منتدى القراء

18/12/04

 

 

 

 

 

 عودة مواسم الإهانة

عيسى عبدالقيوم

 

"  كلمات على هامش خبر إنتحار أو قتل الاستاذ محمد أحمد الزوي "

 

أكاد أستشعر طعم الألم الذى يعتصر الوسط الإعلامي والثقافي في ليبيا هذه الأيام .. ألم بنكهة النكسة أو النكبة على ( ورقة ) ظن الجميع أنها تمثل الحياد الإيجابي .. أو مساحة المباح ..إنها ورقة العمل الثقافي .. أو حتى نكون أكثر دقة فلنسمها ورقة بدايات المد الثقافي .

 

كنت أراقبهم وهم يتحايلون من أجل حفل هنا أو مطبوعة هناك .. وهم يقفون بشعورهم التى كساها الزمان بياضا أمام  كل باب تلوح من خلفه بارقة أمل .. ويطبطبون على ظهر كل من نعق بكلمة تشبه الأمل .. ذلك الأمل الذى قادهم الى مشارف صحراء سرت أين يسمون السراب أملا .. كنت أصفق لهم تارة.. وأشفق عليهم تارة أخرى .. كنت المحهم يتراءون من بين الصفوف الخلفية  كظلال الأشياء .. يحاولون النفخ فى أشلاء تتحرك بل وتحرك الأشياء ؛ فى زمن أصبح فيه الفرق بين النتيجة والسبب كالفرق بين النقير والقطمير.. كنت أراهم وقلوبهم على الوطن وعيونهم ترقب بشارة ميلاد ذلك الأمل الخجول .. بشارة تنتعش مرة لأسباب سياسية فترى أثرها على جدران السرايا الحمراء .. وتنتكس أخرى لذات الأسباب فلا يكاد يوجد لها مأوى سوى غرفة خرساء يحرسها تيس أبكم فى مضارب سجن ( بوسليم ) .. كانوا يركضون فى كل إتجاه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه .. كانوا يحفرون الصخر بأظافرهم من أجل إثبات حسن النوايا.. ولانشك لحظة فى أن سعيهم كان وسيكون مشكورا .. ونواياهم متفهمة عند القريب والبعيد . 

 

ولكن ها هي أجواء ( مات أم إنتحر) تعود لتعبث بنا من جديد .. ولتعيدنا جميعا الى نقطة البداية.. نقطة الخوف من الثقافة.. لا الخوف على الثقافة.. وذلك عندما يصل سعر الكلمة الى حدود الموت .. أو رعب إطلاقه من قمقمه من جديد بعد أن أصبح أمره (الموت) بين يدي من يعتبر الثقافة على وزن " خرافة ".. ويصف فلسفة المجتمع المدني " بالأسطورة ".. ويسمي من تنازلوا عن حقهم لأجل ما أصطلح على وصفه بالمصلحة الوطنية " بالطلقاء ".

 

فها هي رائحة الثورة الحادة عادت لتعبق مع تناقل الأوساط الإعلامية ـ أو عبر رسائل شخصية خجولة ـ خبر مقتل / إنتحار الكاتب محمد أحمد الزوي نتيجة للتدافع الذى لا يفهم فى بلادنا إلا على أنه صراع بين ثوري وخائن .

 

لن أقول لكم أني صديق الأستاذ أحمد الزوي .. فأنا  لم أره  فى  حياتي .. ولن  أدعي  الأن أننا وإياه " سمن على عسل " فتلك حيلة من لا يعرف  للوشائج  إلا لونا واحدا يتلاعب به بواسطة بلورة النفاق.. ولكنني أزعم أن المسافة بين اي ليبيين قابلة للجَسر طالما قبلا أن تكون الكلمة والفكرة رسلا بينهما.. وهذا فى تقديري أحد الفروق بين المثقف وأبناء الثوار الذين لن تستطيع جامعات العالم تعليمهم أياه ، طالما أنهم يصرون على أن أجهزة الأمن وجدت لتحل كافة المعظلات .. ولتجمع الفرقاء على مائدة التحقيق المستديرة أيضا .   

 

أتصور أن الكثير من أصدقائنا يشعر هذه الأيام بطعم الإهانة أكثر من ذى قبل .. ذلك الطعم الذى اضحى لا يفارقنا .. وأصبحنا نتجرعه صباح مساء .. نتجرعه  ونحن نرى رسل الثقافة الليبية فى الفضائيات الدولية وهم يزّورون مشاعرهم وحقوقنا ، ويجعلون من ليبيا فاكهة المجالس الخليجية .. نتجرعه ونحن نقرأ كلمات مؤسسة حقوقية تطالب بتأهيل أساتذة جامعات يقبعون فى السجون من أجل ادماجهم فى المجتمع (1) ( ولا ندري من هو الذى يحتاج الى إعادة تأهيل ).. نتجرعه ونحن نرى شبابا يركبون قوارب الموت من أجل الهروب من جحيم واقع بائس .. نتجرعه ونحن نرى الطلبة المبتعثين للدراسات العليا فى الخارج يتسولون حقوقهم .. نتجرعه عندما نسمع عن حالة التعليم والصحة والخدمات العامة .. نتجرعه عندما نقرأ تقارير مؤسسة الشفافية .. وتقارير بيوت الصحافة الحرة .. ومنظمات حقوق الإنسان .. نتجرعه ونحن نتحسس الأثار السلبية التى أصابت الشخصية الليبية والخلل الذى وصل الى مستويات تثير القلق (2).. نتجرعه ونحن نعود من جديد لسماع أخبار القتل أو حتى الإنتحار فى ظل ظروف غامظة .. وعودة كتم أنفاس الأسر المفجوعة.. ومنعها من الوصول الى المعلومات التى من شأنها أن تخفف عنها مصابها .

 

أعلم أنه لن يستطيع أحد فى داخل الوطن أن ينعي الكاتب أحمد محمد الزوي بصدق .. ولا حتى أصدقاءه وأهل صنعته ،لان الكلمة لا تزال فى الأسر .. ويبدو أن المهجر الذى تحول الى غرفة لتكريم من أعطى ، ومسرح لإستذكار من خرج ولم يعد ، قد يتحول كذلك الى سرادق لتأبين قوافل الراحلين .. فى ظل الصمت الذى لم يعد يطاق بالنظر الى موجة إنتزاع الحقوق التى تجتاج العالم من اوكرانيا .. حتى تشيلي .

 

أستاذ أحمد الزوي .. لقد كنت هناك .. بل كنت قريبا جدا من دوائر صنع القرار .. وكنا نحاول أن نقول أن ثمة شيء ما غير سليم .. وكنتم تقولون ثمة جديد يمكن البناء عليه .. كنا نخشى عليكم من لعبة اجنحة السلطة.. وكنتم تقولون لا خوف فالخطأ فى الممارسة .. كنتم تحاولون ـ ولازلتم ـ عمل شيء يشبه صمامات الأمان من الطوفان .. ولكن غيركم كان ـ ولايزال ـ يراكم جميعا موظفين فى الهيئة العامة للنشر التابعة للهيئة العامة للأمن .. والأن … وقد نزل القدر فلا مجال للتخمين .. فرغم حسن النوايا .. ورغم المسايرة .. والتنازلات .. والرضى بالقليل من أجل غد أفضل .. تأبى الأيام إلا أن تثبت لنا جميعا أن للقصر باب واحد للسادة .. وأبواب خلفية للعبيد .. يحوطهما سور ظاهره يحمل الرحمة.. وباطنه فيه العذاب .

 

وما خبر منصور الكيخيا عنا ببعيد ( فقد كانت فاجعته أيضا فى ديسمبر ).. ألم يكن رجل حوار ؟.. الم يكن يؤمن بالعمل السلمي ؟.. الم يكن يرفض التدخل الأجنبي؟ .. الم يكن شعاره ليبيا أولا ؟.. ومع كل ذلك عندما رفض فقط أن يدخل من باب الخدم والعبيد .. لم يقبل ملفه .. وصنف على أنه العدو الأول .. وجاءت عملية إخفاءه لتشكل إهانة أخرى لهذا الشعب المتخم بالإهانات .. استاذ محمد الزوي .. نطلب لك نحن الذين إختلفنا معك طويلا حول مفهوم الكلمات ، ومدلول العبارات الرحمة من الله .. ونصلي من أجل أن تنال مغفرته .. ولن نبخسك حقك فى تثمين كلماتك الرائعة.. أو حروفك التى صففتها تحت عنوانك المفضل " رومانسيات "  فى ملاحق صحافة الجماهيرية (!) وسنحفر لك قبرا  فى العالم الإفتراضي ( الأنترنت) .. وسنضيف إسمك الى قائمة الذين ماتوا وهم يرقبون الأمل .. وسنبعث ببرقيات تعازينا الى أطفالك وسنتعاطف معهم بقوة .

 

وأرجو أن يتمكن أساتذتنا فى الداخل ( من أجل حفظ ماء الوجه على الأقل) من إقامة حائط للمبكى تسكب عليه العبرات .. وتنعى بجواره الثقافة .. بطريقة نأمل ألا تكون تقليدية .

 

لقد قتل صديق أو دفع الى الموت .. فهل من كلمة تنصف الكلمة .. وهل من عنوان تستقبلون عليه التعازي .. وهنا تستيقظ الذاكرة التاريخية لتدلي بهذه الشهادة .. يقال أن الأستاذ المحامي محمد فرج حمّي عندما مات صديقه ورفيق دربه الأستاذ المحامي عامر الدغيس ذهب من بنغازي الى طرابلس وأقام له خيمة عزاء ، إستقبل فيها المعزين ، وألقى فيها كلمة تأبين صديقه.. رغم تغول النظام .. وطغيان السلطة  وتجبرها فى ذلك الزمان !!.

 

فهل سنسمع عن خيمة وعزاء للإعلاميين والمثقفين .. وهل سنقرأ كلمات تأبين تطالب بوقف سيل الإهانات .. وإحترام المواطن الليبي .. فليس بالخبز وحده يعيش الإنسان .

 

والسلام

 

عيسى عبدالقيوم

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

1ـ ورد كلمات التأهيل والإدماج فى حق مجموعة الدكاترة الذين يحاكمون فى قضية الإخوان المسلمين ، كالدكتور عبدالله عزالدين والدكتور سالم بوحنك .. وهم اساتذة فى الجامعات الليبية وظيفتهم تأهيل الأجيال لتتحمل مسئولية المشاركة فى بناء الوطن ، فكيف بالله يطلق فى حقهم وصف إعادة التأهيل والإدماج فى المجتمع.. وهو وصف عادة ما يطلق على المفرج عنهم من المجرمين الذين قضوا فترات طويلة فى السجون ، او على العائدين من الحروب الطاحنة ، أو على ذوي الإعاقات الذهنية .. حسبنا الله ونعم الوكيل .  

 2ـ صديقي الاستاذ خالد الورشفاني .. أشكرك على كلماتك التى هي بكل تأكيد أطول مني قامة.. ونرجو من الله ان يقذف فى قلوبنا جميعا المحبة ففي الأرض ما يكفي من العداوة .. وأن يصبرنا فالجرح فى الكف .

          

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.