|
هجرة العقول الليبية!!
د/ جاب الله موسى حسن
غادرت الآلاف من العقول الليبية الوطن خلال العقدين الماضيين لظروف سياسية, أو لانعدام ضمانات الحياة ومنها على وجهة التحديدانتهاكات حقوق الإنسان والأعتقالات العشوائية والتصفيات الجسدية التي تقوم بها مفارز الموت على حد تعبير العقيد معمر القذافى, وظروف أخرى عدة لا يتسع المجال هنا لذكرها..ولكن لابد من القول بأن هناك حوالي مائة آلف ليبي أو أكثر غادروا ليبيا منذ عام 1976 ، خصوصا بعد مشانق السابع من إبريل والقتل المنظم لطلبة الجامعات في السبعينيات ومن ثم كانت المغادرة قهرا أو طوعا أو تهجيرا خلافا لقواعد القانون الدولي وانتشروا تبعا لذلك الليبيين في بقاع الأرض بأوصاف متعددة. كما أن البعض منهم غادر ضمن وفود رسمية وفضل البقاء في المنفى وعدم العودة للوطن المكلوم.
وإذا كانت هناك ظاهرة معروفة تخص هجرة العقول العربية من البلدان العربية لأسباب كثيرة،لعل أهمها تباين احترام حقوق الإنسان في هذه البلدان، عدا الظروف الاقتصادية والسياسية والعوامل الأخرى، فإن الذي يلفت الانتباه في هجرة العقول الليبية هو محاولة مسك الحقيقة من ذيلها كما يقال ، من دون الوقوف على الأسباب الجوهرية للمشكلة وتدارك حقيقة الخطر على مستقبل ليبيا وأجيالها في هدر هذه الثروة التي ليس من السهل تعويضها .فقد عانى لبنان من هذه المشكلة بعد الحرب الأهلية التي تركت آثارها على الإنسان والدولة والمجتمع وعلى رؤوس الأموال أيضا لعدم توافر الاستقرار آنذاك. وتعاني الجزائر أيضا من هذه المشكلة بفعل عوامل عدة منها العامل السياسي وعوامل أخرى!! في ما يلي نتعرف أولا على المقصود بالعقول الليبية ، وثانيا بيان أسباب هجرتها، وثالثا إعطاء بعض الحلول والتصورات ،عسى أن تنفع في حل المشكلة وتسهم في الهجرة المعاكسة إلى ليبيا أو إلى العالم العربي. ليس المقصود بالعقول المهاجرة حملة شهادة الدكتوراه أو ممن يحملون الشهادات الجامعية العليا كالماجستير أو الدبلوم فقط ، وإنما نقصد بذلك كل كفاءة وخبرة في المجالات الإنسانية والعلمية والتجارية. فهناك خبراء يحملون شهادة البكالوريوس مثلا لكنهم من ذوي الخبرات أو التخصصات ويمكن اعتبارهم من العقول المهاجرة . ونستطيع القول أن الأشخاص الذين يعملون بعقولهم وأثبتوا كفاءتهم حتى صارت لهم خبرات علمية أو أكاديمية أو فنية أو تجارية يمكن اعتبارهم من العقول المهاجرة من ليبيا.
بل نعتقد أن كل ليبي غادر الوطن هو عقل وطاقة وقوة لا يمكن مبدئيا أن يستغني عنها الوطن الذبيح. وما قرارات اللجان الثورية بمطاردة الليبيين وتصفينهم جسدياً وحرمانهم من المواطنة إلا مخالفة خطيرة لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية .قرارات اللجان الثورية وشقيقتها لجان التصفية الجسدية قرارات اللاإنسانية ،أن معاقبة البشر بسبب اختلاف الرأي السياسي أو المنطقة الجغرافية مخالفة للشرائع السماوية وابسط قواعد حقوق الإنسان. ونعتقد بأنه أيا كان شكل المغادرة من ليبيا فهي كارثة على وطن لا يتجاوز عدد سكانه الستة مليون نسمة! وقد عُقدت مؤتمرات ضمن نشاطات جامعة الدول العربية أو غيرها عن هذه المشكلة، غير أن هناك حقائق ربما لن يتم التطرق إليها لحاجة في نفس يعقوب !!
بدأت ظاهرة هجرة العقول الليبية منذ عام 1976،أي بعد سيطرة القذافي على الجامعات الليبية والقضاء على المؤسسة العسكرية من العام المذكور، وما تبع ذلك من انتهاكات لحقوق الإنسان واعتقالات وتصفيات جسدية في الوسط الجامعي، تصفيات جسدية طالت جميع الشرائح المثقفة!!، ويذكر الكثيرون جرائم ما سمى بـ "اللجان الثورية" فلم يسلم كثير من الأموال أو الأعراض أو الحقوق ،أو الحريات من التعدي أو الانتهاك. وبقيت حالات الإرهاب وانعدام الحقوق والتصفيات الجسدية وانعدام المساواة والظلم والقيود هي الأساس في الجامعات الليبية والمؤسسات العلمية كما في المجتمع الليبي!!
وبعد خطاب القذافي المسمى " بأصبح الصبح" وهو في الواقع أقبل الليل!سمح لمن يرغب من الليبيين العاملين أو الدارسين في خارج بالعودة إلى ليبيا . حيث عاد البعض إلى ليبيا ولم يرغب البعض الأخر بالعودة،بل أن الكثير ممن عاد آنذاك شد الرحال وغادر ليبيا ثانية بعد فترة أو قبيل فرض الحصار ، تاركاً وراءه أمواله وحقوقه وعقاراته لعدم توافر المناخ الفعلي للعمل بحرية وفق ضمانات قانونية. ومن الخطأ أن يتصور نظام سرت الجهل أن الخطب الرنانة كافية لوحدها لعودة العقول إلى ليبيا أو استمرار بقائها!!
وبعد مشانق السابع من إبريل 1976 صارت ليبيا أشبه بسجن كبير تنعدم فيه الحرية وتسود فيه شريعة الغاب وينعدم فيه احترام الشرائع السماوية والوضعية . فكم من العلماء والمفكرين ومن أصحاب العقول ومن الطلاب اعدم لأسباب تافهة أو لوشاية أو لرأيه السياسي المناهض أو لرفضه للإرهاب، وكم من اختفى ولا يعرف مصيره حتى الآن، وهناك من فُصل من عمله أو عوقب من دون ذنب أو أحيل إلى التقاعد في وقت مبكر عقابا. وحين اشتعلت هستيريا اللجان الثورية ترعرعت الشرعية الثورية وسادت الاستثناءات والقرارات الخاصة وانتشر طاعون تثوير المناهج وعسكرة المجتمع! مما ترك أثره البليغ على هجرة العقول التي لا يمكن أن تعيش في ظل أجواء الشرعية الثورية وانعدام القوانين !!
إلا أن المشكلة التي دفعت ليبيا إلى نفق مظلم هي مزاولة النظام للإرهاب الدولي وما تبع ذلك من تفضيل العيش في الشتات على العيش في الوطن طوعا أو قهرا. فالحريات بوجه عام والحريات الأكاديمية بوجه خاص لا توجد مطلقا في جماهيرية الجهل وفى ذلك خرق واضح للمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وافقت عليه ليبيا!!
وغادرت ليبيا بعد رفع قيود السفر مئات الآلاف من الليبيين من مختلف التخصصات. واحتل الكثير منهم مواقع وظيفية وعلمية ممتازة، بفعل قدراتهم العلمية في أمريكا و أوربا والدول العربية وغيرهما من بقاع العالم، ولا أظن أن هناك إحصائية دقيقة، إلا انه من المؤكد أن ليبيا حققت أعلى رقم في عدد العقول المهاجرة بعد أن كان العراق ولبنان يحتلان المواقع الأولى، ونعتقد أن إعلان النظام بان العدد المهاجر من هذه العقول هو مجرد أرقام بسيطة غير صحيح وان الرقم الحقيقي اكبر. من ناحية ثانية، كان من اخطر المظاهر في الجامعات الليبية مثلا شيوع سياسة التمييز القبلي ،والتمييز في البعثات وفى حضور المؤتمرات خلافا للاتفاقيات الدولية ولحقوق المواطنة، بل أن انعدام المساواة في الدخل الشهري بين أصحاب الكفاءة ذاتها مخالفة خطيرة للقوانين والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتسبب الشعور بالظلم والتمرد. ويعود هذا الاختلاف إلى الانتماء القبلي أو للدور الأمني الذي يؤديه الأستاذ الجامعي أو عميد الكلية أو رئيس القسم الذي يغرد مع السرب الشمولي، فالأستاذ "الثوري" يتميز براتب أعلى وامتيازات كبيرة وخاصة تختلف عن غير "الثوري"!!
ناهيك عن تداخل العمل الأكاديمي والعمل السياسي في ليبيا. حيث جرى تسيس وتثوير المناهج الأكاديمية ، بل عسكرتها . ويحضرني قول حسني الوحيشي ، مخاطبا أساتذة الجامعات :"نحن لا نرغب بمن يفكر في عقله، وانما نريد من يفكر في قلبه معنا". لذلك فإن القيم الأكاديمية التي عرفت بها الجامعات الليبية انهارت تمام بعد عام 1976، ما دفع بالعديد من الأكاديميين بالطبع، ألي ترك الوطن أو عدم العودة، وظل الباقي يصارع من اجل البقاء!!
وتحولت الجامعات والمؤسسات العلمية إلى مراكز أمنية ينتشر فيها أفراد اللجان الثورية في كل زاوية بحجة حماية الأمن الوطني من الأعداء ، ففي جامعة بنغازي مثلا يوجد سجن خاص وغرف للتحقيق مع الطلاب والأساتذة المشكوك في ولائهم الثوري! أو ممن وردت في حقهم تقارير الأمن داخل الحرم الجامعي والمؤسسات العلمية . عدا عن حجب جميع وسائل الاتصال والاشتراك في المجلات والصحف العربية والأجنبية، وفرض الرقابة على المراسلات والكتب الواردة أو الصادرة وتحريم الاتصال مع الأساتذة الأجانب أو العرب. ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه، فقد اعدم سقراط بتهمة إفساد عقول الشباب حينما ناقش طرقا غير مألوفة في تحديد مفهوم الديمقراطية، ولهذا ضاقت الدنيا في نفس أفلاطون بعد إعدام سقراط، فهجر أثينا إلى كثير من البلدان هربا من الطغيان ، فقد عرف جيدا كيف يعيش الطغاة في ظلم وعدوان وحرس ووشاة ومنافقين، واكتشف أن الطغاة لا يحترمون القوانين لأنها تقيد سلطاتهم المطلقة!! ولم يسلم الإمام أبو حنيفة من ظلم الظالمين ولا من جهل الجاهلين حين تعرض إلى التعذيب والاضطهاد ودس السم له في النهاية لأنة رفض ولاية القضاء، كما تعرض الإمام مالك إلى الظلم والضرب لمواقفه . وتعرض الإمام أحمد بن حنبل أيضا للضرب والتعذيب والسجن للتأثير عليه كي يغير أراءه . ولا ندري هل أن التاريخ يعيد نفسه في جماهيرية سرت ثانية!!
نعتقد أن هذه العقول المهاجرة التي تركت الوطن المكلوم لايمكن لها أن تعود، مهما كانت نوع الوعود،مادامت طبيعة نظام سرت الشر لم تتغير. ولا نعتقد أن الترهات الإعلامية مثل دعوات المغتربين إلى ليبيا ستفلح في تشجيع العقول أو الطاقات للعودة إلى الوطن الجريح ،ولهذا فضل المهاجر الليبي الاستقرار في أوربا وأمريكا حيث ينعم المواطن بالحرية و الأمان واحترام القانون وضمانات التقاضي والمؤسسات العلمية المتطورة، اكثر من التفكير للعودة إلى ليبيا في الظروف الحالية، كما لا يمكن إغفال حقيقة أن الحصار الاقتصادي رغم رفعة -- بعد اعتراف نظام القذافى بجريمة لوكيربى وتسليم رجال مخابراته وتعويض اسر الضحايا-- يعد عقوبة قاسية ضد الأبرياء ، تركت آثارها على عموم الشعب الليبي ومنهم الشباب والعقول والخبرات!!
حيث استغل النظام معاناة الشعب الليبي للأغراض الدعائية. وقد اعتبر أن هذه المعاناة للإنسان في ليبيا سببها العقوبات الدولية، متجاهلا أن السبب الحقيقي هو سياسة النظام الخاطئة داخليا وعربيا ودوليا. فليبيا باتت الأن من أعلى البلدان التي تحصل فيها معدل الوفيات في العالم، وان نسبة السكان الذين يستطيعون بصورة منتظمة الحصول على مياه نقية لا تزيد على 41 في المائة، وان اعتماد السكان على السلع التموينية زاد من سيطرة النظام على مقدارتهم. وهذا من العوامل التي دفعت وتدفع إلى الهجرة من ليبيا.!!
وهذا الانهيار للوضع الإنساني من العوامل التي دفعت إلى مغادرة العقول الليبية لليبيا أو تفضيلها البقاء في المنفى ،خصوصا أن سياسة النظام في تثوير الوطن والمجتمع ما تزال مستمرة،وامتدت لتطول الأطفال ممن تراوح أعمارهم بين 14 و18 عاما على إجبارهم على الدخول في معسكرات " سواعد وأشبال الفاتح"! وهو ما يخالف اتفاقية حقوق الطفل !!
د/ جاب الله موسى حسن
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()