الاختفاء القصري
 
بقلم: عيسى عبدالقيوم
 
عُرّف بأنه " إحتجاز شخص محدد الهوية رغما عنه من جانب موظفى أي فرع من فروع الحكومة أو مستوياتها ، أو من جانب مجموعات منظمة أو أفراد عاديين ، يزعمون أنهم يعملون باسم الحكومة أو بدعم منها أو بأذنها أو بموافقتها ، فتقوم هذه القوى بإخفاء ذلك الشخص أو ترفض الكشف عن مصيره أو الإعتراف بإحتجازه " (منظمة العفو الدولية).
 
الإختفاء القسري للأشخاص يعنى " إلقاء القبض على أي أشخاص ، أو إحتجازهم أو إختطافهم من قبل دولة أو منظمة سياسية ، أو بإذنٍ أو دعمٍ منها لهذا الفعل أو بسكوتها عليه. ثم رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم أو إعطاء معلومات عن مصيرهم أو عن أماكن وجودهم، بهدف حرمانهم من حماية القانون لفترة زمنية طويلة " (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) .
 
".. يصل بعض الرجال ، ثم يقتحمون مسكن أسرة من الأسر ، غنية كانت أم فقيرة ، منزلاً كان أم سقيفة أم كوخاً ، في مدينة أم قرية ، في أي مكان . وهم يجيئون في أي وقت ، في النهار أو الليل ، يرتدون عادة ملابس عادية ، أو زيا ً رسمياً في بعض الأحيان ، ولكنهم يحملون السلاح دائماً . ثم أنهم يقومون دائماً ، دون إبداء أي أسباب أو إبراز أي أمر بالقبض ، ودون الإفصاح عن هويتهم غالباً أو عن السلطة التي يأتمرون بأمرها ، بجر فرد أو أكثر من أفراد الأسرة إلى سيارة مستخدمين العنف عند اللزوم.. " (1) وكما يأتون فجأة يختفون فجأة .. تبتلعهم عتمة الليل .. أو تحجبهم ضوضاء النهار يختفون وهم يعلمون جيدا بأنهم قد غيروا مجرى حياة مجموعة من الناس الى الأبد.. وبمشهد إختفائهم الذى يلفه الغموض والريبة تتوقف حياة ذلك الإنسان ليتحول الى لغز يستعصى حله على أولى النهى .
 
على هذا النحو عادة ما تكون بداية الفصل الأول من مأساة الإختفاء القسري التى تمثل قمة هرم الإنتهاكات التى تمس حقوق الإنسان فى العصر الحديث ، وتشكل أبشع أشكال الإرهاب بالنسبة للضحايا الذين يعيشون رعب فقدان حياتهم فى أي لحظة .. ويظل مصيرهم المجهول لذويهم يشكل أحد عذاباتهم النفسية الخطيرة ، فهم يعلمون أن أسرهم أو من يهمه أمرهم يجهلون الأماكن التي يعتقلون فيها، وأن فرصة تمكن أحد ما من مد يد المساعدة لهم ضئيلة للغاية. فهم بعد إقصائهم عن دائرة الحماية القانونية.. وإختفائهم عن أنظار المجتمع يحرمون بالفعل من جميع الحقوق التى نادت بها الشرائع السماوية والدساتير الأرضية.. ويصبحون عرضة للتعذيب والأهانة .. بل وللقتل فى أغلب الأحيان .. لكونهم خارج دائرة الضوء.. كما يتصور جلادوهم الذين غالبا ما يكونون متجردين عراة من القيم الإنسانية .. ولا يلتقون مع الجنس البشري إلا من جهة الشبه العام لا غير .
 
أما بالنسبة لذويهم ومحبيهم فتظل أحاسيسهم و مشاعرهم تتأرجح بين الأمل واليأس.. وتضطرهم الظروف فى كثير من الأحيان لدخول حلبة الإنتظار والحيرة لسنوات طويلة .. وعادة ما تشملهم أمواج الرعب الناتجة عن الحادثة ، فهم ـ فى العادة ـ لا يتلقون أية أخبار خلال فترة الإنتظار.. و تتزاحم الأسئلة بين أيديهم .. ماذا فعل ؟.. من هم الذين إقتادوه ؟ .. أين هو الأن ؟ .. ويأتى السؤال المرعب ـ خاصة بالنسبة للاطفال ـ وهو : متى سيعود ؟ ليضع الجميع فى دوامة من الحيرة والقلق تفقد معها الحياة طعمها .. ويخبو بريقها.
 
فمن هنا جاز القول بأن الإختفاء القسري ظاهرة بشعة.. وفعلة دنية .. وممارسة قبيحة.. لايقدم عليها إلا الجبناء ، ومما أصبح متعارف عليه ويكاد يأخذ شكل المسلمات أن ظاهرة الإختفاء القسري ذات صلة وثيقة بالأنظمة الديكتاتورية الفاقدة للشرعية والمشروعية .. خاصة العسكرية منها .. والتى غالبا ما يجرها شعورها بالعزلة وعدم القبول الى إسكات الأصوات الحرة بطرق غير قانونية ، ولعل المشهد فى ليبيا قريب من الصورة المثالية لموضوع الإختفاء القسري حيث جاء فى البيان الصحفي لمنظمة هيومن رايتس ووتش يوم 17 يناير 2003م (المنشور ضمن وثائقها على صفحتها على الشبكة) أما [.. سجل حقوق الإنسان لدى ليبيا فقد كان بالغ السوء على إمتداد العقود الثلاثة الأخيرة ، فهو يتضمن إختطاف المعارضين السياسيين ، أو إخفاءهم قسراً أو اغتيالهم ؛ وتعذيب المعتقلين وسوء معاملتهم ؛ والإحتجاز مدداً طويلة دون تهمة أو محاكمة..] .
 
ولقد بدأت ظاهرة الإختفاء القسري (أو غير الطوعي) فى ليبيا فى فترة مبكرة جدا من عمر النظام ، ومورست بصورة كبيرة وسط أجواء من التكتم الشديد فى أواسط الجيش.. و رجالات العهد الملكي سنة1969م كأحد خيارات تثبيت أركان النظام الوليد ، ثم جاءت الثورة الثقافية سنة 1973م لتقتطع نصيبها من سيئة إسكات الأصوات الى الأبد كنوع من تأمين الإنقلاب .. ومحاولة لتحويله الى ثورة ذات أيديولوجية خاصة ، ثم توالت العملية بشكل متقطع يستصحب كل مفصل من مفاصل التاريخ السيء للنظام الليبي.. حتى بلغت أعداد لا يتناسب إرتفاعها مع شعب تعداده خمسة ملايين نسمة
 
ومن أشهر حالات الإختفاء القسري التى تتصدر الملف الليبي حالة الدكتور/ عمرو النامي الأستاذ الجامعي الذى أقتيد من بيته بمسقط رأسه مدينة نالوت .. والشيخ / محمد البشتى الإمام الذى أقتيد من مسجده بوسط طرابلس .. الى حالة الدكتور/ منصور الكيخيا وزير الخارجية الأسبق والذى بدوره أخذ من مقر إقامته بفندق بالقاهرة التى كان بها لحضور اجتماعات المنظمة العربية لحقوق الإنسان.. وجميعهم أقتيدوا الى المجهول .. وإنقطعت أخبارهم .. وتظاربت الأقوال حول مصيرهم .
 
مرورا بحالة إختفاء الإمام موسى الصدر مؤسس حركة أمل ومرافقيه الذين كانوا فى زيارة رسمية الى ليبيا، حيث أقتيدوا من قاعة الضيافة ، وصولا الى حالة الصحفى الفلسطيني جهاد عبدالله الذى اختطف من مقر عمله بأمارة أبوظبي الى المجهول الليبي .
 
" لقد أقلقت ظاهرة الإختفاء القسري المجتمع الدولي مما دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة لإصدار قرارها رقم 173 في الدورة 32 بتاريخ 20/12/1978 الذي طلبت بموجبه من لجنة حقوق الإنسان دراسة وتحليل مسألة الأشخاص المفقودين قسراً وإتخاذ الإجراءات الملائمة.
 
وعندما عقدت لجنة حقوق الإنسان دورتها السادسة والثلاثين درست الموضوع واتخذت القرار رقم 20 بتاريخ 2/2/1980 القاضي بتشكيل فريق عمل من خمسة أعضاء لدراسة مسائل الإختفاء القسري وتلقي المعلومات من مختلف المصادر الحكومية وغير الحكومية.
 
وقدم فريق العمل المذكور خمسة تقارير وملاحق لها حتى شباط/ فبراير 1985 كان آخرها الصادر بالوثيقة رقم 15/1985 وتضمنت هذه التقارير تحليلاً لظاهرة الإختفاء والمعلومات الواردة إلى فريق العمل حول ظاهرة الإختفاء القسري التي ظهرت في بقاع عديدة من العالم (......) ..
 
وجاء في الفقرة 152 من التقرير الصادر عام 1984 ما يلي: " إن من حق الفرد في الحرية والأمان على شخصه هو الحق الرئيسي من حقوق الإنسان الذي يلقى إنكاراً له في ذات واقعة الإختفاء القسري أو غير الطوعي. وتدخل في ذلك جميع الحقوق المرتبطة بهذا الحق مثل الحق في عدم التعرض للاعتقال التعسفي والحق في محاكمة منصفة في الدعاوى الجنائية ، وحق الفرد في أن يعترف له بالشخصية القانونية. وبناء على ذلك يعتبر مفقوداً كل شخص تعتقله السلطة دون تقديمه للقضاء ودون أن تعلم ذويه عنه شيئاً ... (2) .
 
وفى الختام لا يسعنا إلا أن نقول أن قلوبنا مع ذوي المختفين قسريا.. خاصة أطفالهم الذين لا نشك لحظة أنهم يرددون كل مساء عبارة ( متى سيعود ؟).. سؤال لا شك أنه يمزق الأكباد.. ولا تمتلك الأمهات أو الزوجات حياله إلا الدموع وترديد عبارات الأمل .. وأتصور أن المساعدة العاجلة التى نستطيع أن نقدمها لتلك الأسر المفجوعة فى أحبائها.. أو فلذات أكبادها ـ طبعا بعد الدعاء لهم بأن يحفظ الله دماء من يفتقدون ـ هو ألا ننساهم .. فليكونوا عناوين بارزة لحِراكنا فى المهجر .. ولتكتب أسمائهم على جدران المدارس والجامعات داخل الواطن .. ولتوزع صورهم سرا وعلانية مع عبارة : أين هؤلاء ؟.
 
وألا تتوقف عملية المطالبة بالكشف عن مصيرهم بالطرق المتاحة بالنسبة لمنظمات حقوق الإنسان الليبية .. وأن نعمل على تدويل قضيتهم العادلة ، حتى يجعل الله لهم مخرجا وسبيلا .
 
ودّعت دارك رغم الشوق للدار والدار ذات أحاديث وأخبار
يا دار أمسيت بالأحزان غامرة تهدى همومك من دار الى دار
بالأمس كنت عرين المجد يا وطني وتدرج الفضل في سهل وأوعار
واليوم لاشيء غير الحزن يا وطني وغير أنات أطيار لأطيار (3)
 
والسلام
 
عيسى عبدالقيوم
 
نشر بمجلة الحقيقة - نوفمبر 2003
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من تقرير بعنوان - المختفون : أسلوب الرعب - من إعداد اللجنة المستقلة المعنية بالقضايا الإنسانية الدولية بلندن 1986)
(2) من تقرير اللجنة السورية لحقوق الإنسان 19 يوليو 1999م .
(3) الأبيات من قصيدة طويلة للدكتور عمرو النامي .
 

libyaalmostakbal@hotmail.info

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة