منتدى القراء

27/01/05


 د/ جاب الله موسى حسن


 

راجع أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى

 

 

 

 

"خيبة أمل راكبة جمل!!"

 

عندما انتقلنا إلى النظام الملكي وتخلصنا من الاستعمار… كانت أرادتنا قوية. وكان عزمنا صادقاً… وكان طريقنا واضحاً… كنا نريد ديمقراطية حقيقية تعيد لهذا الشعب كامل أرادته… وتمكنه من صنع مصيره… كنا نريد إصلاحا شاملاً يقوده شعب حر ويصوغ لبناته… وفجأة جاء انقلاب سبتمبر المشئوم ومن بعدها تبدد الحلم وضاع الأمل وانزلقت ليبيا كلها إلى اتجاه مضاد لما كانت تنشد وما كانت تريد!!

 

كنا نريد تعليما عصرياً يخدم التنمية لا تعليماً ديماغوجياً متخلفا يهدم التنمية! كنا  نريد خدمات صحية متفوقة لا خدمات صحية متهالكة!! كنا نريد قرى جميلة منسقه… لا قرى قبيحة ممزقة !! كنا نريد مدنا جديدة منظمة… لا مدنا عشوائية محطمة!! كنا نريد مساحات زراعية مجمعة… لا مساحات زراعية مفتتة!! كنا نريد البناء والتعمير في الصحراء لا على اخصب الأراضي الخضراء كما يحصل بالجبل الأخضر ودرنة!! كنا نريد بيئة طاهرة نظيفة… لا بيئة قذرة ملوثة!! كنا نريد كل ذلك… وكان كل ذلك ممكنا لولا إرادة حاكم  مأفون فعل بنا عكس ما كنا نتمنى… وهدم في نفوسنا كل حلم جميل يسعى إلى الغد الأفضل!!

 

كنا نريد كل ذلك… ولم يكن كل ذلك بكثير علينا…ولكن إرادة القهر والاستبداد جنحت بهذا الشعب إلى سرداب مظلم كانت نهايته هذه المأساة التي نحياها فقر وعار وخراب ديار !!ولم يكن ممكنا الإقناع بالعقل أو الاستشهاد بالعلم فقد كان ثوار سبتمبر!! مفتونين بشبابهم… مولعين بكل ما يثير الناس أو يستثير غرائزهم وكانت نعرة السلطة والثروة والسلاح .. في هذا الزمان تعلو على كل النعرات فركبوها واستغلوا بريقها لدعم سلطانهم وإحكام قبضتهم ولم يكن لهم بها صلة مشروعة فلا هم الذين اخترعوها… ولا هم الذين تعلموها… ولا هم الذين التزموا بها وطبقوها على أنفسهم وأولادهم!! إنما كانت مقولة السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب هي المطية السهلة المخادعة للجماهير ومداعبة أحلامهم في العدالة والمساواة والرخاء!!

 

عندما سقط القناع وتبدد الزيف تحت نيران هزيمة أتشاد… وبدأنا ندفع الثمن… في خراب اقتصادي… وتمزق اجتماعي… وإفلاس فكري… هذا الزخم الهائل من المشاكل  وممارسة السياسة الرعناء  في كل ميادين هو الذي افسد كل محاولات الإصلاح والتطوير… وهو الذي افسد كل تحول نحو الغد المنشود… فجراثيم الحكم المطلق… بكل روافده تقتحم ميادين الإصلاح… وتعرقل تحركه… فلا القيادات السياسية… ولا الإدارية قادرة على استيعاب التحولات الجديدة… ولا  توجد قوانين جاهزة لتقبل هذه التحولات. وكل المناخ العام تحكمه تصورات النظام الشمولي وقوانينه وسلوكياته… فالعقلية التي صنعت الاقتصاد والتخطيط  بالأوامر العسكرية لا يمكن أن تصنع اقتصاداً ولا أن تمنع احتكار… ولا أن تحترم آليات الاقتصاد الحر… ومن الخطأ أن نتوقع التحول على أيدي هؤلاء الذين دمروا اقتصاد الوطن بانغلاقهم وتحجر عقولهم وضيق أفقهم وعجزهم عن أدراك الحاضر… وتصور المستقبل!! وأنها كارثة أكيدة أن يكون المتحكم في مصير الاقتصاد  في هذه الآونة جيشاً من صغار اللجان الثورية … يقودهم رجال مخابرات لا يعرفون من فنون القيادة الاقتصادية شيئاً… ولا يقدرون حجم البلاء الذي يعود على ليبيا وعلى اقتصادها من جهلهم  وفسادهم… ولكن ما باليد حيلة إذا كان النظام يصر على الإبحار ضد التيار بسفينة هالكة… ويصر اكثر على تغيير كل شيء إلا شيئا واحداًً يعجز ولا شك عن تغييره وهو العقول التي تربت على النفاق والفساد… وشربت من وعائه حتى أصابها ازدواج الشخصية… واعوجاج السلوك فانطلقت تعالج الفساد بدواء عقيم اسمه لجان التطهير…فقتلت الطموح وحولت اقتصاد ليبيا إلى سيرك لا يرتاده إلا الوصوليون والمنافقون… إنها خيبة أمل راكبة جمل!!

 

 د/ جاب الله موسى حسن

 

Jaballah60@yahoo.com

 

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.