22/12/04
|
د/ جاب الله موسى حسن
القذافي .. والفهم الأحادي للحقيقة!!
للحقيقة اكثر من وجه واكثر من لون وقد تتكون أحيانا من عدة أجزاء لا يمثل أي منها الحقيقة كاملة. فلا الجانب المنير ، ولا الجانب المظلم منفردا ينبئك عن حقيقة القمر، ولهذا يصر القانون على قول الحقيقة كل الحقيقة ـ لان الاقتصار على جزء منها كثير ما يبعد عن فهمها.بيد أن الملاحظ أن التربية القهرية في المجتمع الليبي وانعدام لغة الحوار بين الأب وابنه، والمعلم وطالبه، والقذافي مع من حوله اصبحا يفرضان على عقل المواطن الليبي طابعا واحدا للحقيقة لا يتعداه .. الحقيقية كما يراها الأب والمعلم والقذافي.وبتعبير أدق الحقيقة هي لقذافى والقذافى هو الحقيقة... وفقا لرؤيته القائلة"أنا هو الدولة والدولة هي أنا" لا حول ولا قوة إلا بالله!!
هذا الفهم الأحادي الجامد للحقيقة يبرز واضحا في أحاديث الليبيين ونظرتهم وحكمهم على الأشياء التي يعيشونها باعتبارها كيانات نمطية لانتمائها السياسي لنظام سرت الآسن دون أي اعتبار لتفردها وخصوصيتها!!وينطبق ذلك على شخصيات ورموز تراثنا الشعبي والتي لا يمثل بشرا تتداخل في خلقه قوى الخير والشر،والقوة والضعف،والمروءة والنذالة، بل ذاك يمثل العدل كله، وذاك يمثل الحلم،وذاك يمثل القسوة و آخر يمثل المجون.كل شيء أما ابيض وأما اسود،خير كله أو شر محض،لا مجال في هذا الفهم للاستثناءات !! يا سبحان الله!!
أنني لا أسوق هذا الحديث عزيزي القاري في زاوية تعني بمجريات الأمور تفلسفا ،فكارثة أطفال بنغازي وإرهاصاتها السياسية على سبيل المثال لا تترك مجالا للتنظير والسفسطة. ولكن لكي أخلص إلى أن هذه النظرة الأحادية الجامدة في التعامل مع القضية من قبل نظام سرت البلاء قد تكون السبب الرئيسي لهذا الارتباك الذي يسود تقويمنا للوضع الناتج عن الكارثة التي ألمت بحاضرنا ومستقبلنا وما أفرزته وما سوف تفرزه من تداعيات سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي , تداعيات قد تفلق ,بل فلقت حقيقة القذافى أو القذافى الحقيقة إلى عدة أجزاء، وقد عودنا القذافى أن نراها قبل ذلك متكاملة وفى يده وفقا لرؤيته الأحادية ونزوعه الطبيعي لنظرية المؤامرة عند اتهامه للمخابرات المركزية وكذلك المخابرات الإسرائيلية في اقتراف هذه الجريمة في حق أطفال برقة الحزينة.
ودعني افصح قليلا لأقول أن أزمة أطفالنا في بنغازي الجريحة قد أفرزت اكثر من حقيقة واحدة. بعضها هامشي نتجاوز عنه لنقصر الحديث على لاعبين أساسيين هما القذافي الذي لم يبرئ نفسة من هذه الجريمة الشنعاء حتى كتابة هذه السطور من جانب، والاتحاد الأوربي وبلغاريا التي اتجهت بها- أي بالقضية - إلى أشواطا بعيدة من جانب آخر. وتحديد مسئولية نظام سرت الطغيان عزيزي القاري عن هذه الكارثة يجب إلا يتم بمعزل عن تصرفات مماثلة ستستمر ما ظل هذا النظام قائما. نظام اصبح يعيد حساباته في الآونة الأخيرة وذلك بمطاردة ليبيي الشتات وفق حملة شعواء لشراء ذمم بعض الليبيين,على اعتبار أن تجويع و إذلال شعبنا في الداخل لا يشفى غليله و لا يكفي حاجته للتسلط والسيطرة. حل أزمة أطفال بنغازي أو تجاوزها لم يكن سهلا هذه المرة لان القضية لم تعد في يد الأمير بندر بن سلطان مثل ما كانت أزمة لوكيربى التي يقال أن القذافى تجاوزها بتقبيل اللحى والعناق والعواطف، قضية أطفال بنغازي خطفها الاتحاد الأوربي وطار بها نحو تحقيق أهداف وغايات قد يفاجئ بها القذافى من حيث لا يحتسب!!
للحقيقة أذن وجهان لا وجه واحد، وللازمة لاعبان لكن التفكير الأحادي لا يسمح إلا برؤية وجه واحد ولاعب واحد. البعض يرى هذا الوجه في ليبيا والبعض يراه في ما بعد المتوسط. هؤلاء يعتبرون أي شجب لتصرفات نظام سرت البغاء امتثالا وخضوعا للسياسية الغربية وانتهاكا لسيادة الدولة الليبية دون أن يفرقوا أصحاب هذه الحمية بين الشعب الليبي المطحون وقيادته المارقة , بل نقول أعماهم البترو دولار عن التمييز بين الجلاد والضحية!!
وحقيقة الأمر عزيزي القاري انه لا فرق بين دور القذافي والدور الصهيوني وكلاهما يرفد الآخر، وما تعلنه إسرائيل عن زيارات بين سرت وتل أبيب إنما يرمي إلى استمرار نظام القذافي الذي يخدم سياسة الصهاينة وأهدافهم بما لم يحققه لهم نظام آخر في العالم. ولا حل لهذه المشكلة إلا باتخاذ موقف حاسم صارم من النظام الليبي وبتره من جسم الأمة العربية، فقد بلغت الأمور حدا لم تعد فيه صيغ المصالح والاعتذار والوعود نافعة مع نظام عشائري داعر يعمل خارج الزمن وخارج المنطق، ولكن ذلك لا يمكن أن يتم إلا باتخاذ قرار اكثر شجاعة وجسارة لطرد القذافى واستئصاله من جسم الأمة ومحاصرة نظامه،وبغير ذلك ستتعرض منطقة الشمال الأفريقي لسلسلة من الاضطرابات والحروب الأهلية !!
د/ جاب الله موسى حسن
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()