منبر الكتّاب

29/03/05

 

 

 

 د/ جاب الله موسى حسن

 

مقاطعة البطنان على شفى عصيان!!

 

بعد حالة الهذيان والإسهال الكلامي التي أصابت القذافي مؤخرا في مؤتمر القمة العربي الأخير أصبح الجميع في حالة ترقب وانتظار: السلطة في ليبيا ومن يعاديها في الداخل والخارج،أنصارها وحراسها، ثم الناس ، أكثر الناس في ليبيا الذين يعيشون الوقت الحرج على نحو لا يمكن أن يدركه إلا من مرت عليه مداهمات عشوائية وتصفيات جسدية وحصار طويل الأمد ..جعل الجمع يترقب التغيير، ولكن كيف ومتى ،تلك هي الأسئلة المعلقة إلى أجل غير مسمى؟!!

 

تتوارد إلينا أخبار جد مهمة من مقاطعة البطنان تؤكد أمراً هاماً ، وهو ضعف السلطة وتفكك آلياتها ،وهذا ما نجح أن يفعله المجتمع  الدولي  وكذلك  معارضة الخارج ناهيك عن حالة الغليان التي تنذر بعصيان مسلح  في الأقاليم  الشرقية وتحديدا إقليم  البطنان!!

 

بيد أن هذا الوقت الحاسم والدقيق للترقب، له وجهه الآخر، وجه المجاعة التي تعصف  بهذه المقاطعات ، وجه هو في الحقيقة،موت يومي داخل المستشفيات والبيوت ،وموت معنوي للقيم والأخلاق التي تعاون القمع والجوع في الإجهاز على بعض من دعائمها .ويبدو سوء فهم العالم الغربي والعربي للوضع الحقيقي في جماهيرية الإرهاب ،أحد أسباب تلك الخيبة في إيجاد حل حاسم وحازم لقضايا الإرهاب وتورط نظام سرت في انتهاكات حقوق الإنسان ،في حين ترى الجهتان المقررتان في الصراع:نظام  طرابلس العار وأمريكا أن الانتظار هو اللعبة الأنسب لربح الجولة! ولهذا وافقت جماهيرية القذافى على   تدمير ما يسمى بأسلحة الدمار الشامل كخطوة  استباقية !!

 

فإن نجح القذافى في أن يجعل التخلص من  أسلحة الدمار الشامل  المزعومة  والإبقاء على إستراتيجية  تجويع الشعب  وفق نظرية" جوع كلبك يتبعك" والتي تعد من أقوى الأسلحة اللاأخلاقية في ترسانة القذافى القمعية قد تكون أحد أهم أسباب التأييد إنسانيا لنظامه المتهاوي ، وفق استراتيجية استثمار الألم، فهو بالبداهة نجح في أن يحجب مطلبا عاجلا بإزالته،لسبب بسيط وهو أن قرار إزالة هذا النظام في كواليس الغرب وأمريكا أتى متأخرا، وان آلية تطبيقه خضعت وتخضع إلى تقديرات لا تأخذ في الاعتبار قيمة الوقت ولا مصلحة الناس في الوطن المَكْلُوم!!

 

التعنت المطلق الذي يبديه النظام الليبي في أن يبقى يحكم بالطريقة ذاتها التي حكم فيها وهو يملك قوته وجبروته ، يشبه تعنت أمريكا بأن تفهم التغيير في ليبيا على انه ترتيب لبيتها في شمال أفريقيا.  فأمريكا تبدو  اعقل واكثر تفهما لمشاكل المناطق الأخرى ،لكنها تتعامل بعقلية المنتصر فيما يخص ليبيا. المؤكد أن الغارة الأمريكية على طرابلس وبنغازي في شهر إبريل 1986 .منحتها ثقة بنفسها إلى حد الإبقاء على القذافي وإهمال عواقب ذلك الترقب الطويل الذي يموت فيه شعب من الجوع والشعور بالخذلان والكمد والقهر من أجهزة النظام الأمنية ومن مواقف دول الجوار الطامعة!!

 

ليبيا بحاجة إلى من يضمد جراحها،ـ وهى تدرك أن مشكلتها لم تعد قضية داخلية، إذا أصبحت شاغل الأطراف القوية في أفريقيا  والعالم، ولكل واحد من تلك الأطراف مصالحه و أسبابه الخاصة ومفاهيمه ، ولا نحسب أنها تختلف من حيث الجوهر، ولكن أمر المساعدة على اختصار معاناة الناس في ليبيا لم ولن تكون في أولويات تلك المصالح. الذي  يجرى في  الوطن السليب اشد وطأة  من الحرب، أنه رعب انتظار الخاتمة،في حين يمضى الوطن إلى الانهيار .ومع أن التعب اخذ من الناس مأخذا،إلا إن الليبيين لم يكفوا عن إعلان عصيانهم واحتجاجاتهم على السلطة، ولكنها احتجاجات المحبط الذي بلغ به اليأس حد المغامرة الانتحارية، تلك المجابهات التي حدثت في التسعينيات في الجبل الأخضر الصامد لم تتحول إلى ثورة أو انتفاضة شاملة، بيد أن الغليان الشعبي والتململ  التي يجتاح  ألان الأقاليم الشرقية من برقة  يدللان على أن التغيير أحد المطالب التي يتوحد خلفها الكثير من المتضررين من استمرار النظام في ليبيا، حتى أولئك الذين كانوا بالأمس القريب من الموالين له. ولا يعني هذا الأمر أن النظام سيسقط  يوم  الاثنين القادم ،فالنظام لن يسلم بسهولة، وأجهزته تتبع خطط الترهيب المنظم ، وسياسة الترويع اليومي لكبح أي تحرك ،غير أن لهذه السياسة حدها الذي يصل إلى نقطة معينة لن يستطيع النظام بعدها إيقاف  العصيان المدني  وهذا ما شاهدناه  عبر شاشات التلفزيون في  دول أسيا الوسطى ولبنان والبحرين ومصر!!

 

نظام سرت البغاء لا يريد أن يسلم بحقيقة ضعفه  لكي يستطيع على الأقل ،التعامل مع هذا الضعف على نحو براغماتي ، وفى حال ليبيا ليس المهم أن يقتل القذافي وأفراد عشيرته ، بل المهم أن تنجو ليبيا من الكارثة التي سببها هذا الرجل المأفون، وهذه النجاة حتى ولو جرت عن طريق مفاوضته لن يخسر الناس منها شيئاً. رأس النظام الآن يبحث عن حلول مع أمريكا لأن الشعب ومصيره ليس من اهتماماته ،وأمريكا ترفض كل عروضه ، في وقت تستطيع أن ترجح ضمن تلك العروض أوراقها الرابحة،  وهى تملك منها الكثير. وان كان هدفها إنقاذ الليبيين فلتجنبهم أقل الخسائر بعد الكثير الذي خسروه، التفاوض مع النظام باشتراطات ،واضحة لا تقبل اللبس،مثل: إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين ،السماح بالتعددية السياسية،إلغاء اللجان الثورية ومحاكمتهم كمجرمي حرب، إلغاء المؤتمرات الشعبية ،إقامة انتخابات حرة بإشراف الأمم المتحدة، إطلاق حرية الإعلام ،إقامة مؤسسات دستورية تكفل حرية المواطن وتصون كرامته ،إقامة اقتصاد حر، السماح بالاستثمارات الأجنبية من أجل بناء الاقتصاد المنهار، تسليم كل أفراد الأجهزة الأمنية وقيادات اللجان الثورية إلى محكمة العدل الدولية بهولندا. محاكمة ما يسمى بالضباط الأحرار في محاكم دولية محايدة  نزع أسلحة اللجان الثورية، تغيير لون العلم وتسمية الوطن باسمه  الحقيقي  أي إلغاء اسم الجماهيرية من خارطة العالم و مسحها  من  أذهان الشعب الليبي، رجوع الوطن إلى أحضن الأمة العربية بدون قيد أو شرط .هذه  في اعتقادنا أهم الشروط التي تنقذ الوطن من براثن الذل  والقمع والهوان!!.

 

بيد أن تصور أمريكا لطبيعة الإجراءات بصدد ليبيا تبدو على درجة من الغرابة ،فهناك ضرب من الاستعراض في سياسة التلويح بمحاكمة   القذافى وأركان نظامه بعد  إثبات تورطة في محاولة اغتيال ولى العهد السعودي الأمير عبداللة ، وخلال  فترات متلاحقة  كثر الحديث والنقاش عن مستقبل ليبيا كانت تتضمن خططاً عن كيفية تسيير هذا البلد في مرحلة ما بعد القذافي،وتلك الإجراءات تظهر واشنطن كمن يضع العربة قبل الحصان!!وفى الوقت ذاته تبدو على عجلة من أمرها. أن سياسة الشد والتراخى في المسألة الليبية ليست لصالح الوقت الحرج الذي يمر به شعبنا  المنهك  و المعذب في ظل الترقب المشوب باليأس!!

 

ومن عبث التصور وقلة المعرفة بطبيعة ما يجري في جماهيرية القذافي هو عدم تخيل إسقاط أو تغيير طبيعة النظام من دون أمريكا! بعد أن قطعت القضية الليبية شوطها الطويل في ظل  وضع دولت فيه، حالها حال قضية البلقان وتيمور الشرقية . ولكن الإقرار بهذا الواقع لا يعني التعامل معه من موقع التسليم بالدور الأمريكي  وحده في التغيير المنتظر، وفى وقت لا يعني خلق بؤر التصادم بين القرار الأمريكي وفصائل المعارضة. ولا أحد يستطع أن يزايد على معارضة المهجر في البحث عن حل لكارثة بلدهم مع أمريكا وغيرها من الدول المعنية بالقضية الليبية عربية كانت أم أجنبية، على أن تقوم تلك المناقشات والحوارات  على أسس تخدم مصلحة ليبيا وليبيا فقط!!.

 

كان أمام واشنطن مجموعة من الاختبارات لمعاينة خصوم النظام من الليبيين ذاتهم ،فوجدت نفسها في حال تنافر مع المعارضة القديمة للنظام الليبي من التكنوقراطيين ،وكان بعض رجال الأعمال والمنشقين عن النظام من العسكريين اكثر تماهياً مع المشروع الأمريكي ،الأمر الذي طرح إمكان التشاور العملي القائم على تحاور إيجابي يقرب الأمريكان من حقيقية القوى والأوضاع في ليبيا. ولعل الطريقة الأمريكية التي انتهجتها في الثمانينات في التعاون مع المعارضة على أساس الهبات المالية التي توزعها على بعض فصائل المعارضة ،أربك الأجواء بين الفصائل المختلفة ،فبدأ الحصول على المال مقابل النضال الذي يتسم في الأساس بطابعه السلمي ،نشّط إمكانات التعامل مع القضية الليبية باعتبارها مسلسل صفقات وعروضا تجارية مربحة، وهو مبدأ "القذافي" ذاته في كسب الموالين له. الأمر الذي أدى إلى غياب الحوار الإيجابي المفترض بين الأطراف المعارضة في الخارج وترجيح كفة بعضها على البعض الآخر!!

 

أن سياسة الأمر الواقع التي تفرضها أمريكا على المعارضة الليبية ،عززت ثقة بعض الأطراف بنفسها كبدائل حتمية للنظام يتصرفون على هذا الأساس في كل عمل يقومون به. تلك المعمعة التي اختلط فيها الحابل بالنابل ،جعلت احتمال انقسام المعارضة على بعضها من الأمور المرجحة. فالأقوياء ماليا يستقطبون بسهولة من تعود على سياسة  النظام القائمة على شراء الذمم والولاء السياسي  ويبقوه على التصور القديم نفسه القائم على مبدأ الرشوة في السياسة ،وهو مبدأ خطير ،لعله الأصل في خراب ليبيا على يد القذافي .وهذه السياسة تمنح المتعاملين مع أمريكا ،الثقة بالانفراد بمركز القرار ومن لا يقبل من الفصائل الأخرى فله أن يشرب من البحر! الصراع بين سلطة مثل سلطة القذافي يقتضي من المعارضين أفعالا تقف على الضد من ممارسات هذه السلطة. ومن ألان وصاعدا  ليس أمامنا إلا أن نشجع ,بل ونستثمر  المشروع  الأمريكي الخاص بدمقرطة الشرق الأوسط ،وهى الفرصة التي لا يمكن تجاهلها  بأي حال من الأحوال. ولا قيمة لأي  مطلب معارض ،مهما كانت حسن نواياه ،من دون أن يدرك أن كارثة العزله الاقتصادية والسياسية والمعلوماتية ينبغي أن تتوقف لكي يلتقط  أهلنا في الداخل أنفاسهم، فالعزلة الدولية أضحت سيف النظام القاطع أو الورقة الأخيرة لبقائه أو المراهنة على استعادة قوته!!

 

أن تشتت الحلول على المستوى الغربي والعربي اضعف الانتباه إلى الجانب الإنساني في حسم المسألة الليبية ،في حين تجد الدول الغربية تلتقي على أمور اصعب من هذا الأمر. موت الليبيين وقمعهم لا ينتظر التأجيل ،وليس هناك من مبرر لعزل شعبنا المَكْلُوم, بينما  النظام يرزح تحت كماشة أمريكا في المعنى المجازى والحقيقي.ولعل من باب التعويل على عامل مهم في حسم موقع سلطة القذافى مقابل موقع الناس أن يتم  إخراج الشعب من عزلته لكي يتمكنوا من الخروج  إلى الشوارع أسوة  بما يحصل في العالم ألان, مع فرض نظام رقابة صارم على تحرك قوات النظام  وذلك بعزل مقاطعة البطنان وجعلها  منطقة محظورة على أجهزة القذافى القمعية مثل ما كان  موجودا  في شمال العراق و جنوبه, بالإضافة إلى عدم تزويد النظام بالأسلحة  واستثمار النفط لأغراض غير المنفعة العامة, مع تشديد الحصار على أقطاب النظام ومنعهم من التحرك الدبلوماسي ،وحسم محاكمة القذافي دولياً وتشديد العزلة حوله، إلا أحد الحلول السريعة التي على الغرب أن يضع بديلا لها في حال عجزه عن تحقيقها .وهذا البديل هو مفاوضة النظام لا على أساس نبذ الإرهاب والتوقف عن ممارسته فهو اضعف من أن يمارسه دولياً ، بل على حقوق الليبيين و أمنهم،لأن عنف القذافي بدأ في الداخل ثم امتد إلى الخارج!!

 

الحل الوطني لن  يصبح سلاحا ماضيا إلا بمساعدة العالم على أحداث انفراج نسبي يمهد تدريجيا لإجراء تغييرات حقيقية في تركيبة السلطة ونوع التعامل مع المواطنين والاهم من ذلك تحجيم آلة القمع الضاربة : فإن كانت هناك فسحة حقيقية للمجتمع الدولي لتفهم الحالة الليبية هو  ربط قضية فك العزلة عن الوطن بالديمقراطية والتعددية وحماية الشعب من بطش النظام وبهذا يصبح على المجتمع الدولي أن يعمل على حماية العصيان المطالب بالحرية والديمقراطية بدعم استقلاله،وتوحيد جهده النزيه من أجل أن يكون بديلا يحظى باحترام الناس في ليبيا ويمثل صوته المقموع بحق أمام الرأي العام  المحلى والعالمي.!!

 

 د/ جاب الله موسى حسن

 

Jaballah60@yahoo.com

 

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.