منتدى القراء

29/12/04


عيسى عبدالقيوم


 

 

... وقد يكون وراثياً !!

 

" إذا لم تضحك على نفسك كثيرا ، أعطيت الآخرين هذه الفرصة السانحة "

                                                                                                    أنيس منصور

 

حدث وزرت ذات يوم " سور الأزبكية " ذلك المكان الذى اشتهر ببيع الكتب القديمة فى مصر .. ولا أخال شخصا مهتما بالكتاب إلا ويكون قد مر به ولو من باب الفضول .. عموما وجدتني التقط من بين معروضاته الكثيرة بعض الكتب التى تناولت الحديث عن الضحك والفكاهة.. مثل كتاب " لعلك تضحك"  لأنيس منصور .. وكتاب  "الظرفاء " لمحمود السعدني .. وكتاب " الذين ضحكوا حتى البكاء " للدكتور مصطفى محمود.

 

وكان قد سبق وأن إحتضنت مكتبتي الصغيرة كتاب " الضاحكون  "لمحمد قره علي ..  وكتاب " قصائد ضاحكة " للدكتور ناصر بن مسفر الزهراني .. وكتب الجاحظ .. ولم أجد أي تناقض فى أن تكون تلك الكتب جنبا الى جنب مع كتب الشاطبي .. وابن خلدون .. وابن كثير .. ومصطفى بن حليم.. وشكيب أرسلان.. والمنفلوطي.. ويوسف إدريس..وحتى عبدالرحمن الأبنودي .. وتجريدة حبيب.. لتشكل فى مجموعها صيدليتي الصغيرة التى أستعين بها لتطبيب نفسي قبل كل شيء.. لأجد فى النهاية ذاتي التى أنقب عنها.. والتى لن أتوقف ما حييت عن البحث عن أفضل طرق تهذيبها وتشذيبها وترتيبها بل وتأنيبها.. لأسلك بها الطريق الذى يرضي الله ويرضيني .. ويقبله عقلاء البشر من بني وطني أولا .. ثم من يجد متسعا من الوقت ليقضيه مع شخص مثلي ممن حولنا من الأعراب.. ولا حاجة لي بعد ذلك بأي إجماع إنسي.. لا سكوتي ولا أصولي .. فقد وطنت نفسي على الجلوس فى المقاعد الخلفية دون أي شعور بالدونية.. وعلى النظر الى النصف الممتلأ من الكوب.. بعد أن حاولت وفق ما قادني إليه إجتهادي على تقديم وجهة نظري الشخصية جدا للمساعدة فى ملء ما بدأ  لي أنه النصف الفارغ .. ولن يزعجني ألبتة لو ثبت لدي أن ذلك الفراغ  لم يكن فراغا .. وسأكون سعيدا لو تم ملؤه من أي كان بطريقة نبيلة تؤدي الى النتيجة التى نبحث عنها جميعا .      

 

عموما .. إذا كان الإفلاس المادي يحمل التاجر ـ كما يقول المثل الشعبي ـ على التقليب فى دفاتره القديمة.. فالذى دفعني الى التقليب فى دفاتري القديمة تلك.. هو البحث عن تفسير لإفلاس من نوع أخر أصبحنا نتلمس بعض أثاره .. بل ويصيب بعضنا شيء من رذاذ زبده المؤذي ولو عن غير قصد.. وجسّد أحد مستويات الخلل أو العطب الذى أصاب الإنسان المعاصر .. إنه إفلاس فى خصال المرح والمزاح ، والقدرة على إظهار مشاعر الحب ، وقبل ذلك فى رسم الإبتسامة ونشر روح الدعابة.. فالحياة أمست قاسية جدا.. وتعقدت الى درجة أصبحت معها أمراض العصر لا تظهر تحت أكبر المجاهر الطبية حجما وأكثرها تطورا .. لأنها أضحت تضرب على حين غرة وفى الجوانب السيكولوجية  للمرّكب البشري ..  وتأكد للكثير من الإختصاصيين أن لا جلاء لهمومها .. ولا إنقشاع لظلامها إلا بذكر الله وشيء من الدعابة والضحك والمزاح .. ومن هنا جاء ولعي ومحبتي لهذه الكتب .. ولأهل الطرفة والدعابة .. ممن بقى منهم على ظرفه .. ووقاه الله  شر ثقلة الظل و الدم .

 

يقول العقاد [.. ربما كان اسم( الضحك ) مغريا بالإستخفاف منافياً للجد وبواعثه ومعانيه ، ولكن البحث عن أسباب الضحك جدًّ كأصدق الجدِ الذى يُعرفنا بنفوسنا ، كما يُعرفنا بها أعظم العظائم وأفدح المحزنات ..] (1) . 

 

يقول الأستاذ احمد أمين [.. ليس المبتسمون للحياة أسعد حالا لأنفسهم فقط ، بل هم كذلك أقدر على العمل وأكثر إحتمالا للمسئولية ، وأصلح لمواجهة الشدائد ومعالجة الصعاب ، والإتيان بعظائم الأمور التى تنفعهم وتنفع الناس ..] (2) .

 

ويقول الدكتور ناصر الزهراني [..إن الضحك المعقول ، والسرور المحمود ، والإبتسامة المشرقة من أبرز الأسباب وأجدى البواعث التى تدفع بالنفس الى النشاط والهمة ومواصلة الكفاح.. إن الترويح عن النفس من أعباء  الحياة وهمومها لا يتناقض مع الحرص على الرفعة ، ولا يتناقض مع علو الهمة..](3) .

 

يقول الأستاذ محمد قره علي [.. الضحك لا يعني السخرية والإستهزاء ، ولكنه يعني أول ما يعني المزاح المحبب والدعابة البريئة ، والمرح المبتكر ..](4) .

 

ويقول الجاحظ بعد ان قسّم مذاهب الناس فى المزاح [.. نعوذ بالله أن نجعل المزاح فى الجملة كالجد فى الجملة ، بل نزعم أن بعض المزاح خيرٌ من بعض الجد ، وعامة الجد خيرٌ من عامة الهزل ..](5)

 

يقول هايورت [.. الضحك ذو قيمة إجتماعية معينة ..لأنه الإشارة الى زوال الخطر..](6) .

 

أعود الى دفاتري القديمة التى حاولت أن تشخص علة غياب الإبتسامة .. وأن تسهم فى وصف العلاج.. وشدني منها كتاب " الظرفاء" للسعدني.. حيث تحدث فيه عن ظرفاء مصر فى أواسط القرن المنصرم .. ونقل من كلامهم وأشعارهم ومواقفهم ما يجعلك تبتسم .. بل وأشار الى أن النكتة كانت عندهم أحد الأسلحة التى استخدموها  لمحاربة المحتلين الغزاة .. أعجبتني الزاوية التى طرح من خلالها الأستاذ محمود السعدني كتابه للتعريف بالشخصية المصرية.. وعندما إنتقلت للتنكيش بين ثنايا كتاب "الضاحكون".. وقفت عند هذا المقطع الذى ما إن ختمته حتى لاح فى الأفق سؤال ملح.. ينقل " القره علي " عن أحد علماء النفس قوله [.. إذا وجدت إنسانا يؤثر الغضب وتقطيب الوجه على الرضى والإبتسام فالتمس له العذر بلوم أمه ، لأن الطفل يبدأ الإبتسام خلال الشهرين الأولين من حياته ، ولكنه بعد خمسة أشهر يأخذ فى البكاء حين يرى أمه تعبس فى وجهه ، لأنها هي مثله الأعلى فى تغييرات الوجه ..](7) .

 

وهنا يجد المرء نفسه يتساءل بكل عفوية .. لماذا يغلب على الشخصية الليبية الحدة والخشونة.. والتكلف فى إظهار مظاهر الجد.. والتى ترتفع نسبتها كلما إتجهت الى ناحية الفئات المتدينة ؟! .. فإذا كانت بعض الدراسات تشير الى أن الأمر متعلق بوضعية الأم .. التى من المحتمل أن تكون ورثت هي الأخرى تقطيب الجبين .. ومسحة القلق عنه أمها .. وهكذا دواليك .. فهل من الممكن أن تكون هذه الظاهرة السيكولوجية كامنة ضمن الجينات الوراثية ؟! (8) .

 

وهنا ـ شخصياً ـ أشعر بنوع من الفزع لأني بصراحة شديدة كنت أتصور أن الموضوع متعلق بالوضع السياسي أو الأقتصادي الذى يرجى شفاءه ! وبالتالي الشفاء من أثاره خلال فترة وجيزة.. ولكنني ، ومع شئ من تتبع عينات ليبية فى المهجر أين تنعدم المنغصات الإقتصادية والسياسية والأمنية ، بدأت أميل أن لموضوع الجينات الوراثية شيء من الصحة .. مما يعني أن العلاج ـ إن صح المذهب ـ يحتاج الى وجود جيل مصاب .. وأخر يتجاوب مع العلاج .. حتى نصل الى جيل يحمل جينات نظيفة يمكن إستنطافها من أجل خلق شعب له القدرة على الإبتسامة .. وعلى إنتاج هرمون التسامح والمرح .. وبالنظر الى إزدياد أعداد المواليد تحت حكم سيادة العقيد معمر القذافي واللجان الثورية من جهة .. وأيات الله والحرس القديم من الجهة الأخرى .. فلا يمكن التكهن بأي أرقام محددة لمعادلة غسيل الجينات المعول عليها … نظريا على الأقل .

 

وكنت قبل أيام أطالع مقالة رائعة للأستاذ عبدالحميد البكوش ـ أرسلها الي الصديق العزيز الأستاذ الصادق شكري ـ ووقفت كثيرا عند قوله ( أصبح الهدوء يثير الشخصية الليبية ) للتدليل على عمق الخلل الذى أصابها .. وبالفعل لقد أصبحنا نتعامل مع شخصية موبوءة .. تراها تجرّم ما لا يمكن تجريمه .. وتغضب مما لا يحمل على الغضب .. شخصية إختل ذوقها من الملبس والمأكل .. وحتى طرق التعبير عن رغباتها .. قلقة دون أن تستطيع تحديد مصدر قلقها بدقة فضلا عن ان تحدد طرق علاجه .. مضطربة لخوفها من كل ما لا تدركه مداركها القاصرة أصلا عن تفسير ظاهرة الخوف.. مجتثة لا جذور لها فلا هي وطنية بالمفهوم الدافئ للكلمة .. ولا هي متدينة بالمفهوم الراقي للتدين.. ومرتبكة فى خيارات التعاطي مع متغيرات الكون ومتطلبات الصعود المعرفي..تلك المعاناة أوصلتها الى أوضاع متدهورة على المستوى الداخلي .. والى صورة مزرية على المستوى الخارجي .

 

فشخصية يثيرها الهدوء!!.. وتستفزها الإبتسامة والدعابة وتخرجها عن طورها !!.. أتصور أنها النموذج المثالي للخلل الذى يصيب عمق السلوك البشري السوي .

 

ربما لأن الصورة الذهنية المرتسمة فى العقل الباطن لتلك الشخصية تدفعها لإعتبار صورة الإنسان الضاحك لا تمثل صورة الإنسان النموذجي .. وربما لأن الصورة الواقعية التى عاشتها فى الطفولة وراقبتها فى الصبا لمجتمع مضطرب عانى من مظاهر القسوة والسادية قد ساهمت على نحو ما فى تأكيد ذلك الشعور الباطني .. وكذلك لا يمكن إغفال الأثر السلبي للغربة وفقدان المحيط الأسري والثقافي والديني بصورة مفاجأة وغير محددة الخاتمة الزمنية .. ومن المؤكد أن المحاضن التربوية المفترضة من تجمعات وجمعيات وجماعات لا تعفى من تقصيرها فى واجبها التربوي ( هذا على إفتراض أنها تخلصت من وعكتها ).

 

أقول ربما تكون كل تلك الإعتبارات ـ وفق منطق التفسير لا التبرير ـ قد غذت الخلل فى التوازن النفسي .. وأفرزت أو ساعدت على إفراز رفض ظاهرة الثغور الباسمة.. وإعتبارها شيئا مشينا، يُعيّر صاحبه .. ويؤخذ بالنواصي والأقدام .

  

فالعمل على كسر الصورة ( الوثن ) الخاطئة هو أول خطوات طريق الشفاء .. ومن هنا جاء حديثي عن الضحك والدعابة فى أكثر من مكان .. ليس لزرع الإبتسامة على شفاه الأخرين فقط .. بل لأكشف نفسي أمام نفسي وأسخر منها قليلا قبل أن تبتلعها أنفاق الغرور أو تقدم من خلف الستار على شكل سبق صحفي .. وكذلك لأرسم جزء من شخصيتي الحقيقية بيدي بدلا من أن يرسمها غيري بطريقة مشوهة نابعة كما قلت من نموذج مسخ .. كامن فى منطقة اللاوعي .. نموذج يعاني منه مجتمع بأكمله .. وترفضه للأسف فئة قليلة فقط .

 

فلنتعاون جميعا من أجل بذر بذرة التغيير نحو الأفضل .. نحو شخصية متوازنة فى معيشتها .. تألف وتؤلف.. تحب برفق وتكره برفق .. تصيب وتخطئ دون الحاجة الى قسيس ( بعمامة ) يمنحها صك من صكوك الغفران .. شخصية شعارها قوله تعالى { وكذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم } .

 

وعن الدعابة قالو ا :

 

" روّحوا القلوب  ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلّت عميت " ... حديث شريف .

" من كان فيه دعابة فقد برأ من الكبر " ... على بن ابي طالب .

" الضحك مع الناس وليس عليهم " ... انيس منصور.

 

يروى أن معلم الناس الخير محمد صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم يأكل التمر مع سيدنا على رضى الله عنه ، وكان كلما أكل تمرة وضع نواتها فى قصعة سيدنا على ، وفجأة بدهه بقوله : يا علي ما أعجلك بأكل التمر . فقال سيدنا على بعد أن نظر الى قصعته : يا رسول الله أعجل مني من يأكل التمر بنواه .

 

وبما أن للموضوع صلة بالمجتمع .. والبيئة الحاضنة .. أتصور أن ترديد البيت التالي لن يكون خارجا عن النسق أو السياق :

 

هم علموني البكا ما كنت أعرفه     يا ليتهم علموني كيف أبتسم

 

والسلام

 

عيسى عبدالقيوم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ كتاب حجا الضاحك ـ العقاد ـ صفحة 29 .

2ـ كتاب فيض الخاطر ـ احمد أمين ـ صفحة 126 .

3ـ كتاب قصائد ضاحكة ـ الدكتور ناصر الزهراني  صفحة 11.

4ـ كتاب الضاحكون ـ لمحمد قره علي صفحة 35 .

5ـ رسائل الجاحظ 3/93.

6ـ كتاب الضاحكون ـ لمحمد قره علي صفحة 34 .

7ـ كتاب الضاحكون ـ لمحمد قره علي ـ صفحة ـ 33.

8ـ سألت الصديق العزيز الدكتور ناصر المنفي ـ أستاذ وطبيب فى علم النفس ـ منذ زمن ، أثناء إلقاءه لمحاضرة ضمن نشاطات جمعية العمل الثقافي بلندن ، سألته عن امكانية وجود علاقة بين الخلل النفسي عند الإنسان وبين الجينات الوراثية .. فأجاب بأن إثبات أو نفي هذه العلاقة هو أخر ما يبحثه علماء النفس فى هذه الفترة .

 

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.