح واستخراج الأساس الأمازيغي الذي قامت عليه أغاني العيطة وأكسبها أصالة لا نظير لها.
 
ولاحظ محمد دجلاوي من جامعة تيزي أوزو الجزائرية، وجود تأثير ديني بكل أحكامه وقيمه كمادة فكرية شكلت الأرضية الإبداعية لرؤى وأفكار الشعراء وترتب عنها ظهور أصناف شعرية دينية من قبيل الأذكار والمديح والقصص الديني والشعر الصوفي، مشيرا إلى أن التأثير اللغوي يتضح بشكل بارز من حيث القاموس اللفظي المستمد من العربية والجانب النظمي للقصيدة الأمازيغية.
 
وأكدت صليحة سنوني من جامعة وهران أن أهم الطقوس الاحتفالية الأمازيغية المعروفة بمنطقة بني سنوس بتلمسان، "حطمت جدار التفرقة، وساعدت على تلاحم وتضامن الثقافتين وبناء المنطقة في وحدة واحدة، وتنمية الثقافة العربية والحفاظ على التراث"، فيما أوضح محمد لخضر مكوال من جامعة الجزائر أن أغاني عيسى دجارموني الحراكتي، دليل على تجانس وتلاقح اللغتين.
 
وأكد مكوال أن الغناء عند هذا الفنان وهو من المغنين الأكثر شعبية في شرق الجزائر، "تتعايش بين أحضانه اللغة الأمازيغية والعربية؛ ليمدنا بعدد واف من المعلومات المتعلقة بالحياة اليومية في هذا البلد خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية"، فيما أكدت كريمة آيت مزيان من الجامعة نفسها استناد الإدراك الأدبي الرمزي للمرأة القبائلية على الأساليب المباشرة وغير المباشرة.
 
فقرات متنوعة
 
تضمن مهرجان فاس للثقافة الأمازيغية، إضافة إلى أشغال الندوة المذكورة، أنشطة فنية وأهازيج ورقصات تمثل مختلف جهات المغرب، وتظاهرات كبرى للأغنية الأمازيغية والشعبية من خلال منشديها وشعرائها وفنانيها من مختلف جهات المغرب والخارج، إحياء لإرث أدبي وفني كوني، وبغية توطيد التلاحم الثقافي العربي الأمازيغي وصيرورة تنمية قيم السلام والحوار والتماسك.
 
وكرم المهرجان -المتضمن محورين؛ أحدهما للندوة والآخر مخصص للأغنية والشعر الأمازيغي والشعبي- أحمد بوكوس عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية؛ اعترافا بما له من مكانة متميزة داخل وخارج المغرب باعتباره "رائدا في المجال الأكاديمي والثقافي، ولأهمية مساهماته المتنوعة وانفتاحه على اللغات والثقافات الإنسانية"؛ ما جعل منه "مثلا يحتذى به، ونبراسا للشباب المتطلع لمستقبل أفضل".
 
وخصصت خلال هذا المهرجان -المتضمن برنامجه عروضا في الفروسية ومعارض للكتب والفن التشكيلي والزربية الأمازيغية- تحية خاصة للفنانين مصطفى أومكيل (الأطلس المتوسط) وفاطمة تابا عمرانت (سوس) ومجموعة مبروك (الريف) والمايسترو موحى أولحسين أشيبان، والفنان الجزائري جمال علام؛ لمواهبهم الكبيرة، ومساهماتهم الفنية في الأغنية والثقافة الشعبية الأمازيغية.
 
وأحيا الفنانون المذكورون طيلة أيام المهرجان -المنظم على هامشه عرض للأزياء الأمازيغية (إيسبود)- سهرات فنية في ساحتي بوجلود وباب المكينة بفاس إلى جانب الفنانين آمال تافسوت من الولايات المتحدة، وعبد الرحمن أولحلو (الجزائر)، ومجموعة أوسان (ليبيا)، والفرقة الإيطالية "كويان"، والشريفة كرسيت، وسعيدة تيتريت، ومجموعة أمارك فيزيون من المغرب.
 
استمع إلى:
 
مقاطع لمجموعة أمارك فيزون المغربية
 
مقاطع للفنان الجزائري عبد الرحمان ألحلو
 
* صحفي وناقد فني مغربي
 

نقلا عن موقع (إسلام أونلاين)

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com