منتدى القراء

15/03/05

 

 

صفحات مختصرة من سنين قضيتها في سجون الطاغوت الزنديق القذافي

 

بســم الله الرحـــمن الرحــيم

 

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلىآله وصحبه ومن تبعهم بإِحسان إِلى يوم الدين،أَما بعد:

 

فالسلام عليكم  ورحمة الله وبركاته، فهذه صفحات مختصرة ،من سنين قضيتها في سجون الطاغوت الزنديق القذافي _ الذي أَوهم كثيراً من المسلمين في بلاد ليبيا بذلك البيان الذي أَلقاه في الأَيام الأُولى بمناسبة استيلائِه على السلطة عام 1969م, البيان الذي يذكرُ فيه أَنه جاء من أَجل الكادحين أبناء البوادي ...الخ وهاهو أَحد أَبناء الكادحين الذي جاء القذافي – على حد زعمه – لإسعادهم ، يروي قصته  ضمن سنوات قضاها في سجون محرِّر الكادحين !!

 

وأقول : والله لايكاد يوجد بـيـت من بيوت أَبناء ليبيا – في عهد الطاغوت الزنديق القذافي _ إِلا وقد أُصيب أهله بمصيبة ( سجن ، أو قتل ، أو استيلاء على ممتلكات ،..الخ ) تحت ظلال حكم هذا الطاغوت الزنديق .

 

وها أَنا أَبداء في سرد مختصر لما لاقيتُه في سجون الزنديق الطاغوت وغيري ممن مـرَّ بمثل مامررتُ به أَو أَشـد كثيرٌ كثير ، فأقول :

 

فى يوم الخميــس فىشهر جمادى الثانىلعام  1409 هجرية  (تقريبا)الموافق 19/1/1989م ،وقبل أذان صلاة العصربسـاعة (تقريبا) ،وعندما  كنتُ وأخى الأصغر منى منهمكين فى محاولة إِصلاح عطب بمضخة المياه فى المنزل،طُرِقَ الباب،فخرج أحد إِخوتي الصغار،ورجع إِليَّ وقال : أن أحد   الأشخاص وهو رجل فى الخمسين(تقريبا) يريدك،فتعجبتُ،لأَنني لاأعرف أحدا من أصدقائى فى هذه الســن،ولست على موعد مع أحــد،ومع  هذا قلتُ أَخرجُ إِليه وأَستوثق من الأمر بنفسي(ولم تخالط نفسي ريــبـةً   لأنني لم أعمل شـيـئاً أَتوجس من عــواقبه خــيفةً)،فلما خرجـتُ   فإِذا برجل يطلبُ مني أن أذهب معه إِلى مقر الأمن،فطلبتُ منه إِبراز ما يدل على أنه من رجال الأمن،وفى هذه الأثناء إِذبخــمسةرجال إِثنين منهم يحملون بنادق(كــلاشن كـوف)والثلاثة الآخرون لاشــك يحملون مسدسات فى أحزمتهم،وطلبوا مني الركوب فى السيـارة،ودخل إِثنان إِلى البيت وبدأوا فى التفتيش ،وكل ما وجدوه من كتب دراســية وغيرها أخذوه وأبى العجوز- رحمه الله -ينظر اليهم وقد أخذته الدهشـة والخـوف وأمي – رحمها -  سقطت مغشـيا عليها من هول،الحادثة(بنادق وسيارات وتفتيش) ولقد كانت مصابة بمرض الضغط والسكري_،وقيــس على ذلـك جميع الآبـاء والأمهات الذين تعرض أحد أبنائها للاعتقال أو السجن ،وما صاحب ذلك من مداهمات للبيوت من قِبلِ كلاب الطاغوت الزنديق القذافي .

    

بعد ذلك توجه بيَ كلاب الطاغوت إِلىمركز شرطة الحدائق،ولقد وجدتُ أمامي كلا من الأخوين (الأستاذ.......... وشقيقه المجاهد ........... )   بعد ذلك أتوا بإِثنين من الإِخوة من منطقة بوهديمة،وبعدما صلينا العصر،وقبل المغرب بسـاعة تقريباًنقلونا إِلى سجن الكويفية،ووجدنا أمامنا عددا من الإِخوة ووضعون فى عنبر التوقيف،وهو عبارة عن ممر طويل على يمينه ويساره عدد من الزنزانات،كل زنزانة مغلقة بجدار إِسمنتي من ثلاثة جوانب ،أما الجانب الأمامي فمغلق بقفص حديدي،طولهامترين ونصف وعرضها كذلك تقريباً،وكل زنزانة مقابلة لزنزانة أخرى،وقبل المغرب يوم الجمعةأخرجونا من الزنزانات،وبدأوا بأخذ البيانات من الإِخوة وتوجيه الأسئلة(الاسم،العمر،السكن،المهنة،الهواية،كيف تصلي،فى أي مسجد تصلي،ماذا تقول عندما تدخل الحمَام……الخ)،ثم أمرونا بالوقوف صفا واحدا الواحد تلو الآخر،وبدأوا يأخذوا الأول فالأول تسألتُ في نفسي ماذا يفعلون ؟!،ولكن الجواب جاء سريعا فلقد جـاء الدور عليَّ حيث أخذني أحد كلاب الطاغوت ومشى بيَ خطوات وأدخلني أحد الأبواب فإِذا بمجموعة من كلاب الطاغوت فى انتظارنا والأدوار موزعة عليهم بدقة أخذ أحدهم بيديَّ وأوثقهما بقوة والآخر يعصبُ عينيَّ،أخذونا جميعا بهذه الطريقة،ووضعونا فى حافلات نوافذها مغطاة بالستائر وتوجهوا بنا إِلى أحد المطارات،وكان الوقت ليلا والجو باردا شديد البرودة،أنزلونا من الحافلات وكانت الأوامر والتخاطب بين كلاب الطاغوت تكاد تكون بصوت غيرمسموع أو بالإِشارات،ثم أخذوا بتقييد كل اثنين من الإِخوة بوثاق من حديد(كليـبشة) وأدخلونا إِلىطائرة(اليوشن)وبدأت الطائرة فى الصعود إِلى الجو متوجهة إِلى طرابلس ومن الطريف بالنسبة لي أنني لم أركب طائرة من قبل،فكانت هذه هي المرة الأولى التى أركبُ فيها طائرة،ولقد شـاء الله عز وجل أن تكون بهذه الوضعية(مكبل اليدين معصوب العينين)،والحمد لله على كل حال،ولاتسأل عن معاملة كلاب الطاغوت لنا ،فالضرب بأَعقاب البنادق لكل من يلتفت،أو يتفوه بكلمة،فهذه الأغلال الحديدية(الكليـبـشة)كانت مهيأةً بحيث إِذا تحركت اليدان زادت قوة الإِغلاق والشد،فكان بعض الإِخوة يصدر منه صوتا من شدة الأَلم الذي تُحدثه هذه الأغلال،فكان الرد فورا من قبل كلاب الطاغوت الضرب بأعقاب البنادق،وفى هذه الأثناء بدأنا نسمع أصواتاً كأنها أبواب تُفتح،فحدَّثتْ كل واحداً منا نفسه بأنَّ هؤلاء الكلاب سيلقوننا فى البحر(كما حدث لبعض من شارك من الليبيين فى حروب أوغندة وتشاد) وكانت لحظات عصيبة على النفس،ولكن الله سـلم،وصلنا طرابلس فى ساعات متأخرة من الليل،هبطت الطائرة فى أحد مطارات طرابلس،وأخذوا بإِنزالنا من الطائرة ووضعونا فى حافلات وتوجهوا بنا إِلى سجن أبي سليم،وعند وصولنا إِلى هناك أمرونا بالوقوف صفا واحدا ووجُوهُنا صوب الجدار،هذا بالطبع والقيود فى أيدينا والعيون معصوبة،وأخذوا بسـحب الأقسـام(وهو صوت يدل على أن حامل البندقية جاهز لاطلاق النار)،فعاودت النفس حديثها على أن هؤلاء الكلاب سيقتلوننا رميا بالرصاص ،ولكن الله سلم،وأتذكر أن أحد الإِخوة ممن كان معنا وشهد هذه الحادثة(ولقد أُلقيَ القبض عليه وأُحضِرَ معنا إِلى طرابلس بالرغم من أنه لم يكن من المصلين فضلا على أن يكون من المجاهدين،بل كان ممن يفعل المنكرات)،ولكن الله بفضله وكرمه يسر له الهداية فى هذه المحنة،فأصبح هذا الأخ من المصلين،ولله الحمد،وصدق الله القائل:{ وعسى أن تكرهوا شـيئا وهو خيرٌ لكم}،يقول هذا الأخ : (عندما سمعتُ سحب الأقسام من البنادق خطر ببالي ذلك المشهد الذي رأيتُه فـي فيلم عمر المختار ،وكيف أن الطُليان عندما اقـتحموا إِحدى القرى الليبية أخذوا عدداً من الأهالي العزل ووضعوهم صفاً واحداً ووجوههم إِلى الجدار وأخذوا يُطليقون النار عليهم،فقلتُ أن هؤلاء الكلاب سيفعلون بنا مثل ما فعله الطليان مع أهل القرية،فاختبأتُ خلف صاحبي الذي كُنتُ مقيداً معه،وقلتُ فى نفسي أن صاحبي هذا حتى وإِن مات عنده من العمل الصالح ما يقابل به ربَّهُ أما أنا فإِن متُ فكيف أُقابل ربى؟) والحمد لله،فلقد دفع الله ماكان أعظم، فلقد كانت هذه الحادثة وهذه المحنة سـبباً فى هداية الكثيرين، ووقفات مراجعة ومحاسبة مع النفس،وما حصل من قبل من تقصير وتفريط،مع أن الطاغوت وكلابه لم يكن مرادهم من تعذيب وسجن ،إِلا الصدَّ عن سبيل الله،وصدق الحق تبارك وتعالى القائل{يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون} 2) العنصر الثانى:(بداية دخولنا لسجن أبى سليم إِلى وقت خروجنا منه بفضل  الله)   بعد ذلك أدخلوا كل اثنين كانا مَوْثُوقَين من الإِخوة في زنزانة صغيرة(شـيلة)  وكان ذلك يوم الجمعة ليلاً،وكنا منهكين غاية الإِنهاك،فصلينا المغرب والعشـاء بعد ذلك أخرجونا من الشـيلات،وبدأوا بأخذ البيانات من كل واحد منا وقسمونا مجموعات مجموعات،وكل مجموعة أدخلوها فى زنزانة،وإِليك وصف السجن(وأقصد به سجن أبى سليم،فئة السجن السياسى،فهو يتكون من ستة عنابر،يتوسط هذه العنابر ممر طويل،3عنابرعلىاليمين و3 علىاليسار وكل عنبر من هذه العنابر يتكون من 14 زنزانة،7على اليمين ،و7على اليسار وكل عنبر مفصول على العنابر الأخرى بباب من الحديد،وبين العنبرالأول والعنبر الثالث يوجد فناء(لارية)مغلقة يتوسطها باب من الحديد،تطل عليها نوافذ الزنزانات،وكذلك بين العنبر الثالث والعنبر الخامس،وأَيضاً بين العنبر الثانى  والعنبرالرابع ،وبين العنبر الرابع والعنبر السادس ،وأَيضاًيحتوى السجن على عدد من الشيلات، وأخرى تحت الأرض(أي فى بدروم السجن)،وزنزانات السجن  ليست مطلية بالطلاء العادي،ولكنها مرشوشة بطلاء أحرش كالذي يستخدمه الناس عادة فى رش بيوتهم من الخارج،ومساحة الزنزانة (6م فى 6م) ،والحمام_أكرمكم الله داخل الزنزانة،ولكل زنزانة نافذةمساحتها (45سم فى 45سم) تقريباً،هذا بالنسبة للزنزانات التى تطل نوافذها على (الارية) أما الزنزانات التى تطل نوافذها على ساحات السجن ،فمساحة نوافذها أقل من ذلك بفارق النصف،قلنا أنهم أدخلونا كل مجموعة فى زنزانة ،وكانت المجموعة التي معي فى الزنزانة عددنا(34 أو35)،وكان عدد الإِخوة فى كل زنزانة يتراوح مابين(15 و35)تقريباً،هذا فىالأسبوع الأول من السجن ،وقد وجدنا فى السجن إِخوة آخرين من عدة مدن وقرى،بقينا على ماأتذكر فـي عنبر(1) حجرة(12)مدة أُسبوعين تقريباً،بعد ذلك حصلت عمليات فرز وتنقل فنقلونا إِلى عنبر(6) فى زنزانة رقم (2) وكان عددنا (5)، (4إِخوة من بنغازي،وأخ من طرابلس)، وهذا ديدن كلاب الطاغوت،لايجعلون الإِخوة يستقرون فى مكان واحد فكانت عمليات التنقل والفرز بشكل متكرر،لاسيما فى الظروف التي أُعتقلنا فيها(أقصد بعد المواجهات التى حصلت بين المجاهدين وكلاب الطاغوت فى بنغازى  واجدابيا والرجمة عام1409هجرية الموافق1989م) أماأحوال السجن من ناحية:(التحقيق،والتعذيب،والأكل،والغطاء،…الخ) لاسيما فى السنة الأولى من السجن،فهي كالتالي:

 

أ) التحقيق والتعذيب:بالنسبة للإِخوة الذين أُلقي القبض عليهم بـسبب ترددهم على المسجد والتزامهم بالصلاة :/فيأتي عدد من كلاب الطاغوت (اثنين أو ثلاثة) فى النهار أو فى الليل،وان كان أكثر التحقيق يجرى من بعد صلاة الظهر،حتى ساعات متأخرة من الليل،فينادون على اسـم الأخ المراد التحقيق معه،ويعصبون عينيه وهو فى الزنزانة،ويذهبون به إِلى مكان التحقيق(مشياً صعوداً وهبوطاً) ،وفى أثناء حمل الأخ إِلى مكان التحقيق،وفى الطريق،يتعرض الأخ إِلى سخرية من قِبل كلاب الطاغوت وأحياناً الضرب بالأرجُل،وعندما يريدون الصعود به إِلى السُلم مثلاً لايخبرونه،بل يجعلونه يمشى والأخ يظن أن الأرض مستويةً أمامه حتى يتعثر فى درجات السُلم،وهكذا حتى يَصِلون به إِلى مكان التحقيق،وقبل  إِدخال الأخ إِلى كلاب الطاغوت المحققين،يجعلون الأخ واقفاًلساعات،قد تصل إِلى (5) ساعات أو أكثر،ومن حين إِلى آخر يأتيه أحد هؤلاء الكلاب  ويسأله عن اسمه ، والأخ واقفاً موثق اليدين ومعصوب العينين،وقد يأخذون الأخ وذلك قبل ادخاله على الكلاب المحققين ويمرون به على بعض الأماكن التى يُعذبُ فيها أحد الإِخوة،لكي يُسمعونه الصرخات وأصوات السياط..الخ بعد ذلك يُدخلونه على كلاب الطاغوت المحققين (قد يكونوا 1 أو2أو3) على حسب ماتتطلبه تهمة الأخ،فيأخذ أحد الكلاب بنزع عصابة العينين ،ووثاق اليدين،وقد يطلبون من الأخ أن يقف ووجهه إِلى الجدار والغرض من هذا أن الجدار به آثار دماء،لإِلقاء الرعب والخوف فى قلب الأخ، (وطبعاً فهم يستعملون سائر وسائل الحروب،النفسية وغيرها) ظفراً منهم بأن تنهار معنويات الأخ فيدلي بكل شـىء يريدونه،ولكي يـنـقٌلَ هذا الأخ مايراه ويسمعه إِلى بقية الإِخوة فيُصابوا بالخوف،وتنهار معنوياتهم،فيأتون كلابَ التحقيق مستسلمين يقولون كُلَ ما يُطلبُ منهم،وإِني لأعرفُ أحد الإِخوة الذين تعرضوا لمثل هذا الأُسلوب من الحرب النفسية،فقد أتوا بهذا الأخ بعد التحقيق معه، وأخبروه بأنهم سيعدمونه،فأتوا بكرسي وطلبوا من الأخ الصعود على الكرسي،والأخ معصوب العينين،موثق اليدين،وأخذ أحد كلاب الطاغوت حبلاً على  هيأة دائرة،وأدخلوه فى عنق الأخ،ولم يكن الحبل مربوطاً فى الجدار ،بل  يمسكه أحد كلاب الطاغوت بيده ،حتى يوهموا الأخ بإِعدامه شنقاً،وركل كلبٌ أخر الكرسي،فوقع الأخ على الأرض،ونجاه الله منهم،نعود فنقول أن كل هذه الإِجراءات كانت تتم قبل عملية البدء فى التحقيق وأما طريقة وأسلوب التحقيق (ومازال حديثنا عن الإِخوة الذين أُلقيَ القبض عليهم بتهمة أنهم يُصلون ويترددون على المساجد) فهي كالتالي:

 

(الاسم،العمر،مكان السكن، أَين درستَ المرحلة الابتدائيةوالاعدادية والثانوية، متى بدأتَ تُصلى؟،كيف تصلى قابضاً أو سادلاً؟، ماذا تقول حين تدخل الحمام وحين تخرج؟،من هم المشايخ الذين تستمع لأشرطتهم؟،في أي مسجد تصلي؟، من هم أصدقاؤك؟،……الخ)، ثم يعرضون على الأخ بعض أســماء الإِخوة المـنـتميين لبعض الجماعات،هل يعرفهم أم لا؟،فإِذا كان الأخ لديه معرفة بأحد هؤلاء الإِخوة ولوكان فقط مجرد جارٌله،أوأي أدنى معرفة،فجزاء هذا الأخ يكون الضرب بالسياط واللكم ..الخ،وإِني لأعرف اتنين من الإِخوة،لم يكونا مُـنـتمـين لأي جماعة،ذاقا ألواناً من العذاب ،فأما أحدهم فقد رُبط هو وعدد من الإِخوة فى أسِرَّة فى إِحدى الزنازين ب (كليبشات) لمدة أُسبوعين أو ثلاثة تقريباً ،ولايُسمح لهم بالذهاب إِلى دورات المياه،فكانت القيود والربط فى الأسِرةملازمةً لهم حتى عند الأكل، (وكانت إِحدى اليدين مربوطةً فى  السـرير والأُخرى حُرة الحركة)، أما قضاء الحاجة البشرية  فكانت تـتـم فى المكان المربوط فيه الأخ،حتى أصبحت رائحة الزنزانة تُزكم الأُنـوف .

 

وأما الأخ الآخر ،فقد أذاقوه ألواناً من العذاب من جلدٍ بالسـياط،وفى  أوضاع متنوعة،يُطلِقُ عليها كلاب الطاغوت أسـماء معروفةً عندهم،ويروى لنا هذا الأخ طرفاً من أساليب الكلاب فى التهكم على الإِخوة ،وإِذاقتهم أَلواناً العذاب،فيقول هذا الأخ: عندما أنهى كلاب الطاغوت التحقيق معي،قالوا لي ماهي الوسيلة التى تُريد أن نحملك فيها إِلى أهلك، (وكان هذا الأخ من مدينة مــصراتة)، فيقول ،:فقُلتُ لهم أُريد الذهاب فى الحافلة،فأشـار أحد الكلاب إِلى من معه من الكلاب الآخرين:اذهبوا به إِلى الحافلة،وما كان هذا الأخ يدري ماهي الحافلة فى قامـوس هؤلاء الكلاب،حتى رأها رأي العين !! إِنها إِحدى الأسـاليب التى يستخدمها كلاب الطاغوت فى تعذيب الموحديـن من أمة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسـلم.

 

أمـا بالنـسـبة للإِخـوة الذين لديهم علاقات مع إِخوة منضوين تحت تنظيمات وجماعات إِسلامـية،أو الإِخوة الأعضاء فى هذه التنظيمات والجماعات فأمر التحقيق والتعذيب الواقع عليهم من قِبل كلاب الطاغوت،فهو فى الشدة والغلظة أضعاف أضعاف ما تعرض له الإِخوة الذين تمت الإِشـارة اليهم سـابقاً ،وإِليك طرفاً من هذه الحوادث:

 

يوضع الأخ فى زنزانة صغيرة مركبة على سـيارة(شـيـلات السيارات) طولها (50سـم) وعرضها (50سـم)، وارتفاعها (2م تقريباً)، وأحياناً يضعون فيها اثنين من الإِخوة، وبالطبع يكون الأخ داخل هذه الزنزانة(الشيلة) مكبل اليدين،ولايُسمح للأخ بالذهاب إِلى دورة المياه إِلامرةً واحدةً فى اليوم ,بالطبع بصُحبة الحراسات،ولايكاد الأخ يقضى الحاجة البشرية حتى يطرق عليه  أحد الكلاب الباب بقوة يأمره بالخروج(كما روى لنا ذلك أحد الإِخوة الذين  مكثوا فى هذه الشيلات)،ومن المعلوم أن ظروف الاعتقال كانت فى أشهر الشتاء (شهر 1) ،فكان الأخ يشعر فى هذه الشيلات الحديدية بالبرودة الشديدة،وهذا بدوره يجعل الأخ دائماً يشعر بالحاجة إِلى التبول - أكرمكم الله - ،والتي لاتكفي معها مرة واحدة فى الخروج إِلى دورة المياه ،مما يضطر الأخ معها إِلى التبول فى مكانه المقيد فيه،هذا بالإِضافة إِلى اعتقال الأخ فى زنزانات تحت الأرض (فى بدروم السجن)، وهناك نوع آخر من التعذيب يستعمله هؤلاء الكلاب مع الإِخوة،يتمثل فى ربط اليدين من الخلف،مع ربط الرجلَيْن أيضاً بحبل طويل مربوط فى سقف الجدار،بحيث تبقى أصابع الرِجْلين تـمس الأرض بوضعية  بـسيطة،هذه الوضعية تتم فى الهواء الطَّلِق فى جو الشتاء القارص فى الليل والنهار على حـدٍ سـواء،ثم يبداء الكلاب بضرب الأخ المُعلق بالسياط وسـكـب الماء عليه،ويضل الأخ على هذه الوضعية  فـترة تَصِل أحياناً إِلى أُسـبوع أو أُسـبوعين ،ولقد تَعرَض إِلى مثل هذا اللون من العذاب كثير من الإِخوة من بينهم (الشيخ:أبى محمد عبدالله بن على اجْـمـال،والشيخ:أبى القاسـم امْلِيطان)، وهما من مدينة  مصراتة ،وأعرف أخاً آخر تعرض إِلى هذا النوع من التعذيب وهو الأخ الآمر بالمعروف والناهى عن المنكر -أحسبه كذلك ولاأُزكي على الله أحداً- (الأخ: حـمـزة البرعصي) من مدينة البـيـضاء،رحـمه الله،صُبَّ عليه مثل هذا النوع من التعذيب ،لأنه كان يُؤَذِن للصلاة وهو فى زنزانته ،فسمِعَه أحد كلاب الطاغوت،فأمَرَهُ بالسكوت ،فأبى الأخ إِلا أن يُتِمَّ الأذان،فاقتحم الكلاب الزنزانة وأخذوا هذا الأخ،وربطوه وعذبوه،ولقد كـان هذا الأخ فى نفـس العنبر الذى كُنتُ فيه (عنبر6)، وعندما التقينا بهذا الأخ بعد عدة شـهور وسأله أحد الإِخوة عن هذه الحادثة ،ولماذا لم يتوقف عن الأذان عندما أمره أحد الكلاب بذلك،حتى لايُعرِّض نـفـسَه للتعذيب ؟،فقال له الأخ (حمزة): " والله إِني استحـيـيـتُ من ربي أن أتوقف عن الأذان "،(وهذا الأخ،أقصد حمزة كان فى ماضيه مشـهور فى مدينة البيضاء بالغناء والعزف على الآلات الموسيقية وكان تاركاً للصلاة ،بعيداً عن المساجد،وعندما كان حاله كذلك لم تتعرَض له كلاب الطاغوت،وعندما منَّ الله عليه بالهداية وأصبح من رواد المسـاجد آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر،جاءَ هُ كلاب الطاغوت ليفتنوه عن دينه ،ولكنه رحمه الله ظل بفضل الله شامخاً ثابتاً على دينه ،حتى عندما خرج من السجن معنا عام 1415هجرية الموافق1995م،لم يلبث عند أهله سوى بضعة أشهر حتى أُقْـتِيدَ إِلى نفس السجن مرةً أُخرى،لأنه كما أخبرني بعض الإِخوة، لم  يسكت على الخُبث الذي في الشارع وما عليه كثير من الناس من المنكرات،فأخذ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر،وما كان الكلاب ليتركوه يفعل ذلك،فاقـتادوه إِلى السجن مرةً أُخرى،ولقد كان الأخ (حمزة البرعصي - رحمه الله -) مصاباً بمرض ضيق الصمام فى القلب،وعندما صلى بالإِخوة صلاة الصبح،اتكأ لِيَغْفُوَ قليلاً،تـوفَّـاهُ الله عـز وجل،بعدما صلى الصبح وفى السجن - نسأل الله أن يتقبله من الشهداء،وأن يُجيرَ والدته وأهله فى مصيبتهم-،ونسأل الله عز وجل أن يكون ممن يشملهم قول الله :{مِنَ المؤمنين رجالٌ صَدَقـوا ماعاهـدوا اللهَ عليه فمنهم من قضى نحبَهُ ومنهم من يـنـتظِرومابدَّلــوا تبديلا}، وكثير من الإخوة الذين تعرَضوا للتعذيب الشديد،فمنهم أيضاً على سبيل المثال (الأخ المجاهد:إبن عيـسى اجْـعـوده) صاحب الخُطَب الجهادية فى (مسجد الفضل بن العباس رضي الله عنهما) بمنطقة بوهديمة ،فلقد صُبَّ عليه العذاب صـبّاً حتى أنه أصبح لايستطيع النهوض أو المشي،فترةً من الزمن ،وكان كلاب الطاغوت إِذا أرادوا أخذه إِلى التحقيق يضطرون إِلى حمله على حمَّالة،لعدم قُدرته على المشي،ولقد ظل الأخ المجاهد (إبن عيسى) ثابتاً شامخاً -نحسبه كذلك ولا نُزكى على الله أحداً - ،ولقد وصلتنا ونحن فى (عنبر1) ،فى عام1413هجرية تقريباً أخباراً عن (الأخ المجاهد ابن عيسى)وبقية إِخوانه المجاهدين أنهم حتى فى وقت خروجهم إِلى الساحة المغلقة(الاريـة)،فهم يتدارسون العلم،ويقومون بتمارين (سويدية) وبعض تمارين(الكاراتيه)وسط مشاهدة كلاب الطاغوت لهم الواقفين فوق بناية الساحة كحرسات ونحسبُ هؤلاء الإخوة ممن عَمِلَ بقول الحق تبارك وتعالى: {وأَعِدوا لهم مااستطعتم من قوةٍ ومن رِبَاط الخيل تُرهبون به عدوَ الله وعدوكم} الآية.

 

ومن بين هؤلاء الإخوة الذين تعرضوا للتعذيب(الأخ المجاهد:ونـيس خليفة العريبي)من سكان منطقة بوهديمة،فلقد رأيـتُ بعينيَّ آثارَ التعذيب على يديه،فكانت يداهُ تبدو وكأنها محروقةً بالنار ،من جرَّاء ما تعرَضَ له من شـَدٍّ بالحبال وتعليق (كما سبق الإشارة إِليه من أنواع التعذيب)،وأذكُرُ للأخ (المجاهد ونيـس)موقفاً أغاض به كلاب الطاغوت- نسأل الله أن يجعله فى موازين حسناته- ،فعندما كُنتُ فى عنبر(6) وفى زنزانة (2)، وكان الأخ (المجاهد ونيـس)فى نفس العنبر وفى زنزانة(3)فىشهر10/1989م تقريباً كان هناك عدداً من كلاب الطاغوت يمُرُون على زنزانات السجن يسألون وينظرون ويستهزؤن،وكان من بينهم (المُسمى:عبد الله عبد الرحيم)، فوالله لو كان عبداً لله،مارَضِيَ بأَن يكون أحد كلاب الطاغوت القذافي،والإِخوة من منطقة بوهديمة يعرفون هذا الكلب،فلقد كان يتردد على أَقاربه القاطنين فى منطقة بوهديمة،المهم أنه فى أثناء مرور هذا الكلب برفقة الكلاب الآخرين،وعندما جاء الدور على الحجرة التى بها (الأخ المجاهد ونيـس)، وفُتِح الباب كان (الأخ المجاهد ونيـس) بجانب الباب وكان فى وضعية المُتَأمِل والمُتَفَكِر،فَنَظَرَ إِليه الكلب(المُسَمى عبد الله عبد الرحيم)،وربما كان يعرفَه من قَبل وقال له مستهزأً:فى ماذا تُفَكِر،فى أهلِك؟! فرَدَّ عليه (الأخ المجاهد ونيـس) :لا بل أُفَـكِـر فــي الجَــنَة.

 

الله اَكـبر إنها عزة المسلم الذي لايَرْضَ أن يَذِلَّ إِلا لخالقه عز وجل،ولقد كان أحد الإخوة فى زنزانتِنا المجاورة لزنزانة (الأخ المجاهد ونيـس)، ينظُر ويسمع مايجري بين (الأخ المجاهد ونيـس) وذاك الكلب،من خلال ثُقب فى الجدار الذى كان يَفْصِل الزنزانتـين،ورَوى لنا هذا الأخ (وهو من مدينة مصراتة) هذه الحادثة •      هذا غيضٌ من فيض وقليلٌ من كثير مما يحصل من تعذيب وتنكيل لهؤلاء الإِخوة الموحدين،وصدق الله عز وجل القائل :{إن يَثْقَفُوكم يكونوا لكم أعداءً ويـبسُطُوا إليكم أيدِيَهُم وَألسِنَـتَهم بالسُوءِ وَوَدُّوا لو تَكفُرُون} وقوله عز وجل:{وما نَقَموا منهم إلا أن يُؤمنوا بالله العزيز الحميد}.

 

 ب) أما بالنسبة لظروف وأحوال السجن من ناحية الأكـل و الغطاء……الخ فهي مختصرة كما يلي:

 

بالنسبة للسنة الأُولى من السجن،فكانت فى شدة القساوة (لأنها سنة اجراء التحقيق وانتزاع المعلومات،وفى عُرف الطواغيت لابد أن تكون هكذا، وهذا لايعني  أن السنوات الأُخرى يتمتع فيها الأخ السجين باللين فى المعاملة..الخ، كلا ولكن الأمر نِسبي أي هناك سيء وهناك أَسوأ).

 

فكان غطاء وفِرَاش الأخ السجيـن،وفى أشهر الشـتاء،عبارةُ عن،عدد (2) من البطاطين،والتي كما يقولون أكل الدهر عليها وشرب،وربما ظَفِرَ بعض الإخوة ببعض الفِرَاش الإسفنجي والذي ليس له من معنىالفراش إلا الإسم،أومما يُماثله من فِرَاش محشو بالحديد(المولات)،وبالطبع كلها كانت في حالة سـيئة،حيثُ كان الغُبار يعلوها،فهي لم تتعرَض للغسيل أو حتى للهواء الطَّلِق أو أشعة  الشمس أشـهر عديـدةأو ربما سنـوات،مما تـسَـبَّـبَ ذلك فى إصابـة أكـثر الإخوة،ولا أكـون مبالغاً إن قُلتُ كُلُهم،بمرض الجَرَب(إسْكِبس)وإنـتـشار الدَمَـامِل (حيثُ يُصاب الجسم بِظُهُور دمامل كثيرة على مُعْظَم أعضاء الأخ المريض)، وقد يَصِل حجم هذه الدمامل فى كثير من الأحيان إِلىمايُماثِل حجم كُرة تِنس الطاولة أو أزْيَد بقليل،مما يُسَبِـبُ ضَعفاً فى جسم الأخ المريض وعدم القدرة على الحركة الإعْتِيادية،وأعرفُ أحد الإخوة الذين كان لهم نصيب كبير من هذا المَرَض،مما تسبب في عدم قُدرتِهِ على الوقوف،أو حتى  تَمَكُنِهِ من قضاء الحاجة البـشرية بـنفسه،فكان الإِخوة يقومون على خدمته،ولقد اشتَدَ بهذا الأخ المَرَض كثيراً،فطَلَبَ الإِخوة من بعض الحرسات أن يذهبوا بهذا الأخ إِلى المستشفى (أخذاً بالأسـباب،ولعل قلوب بعض هؤلاء الحرسات تلين،وهم يرون  حالة هذا الأخ المريض،فيحملونه إِلى المستشفى)، فنظَرَ بعض هؤلاء الكلاب إِلى بعض ،وأخرجوا هذا الأخ المريض،واستبشَرَ الإخوة خـيراً،وغاب هذا الأخ عن الإخوة وانقطعَت أخْباره ،حتى أتانا خبره بعد عدة أشهر،بأن الكلاب منذ أن أخرجوه من الزنزانة من بين إخوانه،وضَعوه مباشرةً فى زنزانة إنفرادية (شيلة)، زيادة فىتعذيبه،ولكن الله بلطفه وكرمه منَّ علىهذا الأخ بالشفاء،بالرغم من وجود هذا الأخ منفرداً،وبدون تلقي أي دواء محسوس،وصدق الله القائل في مُحكم كتابه الكريم:{وقال ربُكم ادعوني أستجبْ لكم}،والقائل سبحانه وتعالى :

 

{ أمَّن يُجِـبُ المضطر إذا دعاهُ ويكشِفُ السـوءَ ويجعلُكُم خُلفاءَ الأَرض    أءِ لَـهٌ مـع الله قلـيلاً مـا تذكـرون}.

 

وأيضاً من ضِمْن الأمراض التى انتشرت فى السجن بين الإخوة (مرض الآزْمة) وهو ضِـيق فى التنفس يُصابُ به الجهاز التنفسي،والمصابون بهذا المرض،أَنواع، فمنهم من يتأثر ويزداد مَرضُهُ إذا تعرَضَ للرطوبة  والبرد،ولاتسأل عن الرطوبة والبرد فى سجن أبى سليم،فمُعظم الزنزانات إن لم يكُن كُلُها مُصابةً بذلك،بل إن منها ما يتَسربُ الماء من سقَفها عند هطول المطر،ونوع آخر يتأثر ويزداد مرضه إذا أُثير الغُبار من حوله،وبالطبع فالأغطية (البطاطين) كلها مملؤة بالغبار والأوساخ فهي لم تشم رائحة الشمس،فضلاًعلى أن تُغسَلَ بالماء أشــهراً عديدة، وتـتفاوت شـدة المرض من مريض إِلى آخر،وإِني لأَعرف عدداً من الإِخوة الذين أُصيبوا بمثل هذا المرض،كانت حالتهم شديدة الخطورة،وكنا نخشى عليهم الموت من شدة ما كنوا يعانونه من ضيق فى  التنفس،حتى أن منهم (3) إخـوة (2) من مدينة طرابلس،و(1) من مدينة إجدابيا،ماتوا داخل السجن بسبـب هذا المرض-نسأل الله أن يغفرَ لهم وأن يُجيرَ أهليهم فى مصيبتهم.

 

هذا غير الأَمراض الأُخرى والتي يحتاج المصاب بها إِلى أدوية ورعاية طبية ،لم يكن كلاب الطاغوت أن يُوَفروها للمرضى(كمرضىَالسكرى،وضغط الدم ،والفشل الكلوي،والقرحى،……الخ)، وبالذات فى السنة الأُولى من السجن،اللهم إِلا بعض الحالات(تُعدُ على أصابع اليد الواحدة) قد مَنَّ الله  ويسَّرَ لهم الخروج إِلى المستشفى للعلاج ،ويحكي لنا أحد الإِخوة ممن كانوا مُصابين بمرض السكري وتمكَن من الخروج إِلى المستشفى،ومكَثَ فى المستشفى قُرابة(7أيام)،أحوال مكوثه فى المستشفى ،فيقول :كان الكلاب يُقيِدون إحدى يديه فى السرير،وكان الحرس مُلازماً له(بالرغم من أن هذا الأخ لم تكن تُهمتُهُ إِلا أنه كان يُصلي فى  المسجد) وهناك ثلاث حالات لازلتُ أَذكرها لثلاثة إخوة ماتوا فى السجن بسبب منع كلاب الطاغوت لهم بالخروج للعلاج فى المستشفى،هذه الحالات حَصَلت قَبْلَ خروجنا بسـنـتـين(2)تقريباً،إتنين منها حصَلت فى العنبر الذي كُنتُ فيه (عنبر1 وذلك بعدما نُقِلْنَا من عنبر 6 إِلى 3 ثم الىعنبر1)،وواحدة حصَلت فى عنبر(2): أمـا الحالة الأُولى:فهي حالة(الأَخ جـمال العربي)،وكان عمره وقتئذحوالي (24 سـنة)،ولقد وهبَهُ اللهُ صوتاً حـسناً لتِلاوة القرآن،وكان مرضُهُ  عبارة عن(التهاب فى أَعصاب المعدة)،فكان - رحمه الله - كلما أَكل أَو شَرِبَ تَـقـيأَهُ،فلا الطعام ولا الشراب يستقر فى المعدة ،مما سـبـب له جفافاً فى الجسم، وأَصبح جسمه نحيلاً بدرجة كبيرة،وأَصبح على هذه الحال،قُرابة شـهرين ،ولايُسمحُ له بالخروج إِلى المستشفى،إِلى أن توفَاهُ اللهُ. والأَخ(جمال)من سكان مدينة طرابلس.

 

أَمـا الحالة الثانية: فهي حـالة (الأَخ عبدالله البُـش)وهو من سكان مدينة الخُـمس أَو من ضواحيها تقريباً،وكان عمره(26 سنة تقريباً)،دخل السجن وكانت يده من ناحية(الإِبط) فى بداية إِصابتها بـوَرَم سرطاني،إلا أَن حالتَهُ رحمه الله-فى الثلاث سنوات الأُولى،كانت مستقرَةً،وكان يُطالب بإخراجه إِلى المستشفى لتلقى العلاج ،إِلا أَن كلاب الطاغوت رفـضـوا ذلك،حتى أَصبحت حالتُه يُرثى لها،وأَتذكر أَنه عندما سمحوا لبعض أَقارب الإخوة المساجين بالزيارة (وسنأتي إن شـاء الله لاحقاً للحديث عن كيفية هذه الزيارة)،وجاء أَهل (أَخينا عبد الله)لزيارته ،كان -رحمه الله - لايستطيع الوقوف من شدة المرض فَحُمِلَ على حمَالة المرْضىَ إِلى الصالة التي يوجد بها أَهلَه، ولاتسأل  عن حالة الخوف والحزن التي انْـتـابت أَهله وهم يَرَونَ إِبنهم محمولاً على الأَكتاف،ورجع إِلى زنزانته(زنزانة3عنبر1)،وظل على هذه الحال إِلى أن توفاهُ الله عز وجل.

 

أَما الحـالة الـثـالثة: فقد حَصَلت فى الزنزانة التي كُنْتُ فيها(زنزانة4عنبر1) ولن أَنسى-إن شـاء الله- تِلك الحادثة،فلقد عايـنـتُها بقلبي وأُذني وعيني إِنها حادثة مَرَض (المجــاهد الشيخ:مـحـمد الفـورتـية) خــال(الأَخ المجاهد الشيخ:مـحـمد الـفـقي) الذي قُتِلَ فى معركة مع كلاب الطاغوت القذافي فى مدينة بنغازي(عام1409هجرية)نسأل الله عز وجل أَن يتقبله من الشهداء .

 

أما المجاهد الشيخ: محمد الفورتية،وهو من سكان مدينة مصراتة،فهو خُريج جامعة البيضاء  الإسلامية(سابقاً)،وكان رحمه الله ،فى مُنتَصف السـتـين من العمرولقد لازمتُهُ هو وابنَهُ(اسماعيل) فى الزنزانة(4عنبر1) لمدة سنـتـين إِلى حين وفاته رحمه الله،وسأذكر لكم - إِن شـاء الله - طَـرَفاً من سيرته خلال المدة التي اَمضيتُها معهُ ،فلقد كان رحمه الله كثير التلاوة لكتاب ربه  ،سواءً فى الزنزانة أَو عند خروجنا إِلى ساحة السجن(اللارية)،وكان رحمه الله مواضباًعلى صيام  الإثنين والخميس فى أَغلب الأَحيان رُغم كبر سـنه،ولقد كان من السَّبَّاقين إِلـى  قيام الليل،وأَذكر أنهُ في ليالي شهر رمضان،كان الإخوة يحرصون على ختم القرآن في صلاة التراويح،وهذا بدوره يَتَطَلب أَن يظل الإخوة المصلين واقفين مدة طويلة،فكان الشيخ رحمه الله وبحكم كبر سنه لايستطيع القيام طويلاً،فكان الشيخ يُغَالبُ نفسَهُ على الصلاة قائماً في بداية ليالي شهر رمضان،حتى عجز عن القيام طويلاً فى الصلاة،وفي ليلة من الليالي،وعندما إِنتهى الإخوة من الصلاة، بدأَنا نسـمع بـكاء الشيخ والدموع تنهمر من عينيه‘ولماسأَله الإخوة عن السـبـب،طَلَبَ منهم الأيُطيلواالقراءة فى الصلاة،حتى يتمكن من إِكمال الصلاة قائماً ،حرصاً منه رحمه الله أَن ينال أجر المُصلي القائم إن شاء الله .

 

وأذكُرُ أَن أَحَدَ الإخوة،ممن كان معنا فى الزنزانة،وكانت له موهبة نَظم الشِعر(باللغة العربية الفُصحى)،كان قد نَظَمَ أَبياتاً من الشعر يُشيدُ فيها بالصفات الطيبة عند كل أَخ،فلما سَمِعَ الشيخ محمد الفورتية،الأَبيات التى يمدحه فيها هذا الأخ،ناداهُ الشيخ وطَلَبَ منه أَلا يقول هذه الأَبيات(تواضعاً من الشيخ رحمه الله) ولقد كان الشيخ رحمه الله يَلُحُ على الإخوة بأن يُخصِصُوا له  دوراً(توكةً) في عملية التنظيف وإعداد الأكل وغسل الأواني،أُسوةً بباقي الإخوة،ولكن الإخوة لم يَرْضْوا بذلك،وتمسَكُوا بذلك،فما كان من الشيخ رحمه الله إِلا أن  أَذْعَنَ لذلك علىمَضَضٍ منه.

 

ولقد لاحظتُ على الشيخ رحمه الله شـيئاً لم أراهُ عند باقي الإخوة،أَلاَ وهو البكاء وذرفُ الدموع،عندما نسمع خبر المجازر التي كان يقوم بها النصارى الصِرب ضد إخوانـنا المسلمين فى البوسـنة والهرسك(وكان ذلك زمن حرب البوسنة والهرسك)،وكُنا نسمع ذلك من أجهزة(الراديو) والتي كانت تُسَرَّبُ إِلينا خِلْسةً ،بعدما سُمِحَ للأَهالي بزيارة ذويهم المساجين،وإدْخال الأكل واللباس إليهم أَمـا حادثة مَرَض الشيخ (محمد الفورتية)رحمه الله ،فهي كالتالي:

 

فلقد لاحظنا على الشيخ المداومة على ربط رأسه من جهة الجبهة،وهو بداية المرض مع الشيخ رحمه الله،وكان ذلك،في الأشهر الأُولى من عام1414هجرية تقريباً،وكُنا نظُنُ أنها مُجَرد وعكةٍ بسيطة تزول عما قريب بإذن الله،ولكن ظلَ الشيخ على هذه الحالة،قُرابة الشهرين تقريباً،وأَتذكرُ أَن الشيخ رحمه الله،فى أَثناء مرضه هذا ،طَلَبَ من أَحد الإخوة الذين كانوا معنا فى الزنزانة(وهذا الأخ من مدينة درنة)،طَلَبَ منه أَن يَحْجِمَهُ فى رأْسه،أخْذاً بالأسباب وعسى أن يَكُونَ سـبـباً فى شفائه،ولكن ظل المرضُ مُلازماً للشيخ،ولقد قامَ الإخوة بمحاولات لإقناع المسئولين من الكلاب فى السجن لإخراج الشيخ إِلى المستشفى،وصدق الله القائل فى مثل من اتَصَفَ بمثل صفة هؤلاء:{ثُم قَسَتْ قُلُوبُكُم من بعد ذلك فهي كالحجارة أَو أَشَـد قَسْوةً}،كيف وهم يَرَوْن شيخاًكبيراً فى مِثْلِ سِن آبـائهم قد أَنْهَكَهُ المرض،وحِيلَ بينه وبين أَهله،لم يَقْتَرِفْ ذنْباً،،سِوَى  أَنَهُ من القائلين بلسان حالهم ومقالهم:[ربُـنا الله،لانَعْبُدُ إِلا إِياه]،ثم لايتَحَركُ لهم جِنَان،فيأْخذوا هذا الشيخ إِلى المستشفى،عسى الله أَن يَشْفِيَهُ.

 

ولكن كما قُلتُ ،فقد ظَل المرض مُلازماً للشيخ رحمه الله مُدة الشهرين تقريباً وحتى الإخوة الأَطباء الذين كانوا مساجين معنا،لم يَعْرفوا العلة التي كان يُعاني منها الشيخ،فلقد ظل الشيخ رحمه الله طِيلة مَرضِهِ يَكتُمُ شيئاً لم يُخْبِرْ به أَحداً حتى أَقرب المقربـين إِليه(اِبنَهُ إِسـماعيل)،وفي  أَحد الأَيام وعندما كان الشيخ رحمه الله يَهِمُّ بالدخول إِلى دورة المياه للوضوء،لم يَتَمالك نَفْسَهُ فَسَقَطَ على الأَرض،فَهَرعَ إِليه الإخوة وحَمَلوه إِلى الفِرَاش،وكانت هذه الحادثة قبل وفاته بِنحوثلاثة أَو خمسة أَيام تقريباً،عندها جاء أَحدُ الإخوة الأطباء إِلى زنزانة الشيخ عسى أَن يفعل شيئاً مع الشيخ،وبدأ يسأل الشيخ ،عن مرضه وبماذا يشعر وبعد الحاح من هذا الأخ الطبيب وإِسماعيل(إابن الشيخ)،تَـبَيَّـن أَن الشيخ طِوَالَ مُدة  المرض كان يُعاني من إِنْسِدَادٍ في مَجْرى البَوْل(أَي أَن البول لم يكن يَخرُج بصورة طبيعية ،وإِنما على هيأة قطرات قليلة)،وسـبَـبُ ذلك كما أَخبَرَنا هذا الأَخ الطبيب،إِصابة الشيخ بمرض (البروسـتاته)،وهو مرض أَكثر مايُصب كبار السِن من الذكور،وطريقة علاجه سهلة ومُيَسرة-بفضل الله -تتمثَل فى إِجراء عملية جراحية للمريض،يعود المريض بعدها إِلى حالته الطبيعية بإِذن الله،ولكن كلاب الطاغوت حالوا من فعل ذلك،والسبـبُ في كتمان الشيخ عدم إِخراجه للبول بصورة إِعتيادية وطبيعية، (كما أَخبرنا بذلك ابنه إِسماعيل)،هو استحياءُ الشيخ من أَن يَذْكُرَ ذلك حتىلابنه،ونتيجةً لإنْحِباس البول فى الجسم أُصيبت الكليتان،للضغط الواقع عليهما من البول،وأُصيب الدمُ بالتسمم نتيجة ،لتعطل الكِلْيَـتين عن أَداء وظيفتهما ،من تخليص الجسم من(البولينا ) والتي  يُسَـبِـبُ بقائها في الجسم لفترات طويلة تَسَمم الدم،وهكذا أَصبحَ الشيخ رحمه الله طريحَ الفراش،وكان يُغْمى عليه من حين إِلى آخر،ورُغم ذلك ظل حتى وهو فى هذه الحالة حريصاً على أَداء الصلاة فى أَولِ وقتها،فكان رحمه الله يُصلي معنا الصلاة ثُم يُغمى عليه من شِدة المرض، وعندما يَفِيق،يسأل هل صلينا الظُهْرَ،هل صلينا العصر ؟..الخ،فيقول له ابنه إِسماعيل:نعم ياأَبي لقد صلينا،وإِني لأتذكرُ تلك الدروس الفقهية والتي كان الشيخ يُلقيها علينا فى بيان كيفية الحج بالشرح الدقيق ،ولقد كان الشيخ ممن يتبعون الدليل،وليس ممن يتعصبون للمذاهب الفقهية حتى وإن أَتت أَقوالها بما يُخالف الدليل،بالرغم من أَن الشيخ كان ممن تتلمَذَ على مذهب الإمام مالك رحمه الله،وذلك فى أَثناء دراسته فى جامعة البيضاء لإسلامية(سابقاً)،ومن ضمن المسائل التى تُؤكدحرص الشيخ رحمه الله على الأَخذ بالدليل (مسألة المسح على الجوارب)،حيثُ كان الشيخ فى بداية الأَمر ،يَشْترط فى الخف الممسوح أَن يكون من جلد،أَخذاً برأي المالكية فقام الإخوة بإخبار (الشيخ أَبي محمد عبدالله بن علي إِجْمَال) بـذلك،لكي يَذْكُرَ للشيخ(محمد االفورتية) الأَدلة التى تُجيز المسح على الجوارب ،وأَنهُ لا يُشترط فى الخف للمسح عليه أَن يكون من الجلد ،كما هو قول المالكية،واختيار الإخوة للشيخ (أَبى محمد عبدالله بن على إِجْمال)،ليقوم بذلك،لأَنهُ يَحْضَىَ بالإحترام والتقدير عند كثير من الإِخوة،ولسِعَة عِلمه،وعلى حسب علمي فإِني لم أَسمع بأَحد في  السجن يُماثل فى العلم الشيخ(أَبي محمد) سواءً في التوحيد أَو العبادات أَومصطلح الحديث أَو علوم اللغة العربية - أَحسبه كذلك ولا أُزكى على الله  أَحداً - (وسيأتي إِن شاء الله الحديث عن شىء من ذلك)،وبالفعل جَلَسَ الشيخ (أَبي محمد عبدالله إِجْمال)مع الشيخ(محمد الفورتية رحمه الله) وبـيَّـن لهُ الأَدلة على جواز المسح على الجوارب،وانتهت الجلسة،ولسان حال الشيخ (محمدالفورتية) يقول:سمعنا وأَطعْنا،ويقول أَيضأً: إِذا صَح الحديثُ فهو مذهبي ولقد رأينا الشيخ (محمدالفورتية رحمه الله)بعد ذلك وهو يمسح على الجوارب واشْـتَد المرض بالشيخ(محمد الفورتية رحمه الله)،فَكَثفَ الإِخوة من الإلحاح على الحرسات بإِخراج الشيخ إِلى المستشفى ،وأَخبرهم ألأَخ الطبيب،بأَن حالة الشيخ شديدة وهو يحتاج إِلى علاج فى المستشفى، وحالة الشيخ لاتـتحمل الإنتظار أو التأخير ،فيَسر الله للشيخ الخروج إِلى المستشفى،محمولاًعلىالأكتاف،وبعديوم أَو يوميـن جـاءنا خبر وفاة الشيخ محمد الفورتية رحمه الله،وَحُمِلَ جُثْمانه إِلى مدينته (مصراتة)،وصُلىَ عليه هناك ودُفِنَ فيها،نسأل الله أَن يجعل الجنة مثواهُ ونسألُ الله أن يكون الشيخ ممن يُقالُ لهم:{ وتِلْكَ الجنةِ التى أُورِثْـتُـمُوها بِمَا كُـنْـتُم تَـعْـمَلُون}،ومِمن يُـقَالُ لهم أَيضاً:{ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِـنـين} .

 

* أَما الطعام والأَكل الذى كان يُوَزع على الإخوة المساجين على أَيدي كلاب الطاغوت،فهذا وصْفُهُ مختصَراً(وليس هذا من باب إزدراء الأكل فهو من رزق الله ولله الحمد علىنعمه ،ولكن من باب إظْهار الحقائق،لكشف مايُعانيه الإخوة المُوَحدون فى سجون الطواغيت،من حرمانهم من أَبسط ما يتطلبه الإنسان لا بل حتى الحيوان،أَوَلم يَقُل نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم :{فى كُل كبدةٍ رَطْبَةٍ أَجرُ}أَوكما قال عليه الصلاة والسلام،ويُخْبِرْنا أَيضاًعن امرأة دَخَلَتْ النار فى هِرةٍ،لأنها حَبَسَـتْها ولم تُطْعمها،ولم تُطْلِقْها تأكُل من خشاش الأَرض. فى الوقت الذي يَغْدِقُ فيه الطواغيت الأموال على الكَفَرة والفاسقين ،وتقريبهم وتكريمهم ،وتبجيلهم،واتخاذهم أَولياء من دون المؤمنين،وصدَقَ القائل:

 

تموتُ الأُسْدُ فى الغاباتِ جُوعاً    :    ولَحْمُ الضأنِ تأكُلُهُ الكلابُ

 

ونحن نعلم إِن الطريق إِلى الجنة ،يَتَطَلبُ المجاهدة والمصابرة،وهذه سُنةُ الله عز وجل،وصدقَ الحق تبارك وتعالى القائل فى مُحْكم التـنـزيل:{أَمْ حَسِبْتُم أَن تَدخُلُوا الجَنةً وَلَمَّا يأْتِكُم مَثَلُ الذين خَلَوا من قبلِكم مَستْهم البأْسـاءُ والضــراءُ وزُلْزِلُوا حتى يقولَ الرسولُ والذين آمنوا معَهُ متى نصرُ اللهِ أَلا إِن نصرَ اللهِ قريبٌ} ،والحمد لله القائل:{ولاتَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عما يعملُ الظالمون إِنمَا يُؤَخِرُهم لِيَومٍ تَـشْخَصُ فيه الأَبصارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهم لايرْتَد إِليهم طَرْفُهم وأَفْئِدَتُهم هَوَاءٌ})

 

وإِليكَ وصْفاً مختصراً لكمية ونوعية الأكل الذى كان يُعطَى للإخوة المساجين ففي السنة الأُولى(بالذات) ،يأْتي كلاب الطاغوت بالفطور عند الساعة(9) أَو الساعة(10) صباحاً،وأَحياناً يُؤَخِرونه إِلىقُرابةوقت الغداء،وهو عبارة عن رغيف واحد من الخبز مع شىء من الحليب،والذي لايتجاوز نصيب كل أَخ منه مقدار كوب الشاهي الصغير(طاسـة الشاهي)،وفى الغالب يكون هذا الحليب غير مُحَلى،وأَحياناًيكون بِصُحْبة رغيف الخبز هذا كمية من المُرَبى،والذي لايتجاوز نصيب كل أَخ منها نِصْف مِلْعقَة القهوة الصغيرة،مِما يجْعل بعض الإِخوة يُؤْثِرون بِنَصِيبهم من المُرَبى لباقي الإِخوة،وفى بعض الأَحيان يكون الجُبن بصُحبة رغيف الخبز،وكميته بالطبع ليست أَحسَنُ حالاً من سابقاتها (الحليب والمُرَبى)،وفىقليل من الأَحيان،يُؤتى بِبَضة مسلوقة لكل أَخ. أَما الغذاء فهو أَحَدُ شيئين،أَلأُرز أَو الماكارونة،ولاتسأل عن نصيب كل أَخ منها فهو ما بين (5 إِلى 10)ملاعق. وأَما العشاء،والذي يُوَزع عند صلاة المغرب،فهو دائماً الطبيخ،والذي ليس له من صِفة الطبيخ ومعناه(فيأَغلب الأَحيان)إِلا الإِسم فقط،وبالطبع لايُرافق هذا الطبيخ أَي كمية من الخُبز، فالخُبز يُعطى مرةً واحدة فى الفطور فقط(رغيف واحد فقط) وأستدرك وأَقول،أحياناً فى الفطور يُؤتى مع الخُبز ببعض حبات الزيتون،حيث يكون نصيب كل أَخ منه مابين(5 إِلى 9) حباتٍ بالعدد. وفى وجبة الغداء،يُؤتى ببعض الفاكهة على حسب الموسم ،فالقرع(الدلاع) والعنب فى فصل الصيف، والبرتقال فى فصل الشتاء،ونصيب كل أَخ معلوم برتقالة لكل أَخ،ومابين(5 إِلى10) حبة عنب،ونصف(دلاعة) من الحجم المتوسط لكل عشرة إِخوة. ومن المعتاد فى وجبة العشاء يُؤتى بالشاهى،ما مقداره ،كوب صغير لكل أَخ (طاسة شاهى صغيرة).

 

أما نوعية وجودة هذا الأكل(سواءً كان فطوراً أو غداءً أَو عشاءً)،فيعرفه  كل من ذاق ذُل الإِلتحاق بجيش الطاغوت القذافي(سواءً كان ذلك الإِلتحاق عن طريق الإِكراه،أَم كان عن رِضىً)،وبالطبع من باب أَولى يعرفه كل من سُجِنَ بتهمة أَنه من المُصَلـيـن الحريصين على العمل بقوله تعالى:{إِيـاك نَـعْبُدُ وإِيـاك نَسْتَعـيـن}.

 

ووالله ثُم بالله الذي لاإله إلا هو،لقد كان الإِخوة المساجين من شِدة الجوع (لاسيما فى السنة الأُولى من السجن)،يَضْـطَرون إِلى أَكل البرتقال والقرع بقشوره، لا بل قد وصلت شدة الجوع ببعض الإِخوة إِلى أَكل قشور البَيْض ولقد ذَكَرَ لي أَحَدُ الإِخوة(وهو من الإخوة المُجاهدين _أَحسبُهُ كذلك ولاأُزكي على الله أَحداً _ من مدينة درنة)،أَنه ومن شدة الجوع التى تعرضَ لها أَثناء فترة التحقيق همَّ بأَكل حِذَاءه ،وذلك بعد تـليـينه بالماء.

 

ولقد نَتَـجَ عن شدة الجوع التي عانَ منها الإِخوة(فى السنة الأُولى)،أَن أَصابهم الهُزَال فى أَجسادهم،فمنهم من فقَدَ قُرابة نِصْفَ وزنه،ولقد زادَ الأَمرُ شِدةً فى شهرِ رمَضانَ،حيثُ كان الأخ يشعر بغشاوة سوداء على عينيه إِذا نَهَضَ من قعود وعدم القدرة الإعتيادية على رَفع رِجْلِهِ لغسلها فى حالة الوضوء..الخ.

 

وفى الوقت الذى تُصَفدُ فيه شياطين الجن،فىشهر رمضان،يَضَلُ كلاب الطاغوت مُصِرِّين على مَكْرِهم وقَسْوتهم،ففي أَحد أَيام  رمضان قام أَحَدُ هؤلاء الكلاب بتوزيع التمر علينا(وكُنتُ وقتئِذ فى زنزانة 2 عنبر 6)،وكُنا قُرابة(19)أَخ،ومن عدة مناطق،من درنة،والمرج،وبنغازى،ومصراتة،وطرابلس،وتَامِزْدة ،وكان من عادة هؤلاء الكلاب الحرص على أَن يكون نصيب كل أَخ من التمر(تمرة واحدة) ولابأس أَن يكون أقل من ذلك،ولكن فى ذلك اليوم قدَّرَ الله أَن يكون نصيب كل أَخ (تمرتين)،فَحَمِدْنا الله على ذلك،ولكن سرعانَ ما هَرَعَ أَحَدُ الكلاب إِلىباب الزنزانة وفَتَحهُ بقوة وأَنتزع  من كل أَخ تمرة،وتبين له أَنه أَخطأ فى التوزيع،فهم يُطبِّقون الأَوامر التي تأتيهم من أَسيادهم  الطواغيت،تمرة لكل سجين لاأَزْيَدَ علىذلك،نعم يُطيعونهم فى كل شىء،ويُعرِضون عن طاعة من خلقهم ورزقهم الواحد الأَحد الفرد الصمد،وصدق الحق القائل:{إِن الله لَعَنَ الكافرين وأَعَد لهم سَعيراً خالدين فيها أَبداً لايجدون ولياً ولانصيراً يومَ تُقَلبُ وُجُوهُهُم في النارِ يقولون يالَيْـتنا أَطَعْنا اللهَ وأَطَعْنا الرسولاْ وقالوا ربنا إِنا أَطَعْنا سادَتَـنَا وكُبَراءَنا فأَضَلونا السبيلاْ}،نَعَم أَطاعوهم بالرغم من أَن آيات الله تُتْلى عليهم ولكنهم كانوا عنها يَصُدون،كما أَخبرالحق عنهم فى كتابه العزيز:{أَلمْ تَكُن آياتي تُـتْلى عليكم فكُنـتُم بها تكذبون}وقوله ،تعالى:{إِنه كان فريقٌ من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغْفِرْ لَنَا وارْحمنا وأَنتَ خَيرُ الراحمين فاتخذتُموهم سِخْرِياً حتى أَنْسَوْكم ذِكْري وكنتم منهم تَضْحكون}.

  

(بعض الأَعمال التى كان يُمارسُها كلاب الطاغوت مع الإِخوة):

 

 لقد كانوا يحرصون كل الحرص على عدم استقرار الإخوة فى الزنزانات حيثُ كانت عمليات مداهمة وتفتيش الزنزانات بشكلٍ مستمر،وبشكل مفاجىء فيُعِيثُون فيها فساداً وخراباً ،بالرغم من قلة مافي هذه الزنزانات من متاع وأَتذكر أَنه فى أَحد الأَيام وعندما كنا فىساحة السجن(اللارية)،وكان ذلك قبل خروجنا من السجن بحوالي  سنـتـين تقريبا،دخلَ كلاب الطاغوت الزنزانات وجعلوا عاليَها سافلها،لا بل قد وصل بهم الأمر إِلى تمزيق المصاحف التي عَثَروا عليها فى الزنزانات.

 

ولقد كان من ضمن الأشياء التى يحرص عليها كلاب الطاغوت ،العمل على عدم تَمكين الإخوة من المكوث مع بعضهم البعض لفترة طويلة ،فتراهم يقومون بعملية فَرْز وتنقل للإخوة ،كل مرة فى زنزانة،وفى قاطع(عنبر) آخر ،بحيث إذا حاول الإخوة تنضيم أُمورهم والقيام بترتيب معين،جاءتهم الكلاب ،وبدأوا ينقلونهم من مكان إِلى آخر.

 

ومنذ دخولنا إِلى السجن لم يُسمح لنا بالخروج إِلى ساحة السجن (اللارية) إِلا بعدما قَضْينا تسعة أَشهرٍ فى الزنزانات(والله أعلم بباقي الإخوة فى الشيلات فهؤلاء قد يكونوا أمضوا أكثر من ذلك قبل أن يخرجوا إِلى اللارية) وعند خروجنا إِلى الساحة لأول مرة،كانت وجوه وبَشْرة الإخوة من قِلة تعرضها لأشعة الشمس،تبدو وكأنها مُنْسَلِخة،حيث كان لونُها (أبيض مُحْمر)،وكانت عيوننا تسيل دموعاً من شدة الضوء،حيث لم نستطع فتحها بسهولة وبطريقة إِعتيادية،إلا بعد مرور ساعات على خروجنا لأول مرة.

 

أما اللباس فلقد ظل كل أخ بالملابس التى دخَلَ بها السجن،قُرابة (5  أشهر) بعدها وزع علينا كلاب الطاغوت،ملابس السجن وهى عبارة عن(قميص وسروال) وظَلَلْنا على هذه الحال،قُرابة(4 سِنـين)،بعدها وزعوا علينا أيضاً (قميص وسروال)،وبعد ذلك ،وبلطف الله وكرمه ورحمته،سُمِح للأهالى بزيارة ذويهم من الإخوة المساجين،وكان ذلك،عام1413هجرية،الموافق عام1993م (أَي بعد أَربع سنـين من وقت دخولنا إِلى السجن)،ومن المعلوم أَن الكلاب كانوا قبل ذلك قد صَنفوا الإخوة المساجين إِلى أَربع فِئات(أ ،ب ،ج ،د) أما الفئة(أ)فمكانها فى عنبر(6):وهم الأُمراء من الإخوة المجاهدين،وأيضاً ممن أُلقى القبض عليهم أثناء المواجهات المسلحة فى(إجدابيا،والرجمة) أو ممن كانت لهم بيعة للإخوة الأمراء،وأيضاً بعض الرؤوس من جماعة التكفير والهجرة.

 

أَما الفئة(ب) فهي فى العنبر(5):وهم ممن كانت لهم صلات قوية بأفراد  الفئة(أ)أو ماشابه ذلك. والفئة(ج) موزعة بين(عنبر3 ،وعنبر4):وهم ممن كانت تحوم حولهم شُبهة التعاطف أَو معرفة أفراد الفئتـين(أ ،ب)،وأيضاً،بعض الذين سلمهم طاغوت بِلاد مِصرإِلى الطاغوت القذافي،من بعض فصائل المعارضة السياسية الليبية وأَيضاً بعض الإخوة ممن كان متوجهاً إِلى بلاد الحَرَمين أو كان عائِداً منها وأُلقىَ القبض عليه،بداية عام 1993م.

 

أَما الفئة(د)ممن كُنتُ معهم،فهم أُولئك الذين صُنفُوا من قِبَل كلاب الطاغوت على أن تُهمتهم أقل خَطَراً من غيرهم، فهم ممن كانت تُهمته المحافضة على صلاة الجماعة فى المسجد،أَوكانت عليه علامات السير فى طريق الهداية،ونحو ذلك، ومكان هؤلاء الإِخوة هو(عنبر 1 ، وعنبر2).

 

ولقد سُمِحَ للإخوة المُصَنفين فى الفئة(د) أي الذين فى (عنبر 1،وعنبر 2)وبعض الإخوة المصنفين فى (الفئة ج)،ممن هم فى عنبر(4)فقط،أماباقي الإخوة فقد مُنِعَت عنهم الزيارة،والطاغوت وكلابه بفعلهم هذا،يكون لهم نصيب من قوله تعالى،إِخْباراً عن حال الفاسقين:{ويَقْطَعُون ما أَمَرَ اللهُ بهِ أَن يُوصَلَ ويُفْسِدُون فى الأَرضِ أُولئكَ هُمُ الخاسِرون}.

 

وأَما وصف كيفية الزيارة، فإِليكَ خَبَرُها: فلقد كان  وقتُها،أَربع مرات فى السنة وكانت فى الأَشهر التالية(شهر 1،4،7،10)،وكانت مُدة الزيارة المسموح بها لاتتجاوز(10 دقائق)،فهي مابين(5 إِلى 10 دقائق) ولقد كانت أَول زيارة،وأَول مرة يرى فيها الإخوة أهاليهم،مُؤَثِرة،لو كان لجدران  صالةالزيارة عيـنان،وحَناجر،لَسَمِعْتَ نَحِـيبَها،ورأيت سَيَلان دموعها تأثراً بِمَا تَراهُ،من تَعَلقِ أُمٍ بابنها،وطفلٍ بأبيه،وشيخٍ كبيرٍ ترتعش يداهُ مُعانقاً فَلَذة كَبده،ودموع الجميع قد سالت،حتى من حاول أَن يَتمالك نفسهُ من الإخوة كانت الدموع تَـتَرقْرقُ في عيْـنيه،وهو يَرى،أُماً عجوزاً،وأَباً  كبيراً،وطفلاً صغيراً،قد أجهشوا بالبكاء،إِختَلَطَتْ بَسَماتُهم بالدموع،ولكن هُناك صِنْفٌ آخَرُكان واقفاً يَزيغُ ببصره يميناً وشمالاً،لا لصدمته بِهَول المَشْهَد الذي يَراهُ،وتأثُرهِ به ولكن تَرقباً وترَبصاً عسى أن يكون أحدُ المساجين قد خَبأَ رسالة  ليُعطِيَها لأبيه أو أُمه أو أَخيه،تحمِل في طياتها كلمات كلُها تواصي بالحق وتواصي بالصبر أمْراً بمعروف أَو نهْياً عن  مُنكر،فينقض عليها ذلك الكلب،عسى أَن ينالَ من أَسياده الكلاب مكانةً وثناءً ،ولقد كان من عادة الكلاب المُشرفين على الزيارة تفتيش الإخوةقبل لقائهم بأَهاليهم،وكل من وجَدُوا معه رسالةً مُخبأةً،كان عِقابه الحرمان من الزيارة،والضرب،وربما وَضَعوهُ فى زنزانة إنفرادية(شيلة)،وإِني لأذكُرُ ذلك الموقف الذى تَعَرضَ له أَحدُ الإخوة ،حينما فتشهُ الكلاب فوجدوا معه رسالة ،كان حريصاً على تسليمها لابـنـته الصغيرة مُوصياً إِياها بالحرص على الصلاة، والعفاف والطُهر،والحجاب،…الخ،فأغْتاضَ الكلاب من ذلك وانهالوا على ذلك الأخ بالضرب والشتم والسب،وألقَوهُ فى زنزانة إنفرادية،والأهل الذين قد أنهكهم السَفَرُ،يترقبون ابنهم بشوق وحرقة،عسى أن تكتحِلَ عيونهم برؤية ابنهم ،ولكن قدر الله وماشاء فعل،فرجع الأهل بعدما أخبرهم الكلاب،بأن إبنهم ممنوع من الزيارة،وتصور حال الأهل بعد سماعهم هذا النبأ.

 

ولكن وبالرغم من حرص كلاب الطاغوت على الحيلولة دون وصول الرسائل من الإخوة المساجين إِلى أهاليهم،إِلا أن الله سبحانه وتعالى بلُطفه وكَرَمه،يَسَّر لكثير من الإخوة إخراج الرسائل،ووصولها إِلى أهاليهم،لا بل كان من الإخوة من تَصِلُهُ بعض الرسائل من بعض الإخوة الممنوعين من الزيارة،(كالإخوة الذين تم تصنيفهم ضمن الفئة أ، أو ب،..الخ)،ويقوم ذلك الأخ بتسليمها لأهله،والذين بدورهم يُسَلمونها إِلى أهل ذلك الأخ الممنوع من الزيارة،والحمد لله رب العالمين ومن ضمن الإجراءات التى اتخذها كلاب الطاغوت فى موضوع الزيارة،وذلك بعد  مرور قُرابة ثلاث زيارات للأهالي،هو السماح لأقارب الأخ السجين ممن هم من الدرجة الأُولى (الأب ، والأُم،والأخ وأبنائه،والأختُ وأبنائها،والزوجة وأبنائها) هؤلاء فقط المسموح لهم بالزيارة،ويُطلبُ منهم مايثْبُتُ ذلك،وأتذكرأن عمتي العجوز والتي تسكن في إحدى المدن الشرقية،قد أتَـت لزيارتي،فمنعها الكلاب من ذلك ،لابل أن الأَمر،فى بعض الحالات كان أشد من ذلك،فلقد جاء أحدُ الآباء الكِبَار فى السن،وكان فى السبعين تقريباً،لزيارة ابنه برفقة أهله،فطَلَب منه كلاب الطاغوت مايُـثْـبِتُ أَنه والد ذلك الأخ،ولم يكُن لدى ذلك الشيخ الكبير هوية تُـثْبتُ ذلك،فمنعوه من الزيارة أول الأمر،ولكن بعد مُساجالات ونقاش،وإلحاح من الأهالي،يَسرَ الله لذلك الشيخ زيارة ابنه ولقد روى لنا ذلك الأخ هذه الحادثة (وهذا الأخ من سكان إحدى المناطق الوسطى فى ليبيا) ، وتحكي لي أُمي – رحمه الله - ، وذلك بعد خروجنا من السجن حادثة ملخصها :

 

أَن إِحدى أَمهات الإخوة المساجين عندما سمعت بالزيارات ، أَتت المسكينة عسى أَن تزور فلذة كبها ، وهي تحمل معها الأَمتعة ، ولكن كلاب الطاغوت أَخبروها أَن ابنها ممنوع من الزيارة ، فأَنشدت الأُم المسكينة أَبيات شعرية

باللهجة المحلية تقول فيها :

 

مِنْ كثر إِهبالي جايَّه بنـزوره  :  إِلـقيـت باب كبير اوعـالي سـورة

 

( أَي أنها كانت تريد زيارة ابنها فمنعوها ، ووصفت السجن بأن أسواره عاليه وبابه كبير ) ومـانقلته تعتبر تجربة شخصية ، وبصورة مختصرة جداً ، فوالله مانقلته هنا يعتبر شيئاً يسيراً من الواقع الذي مر به الإخوة في سجن أبي سليم .  وقد يقول قائل : أَن أَوضاع السجن قد تغيرت على ماكانت عليه من قبل . أَقول نعم ، والسبب – في نظري – هي تلك الضربات التي يقوم بها الإِخوة المجاهدون _ سواء في ليبيا أَوخارجها _ ضد الطواغيت  وأعوانهم ، مما جعل أسياد هؤلاء الطواغيت من الأمريكان ، يوصون عملائهم في البلاد الإسلامية بتخفيف الضغط عن هؤلاء المساجين ، لأن – على حسب رأيهم -  الكبت والقهر هو السبب في بروز جماعات الجهاد. ولكن هيهات أن يتوقف الجهاد .. فالجهاد بإِذن اله ماضي أَيها الطواغيت حتىيُـعـبَدَ الـلـهُ وحده ، ويكون الدين كُــلــه لـلـه .

 

وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه المتقين  ومن سار على دربهم إِلى يوم الدين.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

أَخوكم : أَبو عبد الله البرقاوي ( من بلاد ليبيا التي تإِنُّ تحت حكم الطاغوت الزنديق القذافي )

 

الثلاثاء 27 من شهر محرم لعام 1426 هجرية

 

 

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.