29 نوفمبر 2004
|
د/جاب اللة موسى حسن*
ليبيا بين التعصب القبلى...ومقولة من تحزب خان!!
إن الحزب باعتباره تنظيما او تجمعا لمجموعة من الناس ذوي رؤية واحدة او مصلحة واهداف مشتركة ظاهرة سياسية من ظواهر المجتمع المدني االحضارى الصحيح والمعافى،بل مكون من مكوناته السياسية الوطيدة الاركان شامخة البنيان .وهو كذلك حين يكون متعدداً يعبر كل حزب عن رؤية واهداف قطاع معين او مصلحة ،ولكنها جميعا تسلم بسيادة ذات القانون عليها، وتخضع له،وتؤمن عمليا بالتبادل السلمى للسلطة وفق معايير حضارية ومعاصرة!!.
وعلى الجانب الآخر أى جانب الشر !! إذا احتكرت القبيلة السلطة فإن العصبية والتشيع العشائري يصبحان أشد خطرا واكبر ضررا وأسوأ عاقبة على مستقبل الوطن والشعب معاً .أن اولى الضحايا لذلك هى الحرية والمؤسسات المدنية .وبعدها يصبح القانون وفى هذة الحالة الشرعية الثورية أداة طيعة لخدمة القبيلة واهدافها الشيطانية،وتمسى السلطة بيد القبيلة للحفاظ على هيمنتها على مقدرات الوطن ومستقبل اجيالة معا. ان الخطورة البالغة والمأسوية عزيزى القارى تكمن فى ان دولة القبيلة تصبح بمنجاة من أى قانون او مؤسسات كابحة لطغيانها .وكل أدوات الاخضاع وإلا اقناع فى يد القبيلة. وهكذا تنتهى المساواة والعدالة الأجتماعية بعد الحرية، وتنسحق حقوق الانسان كافة ويصبح الانسان خائفا فى ذهابة وايابة وبعدها تهيمن ثقافة الشك على كل مناحى التفاعل الاجتماعى والتى من خلالها برزت كلمة "اة أيش قصدك". ان الانسان قد يطعم بسلع تمونية فاقدة الصلاحية، ولكن كما يطعم الحيوان من أجل ان يدور بنيرة او تحت نيرة على معصرة القبيلة فى دولة عصر الجماهير التى تعصر الشعب لمصلحة القبيلة التى تختزل عادة فى قيادة تاريخية تختزل بدورها الوطن فى شخص واحد واقاربة!!
وتلك واحدة من ابشع واشنع صور العصبية القبلية على الأطلاق !! صور قبيحة عزيزى القارى أصبح يرزح تحت ظلها الوطن السليب منذ خطاب ازوارة المشئوم وحتى كتابة هذة السطور . ولكنها ليست كل صورها. واذا ما خولت القبيلة لنفسها حق احتكار الحقيقة او امتلاك الوسيلة الوحيدة للتحدث باسمها او تطبيقها فقد وقعت فى حماة العصبية وغرقت فى مستنقعها، ارادت ذلك أم لم ترد. انها تخوض معاركها منفصلة عن الجامع المشترك الذى لابد منه لكل مجتمع ،منطلقها فقط من ذاتها العصبية ومتجهاً فقط اليها والى انانيتها المفرطة فى اقصاء الأخر وتدميرة!!إن البنية السليمة للتعددية انما تقوم على اساس صحة بنية المجتمع وسلامتة .فإن وجود تعددية حزبية معافاة رهن بوجود مجتمع معافى من الامراض التى تجعل من القبيلة فصيلا مضادا للآخر وهذا هو مكمن الداء ورأس البلاء!!
فالتعددية الفكرية افراز للتوازن فى قوى المجتمع من حيث هى تعبير عن هذه القوى ،تعبير محدد بشروط ذلك التوازن ويتحرك ضمن حدود. من هنا لا تجد العصبية القبلية مكانا لها، لانها بحد ذاتها تعبير عن خلل فى طبيعة أى مجتمع تذر قرنها فيه.
وفى المقابل عندما تكون القبلية تعبيرا عن صراع بين شرائح المجتمع عادة ما يكون صراع غير مضبوط بجامع مشترك يربط اطراف المجتمع ويحول دون انفراطه فإنها تكون عصبية مريضة تعبر عن عصبيات متقابلة وفق مفهوم بوهيمى يطلق علية "الدم واللحم"!! القبيلة عزيزى القارى ليس لها من محددات الا القدرة او العجز ،إذ ما قدر لأحد القبائل الغلبة عصفت بالبقية واخضعتها لضروب من العنت والجور والاضطهاد والتشيئة والتهميش والقمع المنظم!!
هنالك قواسم مشتركة ..تلتقى عندها قوى المجتمع كلها وهنالك ايضا مصالح عامة تفرضها وتجمعها تلك القواسم المشتركة ثم هنالك مصالح مختلفة لقوى المجتمع،تتشكل على اساسها الاحزاب والتنظيمات المدنية المختلفة من نقابات واتحادات ونحوها.. فى اطار تلك القواسم المشتركة والمصالح العامة التى تتحقق بها مصالح جميع القوى والاطراف. وعلى هذا الاساس تكون التعددية الحزبية جزاء من الحركة العامة للمجتمع فى الاتجاه الصحيح .أما إذا قامت حركة المجتمع على العكس من تلك الاسس كما هو الحال فى جماهرية" من تحزب خان" فإنها تصبح تجمعات لعصبيات مختلفة يصارع بعضها بعضا، ومن ثم تكون معيقة لحركة التاريخ ومتجهة بالمجتمع الاتجاه المضاد لوجهته لصحيحة فى اقل ما يمكن ان توصف به .إن ذلك يجعل ضررها اكبر من نفعها،بل يجعلها ضررا لا نفع فيه!!
واذا كانت الديمقراطية فى المجتمعات الحضارية قد افرزت بطبيعتها التعددية الحزبية، وإذا كانت هذه التعددية قد غدت من السمات الملازمة للديمقراطية فى المجتمعات المدنية المعاصرة, فإن من الاهمية بمكان ان نستصحب دائما هذه العلاقة القائمة على جوهر الديمقراطية أساسا، أى على قيم الديمقراطية وعلاقاتها الانسانية المختلفة. إن التعددية التى لا تمثل تلك القيم ولا تنطلق اساسا منها هى تعددية دخيلة على الديمقراطية ،مفتعلة وطفيلية تؤدى دورا مضادا للديمقراطية بما تقوم به من تزييف لحقائقها والغاء لمقوماتها واستخدام لمسمياتها تغطية على تشوهات مختلفة جهوية او قبلية لا علاقة لها بطبيعة التعددية السياسية ولا بروحها. وهى ضرب من العصبية لقبلية المقيتة والشيطانية ،تغتصب ثوب السياسة الذى لم يفصل عليها ولا يصلح لها وتحشر نفسها فيه اغتصاباً فجا, ثم تمشى فى الارض مرحا، بفضائحها وما يزيدها ذلك الثوب لمغتصب الا عرياً!!ان الاحزاب عزيزى القارى ظاهرة صحية فى مجتمع معافى. وهى تقوم على اسس واضحة ،من فكرة واضحة،وبرامج محددة على اساسها ،و مشروع حقيقي يحل مشكلات الحاضر و يكيف المستقبل!!وعلى هذا فإن الاحزاب تتوخى مصالح الفئات التى تمثلها من المجتمع فإنها تعمل ذلك فى اطار المصلحة العامة التى تتفرع منها تلك المصالح.
ولكن القبيلة دائما تقع بالضرورة فى بؤرة مصالحها الضيقة وحدها، تتعارض فى ذلك مع المصلحة العامة التى تشكل الاطار الجامع. وذلك يحولها الى تجمع ضيق محدود مبتور الصلات بغيره، بل تتحول الى عصبية تدفع بالمجتمع الى دوامة الصراع والتناحر على مصالح متناقضة لا تضبطها مصلحة جامعة تحل ذلك التناقض بما تمثله من نقطة لقاء على أمر جامع او اطار عام!!
تلك هى افة العصبية القبلية حين تحل محل الفكرة لحزبية و المبدأ الحزبي الذى يعتبر الحزب مؤسسة من مؤسسات المجتمع السياسي المدنى معنية اولا بهذا المجتمع، وفى اطار مصالح من تمثله. العصبية القبلية ، تكون العصبية العرقية معها شكلا ارقى!! ولا يقف خطر العصبية القبلية عند هذه الحدود، بل تتجاوزها إلى تخريب العقل الجماعى او العام بافساد المنطق، وتمزيق شبكة العلاقات الاجتماعية بتزييف الثقافة ،ومصادرة الوعى بتشويه التاريخ وتزويره, وليس هذا فحسب ,بل تغرس وتنمى الاحساس بالعبثية ،وذلك بما تتبادله من تهم التخوين والتخويف، وبما تتقاذفه من ضروب الافتراء وافانين الكذب فى حمى الصراع السياسي الانانى الذى يستباح فيه مالا يُباح ..حتى كرامة الموتى!!فاذا كانت الدماء وفق منظور سرت البلاء لا تجرى على ارصفة الشوارع والميادين فان الاخلاق تلفظ انفاسها !!حسبنا اللة ونعم الوكيل!!نعم عزيزى القارى اننى اوافقك الراى على فداحة وحجم مأساة الوطن الجريح، وببساطة وكما يدور فى أذهاننا جميعا بأن الخطل التأريخى التى تعيشة ليبيا اليوم حتما سيورث المجتمع علالا شتى لا يكون الصراع الدموى ـ فى النهاية ـ الا واحدا منها، بعد ان يكون الخلل قد اصاب جميع القيم ،ومزق الشبكة الاجتماعية التى لا تقوم بدونها علاقات داخل المجتمع !!
د/ جاب الله موسى حسن
*استاذ مشارك بجامعة تكساس الجنوبية. تدريس علم الخطابة"فلسفة الكلام ومعايير الجدل". تدريس الاتصال المهنى لرجال الاعمال. تدريس فن مقابلات العمل. * استاذ محاضر بكلية هيوستون. تدريس علم المناظرات. تدريس كيفية كتابة السيرة الاكادمية. تدريس علم الخطابة. * أستاذ محاضر بكلية شمال مقاطعة هاريس. تدريس علم المناظرات. تدريس علم الاتصال ذو الاتجاهين. تدريس فن مقابلات العمل. *أستاذ محاضر بكلية الفن Alvin تدريس علم الخطابة تدريس علم الاتصال ذو الاتجاهين. ______________________
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()